التذكرة في رجال العشرة

نبذة عن الكتاب:

هذا الكتاب يشتمل على تراجم رواةِ عشرةٍ من كتب السنة، وهي الكتب الستة التي هي موضوع كتاب “تهذيب الكمال” للمزي بالإضافة إلى أربعة كتب لأصحاب أئمة المذاهب الأربعة، وهي: “الموطأ” لمالك، “ومسند الشافعي”، و”مسند أحمد”، “والمسند الذي خَرَّجه الحسين بن محمد بن خُسْرو من حديث أبي حنيفة”.
لكنه لم يذكر رجال بعض المصنفات التي لأصحاب الكتب الستة، فلم يضف ما أضافه المزي من زيادات كتب لأصحاب الكتب الستة؛ كـ: “مقدمة مسلم”، “والتمييز” لمسلم، “وخصائص عليّ” للنسائي، “وعلل الترمذي”.
وإنما اقتصر على رجال الكتب الستة فقط بالإضافة إلى رجال الكتب الأربعة المذكورة. وقد ذكر في المقدمة سبب إضافته لهذه الكتب الأربعة، وبيَّن أن ذلك متأتٍّ من كون أصحابها هم الأئمة المقتدى بهم، وأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم المذكورة. وغايته من هذا التصنيف أن يجمع أشهر الرواة في القرون الثلاثة المفضلة الذين اعتمدهم أصحاب المصنفات الستة المشهورة وأصحاب المذاهب الأربعة المشهورة.



سبب التأليف:

ذكر المؤلف سبب تأليفه للكتاب في المقدمة فقال: وقد كان الحافظ أبو محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي صنَّف في رجال الكتب الستة؛ وهي: “صحيح البخاري” ومن بعده كتابًا حافلاً سمَّاه “الكمال في أسماء الرجال” في عدة أسفار، لكنه لم يستقصِ الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتب حقَّ الاستقصاء، ولا اعتنى بجملةٍ من تراجمه حقَّ الاعتناء، فلما لحظه شيخنا الحافظ أبو الحجاج وتدَّبره، وروَّى فكره فيه واعتبره، ظهرت له فيه أمارات الإغفال وإشارات الخلل والإهمال، فصرف همَّته إلى تهذيبه، وأنعم النظر في تصحيحه وترتيبه، وأتى فيه ببديع التأليف، وبراعة التهذيب والتثقيف، وردّ إلى رجاله ما شذَّ عنهم، لكنه أدخل معهم ما ليس منهم؛ كرجال كتاب “الأدب” للبخاري، وكتاب “أفعال العباد” له، وكتاب “المراسيل” لأبي داود، وكتاب “التفرُّد” له، وكتاب “فضائل الأنصار” له، وكتاب “المسائل” له، وكتاب “خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب” للنسائي، وبعض كتاب “التفسير” لابن ماجه، إلى غير ذلك من التواليف التي لا تجري في الاحتجاج مجرى ما في الأصول المذكورة التي موضوعها للسنن والأحكام وبيان الحلال والحرام، فحصل في كتاب شيخنا بسبب ذلك تطويل أوجب الإملال، مع ما اشتمل عليه من مبسوط أسانيده الطوال، فقصرت الهمم لتطويله عن تحصيله، وصارت النسخ به مع جلالته قليلة، فسنح لي تلخيصه واختصاره؛ ليسهل نقله وانتشاره، فلخَّصته في مجلدين اثنين، فيهما مجمل جملة رجاله..



منهج المؤلف في الكتاب:

