الأحرف السبعة

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

 « المراد بالأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها

وفي ذلك اختلاف كثير، وكلام للمصنفين طويل، فنذكر ما أمكن من ذلك مع بيان ما نختاره في تفسير ذلك بعون الله تعالى.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب "غريب الحديث": قوله سبعة أحرف يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه نزل بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات، ومعانيها في هذا كله واحدة، قال: ومما يبين ذلك قول [34و] ابن مسعود رضي الله عنه: "إني سمعت القرأة فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم هلم وتعالى" (1) ، وكذلك قال ابن سيرين: "إنما هو كقولك هلم وتعالى وأقبل"، ثم فسره ابن سيرين فقال: في قراءة ابن مسعود "إن كانت إلا زقية واحدة"، وفي قراءتنا: {صَيْحَةً وَاحِدَةً} (2) ، فالمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللغات (3) . وقال في كتاب "فضائل القرآن": وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة » 




هل تشتمل المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة؟[عدل]

 « (وَأَمَّا) كَوْنُ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ مُشْتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا: فَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْمَصَاحِفَ الْعُثْمَانِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى نَقْلِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَإِرْسَالِ كُلِّ مُصْحَفٍ مِنْهَا إِلَى مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا سِوَى ذَلِكَ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْقِرَاءَةِ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَلَا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ،

وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ الْعُثْمَانِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ رَسْمُهَا مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَقَطْ جَامِعَةٌ لِلْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِبْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَضَمِّنَةٌ لَهَا لَمْ تَتْرُكْ حَرْفًا مِنْهَا.

(قُلْتُ) [...] : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ صَوَابُهُ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَالْآثَارَ الْمَشْهُورَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَتَشْهَدُ لَهُ إِلَّا أَنَّ لَهُ تَتِمَّةً لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا نَذْكُرُهَا آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ، (وَقَدْ أُجِيبَ) عَمَّا اسْتَشْكَلَهُ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا:

مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمْ وَمُرَخَّصًا فِيهِ وَقَدْ جُعِلَ لَهُمُ الِاخْتِيَارُ فِي أَيِّ حَرْفٍ قَرَءُوا بِهِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَالُوا: فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ وَتَخْتَلِفُ وَتَتَقَاتَلُ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ اجْتِمَاعًا سَائِغًا وَهُمْ مَعْصُومُونَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَرْكٌ لِوَاجِبٍ وَلَا فِعْلٌ لِمَحْظُورٍ،

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ التَّرْخِيصَ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَا فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا، فَلَمَّا تَذَلَّلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ وَكَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ يَسِيرًا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَوْفَقُ لَهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي كَانَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ،

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهُ نَسَخَ مَا سِوَى ذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُخَالِفُ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ مَنْسُوخَةٌ، [...]

(قُلْتُ) : وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ نُسِخَ مِنْهُ وَغُيِّرَ فِيهِ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ صَحَّ النَّصُّ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرُوِّينَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَيُّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَقْرَأُ؟ قُلْتُ: الْأَخِيرَةُ قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً قَالَ: فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - مَا نُسِخَ مِنْهُ وَمَا بُدِّلَ، فَقِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَخِيرَةُ.

وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا إِشْكَالَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَتَبُوا فِي هَذِهِ الْمَصَاحِفِ مَا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ قُرْآنٌ وَمَا عَلِمُوهُ اسْتَقَرَّ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَمَا تَحَقَّقُوا صِحَّتَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ ; وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْمَصَاحِفُ بَعْضَ اخْتِلَافٍ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعَرْضَةُ الْأَخِيرَةُ فَقَطْ لَمْ تَخْتَلِفِ الْمَصَاحِفُ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتَرَكُوا مَا سِوَى ذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِمُ اثْنَانِ حَتَّى إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ حَرْفًا وَلَا غَيَّرَهُ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ الرَّاوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَقْرَءُوا الْقُرْآنَ كَمَا عُلِّمْتُمْ، وَهُوَ الْقَائِلُ: لَوْ وَلِيتُ مِنَ الْمَصَاحِفِ مَا وَلِيَ عُثْمَانُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ.


وَالْقِرَاءَاتُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ عِنْدَنَا عَنْ عُثْمَانَ وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِيهَا إِلَّا الْخِلَافُ الْيَسِيرُ الْمَحْفُوظُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ، ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمَّا كَتَبُوا تِلْكَ الْمَصَاحِفَ جَرَّدُوهَا مِنَ النُّقَطِ وَالشَّكْلِ لِيَحْتَمِلَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ مِمَّا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا أَخْلَوُا الْمَصَاحِفَ مِنَ النُّقَطِ وَالشَّكْلِ لِتَكُونَ دِلَالَةُ الْخَطِّ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا اللَّفْظَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ الْمَسْمُوعَيْنِ الْمَتْلُوَّيْنِ شَبِيهَةً بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ الْمَعْقُولَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَلَقَّوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَبْلِيغِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا، وَلَمْ يَكُونُوا لِيُسْقِطُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَمْنَعُوا مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ.  » — النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج1 ص31