يمكن تلخيص منهج المؤلف على النحو التالي:
قدَّم للكتاب بمقدمة ذكر فيها موضوع الكتاب ومحتواه وسبب تأليفه.
قام بتلخيص كتاب شيخه المزي؛ فحذف ما أضافه المزي إلى رجال الكتب الستة ممن ليس منها، كرجال الأدب المفرد وخلق أفعال العباد للبخاري، وغيرها من الكتب التي أضافها المزي، ثم قام الحسيني بإضافة رجال موطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة، وقال في المقدمة: ثم بدا لي بعد ذلك أن أحذف ما زاد فيه شيخنا على الكتب الستة المذكورة، وأن أجعل عوض ذلك رجال كتب الأئمة الأربعة المقتدى بهم؛ لأنَّ عُدَّتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم.. وقال الحافظ ابن حجر: ضمَّ إلى من في “تهذيب الكمال” لشيخه المزي من في الكتب الأربعة وهي: “الموطأ”، و”مسند الشافعي”، و”مسند أحمد”، و”المسند” الذي خرجه الحسين ابن محمد بن خسرو من حديث الإمام أبي حنيفة. وحذا حذو الذهبي في “الكاشف” في الاقتصار على من في الكتب الستة دون من أخرج لهم في تصانيف لمصنفيها خارجة عن ذلك كالأدب المفرد للبخاري، والمراسيل لأبي داود، والشمائل للترمذي، فلزم من ذلك أن ينسب ما خرج له الترمذي، أو النسائي مثلاً إلى من أخرج له في بعض المسانيد المذكورة، وهو صنيعٌ سواه أولى منه، فإن النفوس تركنُ إلى من أخرج له بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتهم في النفوس وشهرتهم ولأنَّ أصلَ وضعِ التصنيفِ للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد، بخلاف من رتَّب على المسانيد فإن أصل وضعه مُطلق الجمع. “تعجيل المنفعة” (1/235)
ذكر الحسيني في مقدمة كتابه الرموز التي استخدمها لأصحاب الكتب العشرة، فجعل علامة ما أخرجه الشافعي (فع)، وعلامة أبي حنيفة (فه)، ولمالك (كـ)، وعلامة أحمد (أ)، ولمن أخرج له عبدالله بن أحمد عن غير أبيه (عب)، وللبخاري (خ)، ولمسلم (م)، ولأبي داود (د)، وللترمذي (ت)، وللنسائي (ن)، ولابن ماجه (هـ)، ولما رواه الجماعة (ع)، ولأصحاب السنن الأربعة (4). وجعل هذه الرموز على صدر الاسم باللون الأحمر ليعلم الناظر عندما ينظر إلى الراوي من أخرج حديثه منهم، إلا أنَّ محقق الكتاب تصرَّف في ذلك وقام بوضع الرموز في آخر الترجمة باللون الأسود.
رتَّب المؤلف الرواة على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم.
يذكر أهم ما يميِّز الراوي؛ فيذكر اسمه وكنيته ونسبته ونسبه ولقبه.
يذكر أهم شيوخ الراوي وتلاميذه، ولا يستقصي في ذلك.
يذكر – بالرموز – من أخرج حديث الراوي من أصحاب الكتب العشرة، وبين وميَّز من هم من شيوخ أصحاب الكتب العشرة، ومن هم ضمن أسانيدهم من غير أن يكونوا من شيوخهم، ونصَّ على ذلك في المقدمة فقال: وكذلك ابتدئ بذكر من رووا عنه، أو أحدهم قبل أن أذكر أحدًا من الرواة عنه رامزًا له بالسواد في الأصل؛ ليُعلم بذلك مشيخة كل منهم في كتابه، وإن لم يكن من مشيخته في كتابه المذكور أفصحتُ باسمه كما سترى ذلك في مواضعه إن شاء الله. ا هـ قلت: مثال ذلك: في ترجمة (أحمد بن حفص السلمي /رقم 179) قال: وعنه: خ. د. ن، ومسلم بن الحجاج.. يعني أنه من شيوخ البخاري، وأبي داود، والنسائي، وهو من رجال مسلم بن الحجاج، ولكنه ليس من شيوخ مسلم. وقد ذكر في آخر ترجمة هذا الراوي الرموز: (خ، د، ن) فقط، يعني أنه ليس من رجال مسلم في الصحيح، بل روى عنه في غير الصحيح، وقد قال المزي في ترجمة هذا الراوي: روى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، و.. ومسلم بن الحجاج في غير “الصحيح”. “تهذيب الكمال” (1/295) ولعلَّ هذا الأمر يُعدُّ من القواعد التي سار عليها المؤلف في كتابه هذا؛ يعني أنه إذا ذكر أحد أصحاب الكتب العشرة في أول ترجمة الراوي، ثم يذكر رمزًا له في آخر الترجمة فيدلُّ ذلك على أنه أخرج حديثه في غير الكتاب المعتمد ضمن الكتب العشرة، كأن يكون أخرج له البخاري في “الأدب المفرد” أو مسلم في المقدمة، ونحو ذلك.
يذكر بعض ما قيل في الراوي من جرحٍ أو تعديلٍ، ولا يستقصي في ذلك، بل يذكره على سبيل الاختصار، ومثال ذلك: في ترجمة (أبان بن تغلب الرَّبعي أبي سعد الكوفي القاري) قال: قال أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال الجوزجاني: زائغ، مذموم المذهب، مجاهر. وقال ابن عدي: هو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. “التذكرة” (1/7) مع أنَّ ثمة أقوال أخرى في الراوي، كما في “إكمال تهذيب الكمال” (1/157 رقم 173)، و”تهذيب التهذيب” (1/81)
لا يذكر شيئًا في ترجمة الراوي – سواءً ما قيل في اسمه ونسبه ونسبته، أو ما قيل فيه من جرحٍ أو تعديلٍ – بالإسناد، وقصده في ذلك الاختصار كما بيَّن في المقدمة.



مميزات الكتاب:

تميَّز هذا الكتاب بمزايا كثيرة من أهمها:
مكانة مؤلفه العلمية، فقد تبوَّأ المؤلف مكانة مرموقةً بين أهل العلم، كما سبق ذكره.
تأتي أهمية الكتاب من موضوعه فهو يشتمل على تراجم رواةِ عشرةٍ من كتب السنة، وهي الكتب الستة التي هي موضوع كتاب “تهذيب الكمال” للمزي بالإضافة إلى أربعة كتب لأصحاب أئمة المذاهب الأربعة.
اختصار الكتاب وسهولة تناوله وحسن ترتيبه، حتى قال عنه مؤلفه: فجاء كتابًا لا نظير له في ترتيبه ورسمه، وعظم فائدته وصِغَر حجمه.
قد استفاد من هذا الكتاب واعتمد عليه العلماء الذين جاؤوا بعد الحسيني، كالحافظ ابن حجر الذي بنى كتابه “تعجيل المنفعة” على هذا الكتاب، حيث قال في المقدمة: وقفتُ على مصنفٍ للحافظ أبي عبدالله محمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي سماه “التذكرة برجال العشرة” .. فالتقطتُ الآن من كتاب الحسيني من لم يترجم له المزي في “التهذيب”، وجعلتُ رموز الأربعة على ما اختاره الشريف. “تعجيل المنفعة” (1/235- 236)



انتقادات عليه:

وقع للحافظ الحُسيني في هذا الكتاب بعض الأوهام مما حدا بالحافظ ابن حجر إلى تتبُّعه فيها، حيث قال الحافظ ابن حجر – بعد أن ذكر استفادته من الكتاب – : ثم عثرتُ في أثناء كلامه على أوهام صعبة فتعقبتها. “مقدمة تعجيل المنفعة” (1/236)، وقال أيضًا: وقد كنتُ أفردتُ الأوهام التي وقعت للحسيني، وتبعه عليها ابن شيخنا في جزءٍ مفردٍ. “تعجيل المنفعة” (1/244)
فيمكن تلخيص هذه الانتقادات والمآخذ على كتاب الحسني على النحو التالي:
انتقد الحافظ ابن حجر كلام الحسيني في المقدمة فقال: ثم قال الحسيني في خطبة “التذكرة” مرغبًا في كتابه: ذكرت رجال الأئمة الأربعة المقتدى بهم لأن عمدتهم في الاستدلال لهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه في مسانيدهم بأسانيدهم؛ فإنَّ “الموطأ” لمالك هو مذهبه الذي يدين الله به أتباعه ويقلدونه، مع أنه لم يروِ فيه إلا الصحيح عنده، وكذلك “مسند الشافعي” موضوع لأدلته على ما صحَّ عنده من مروياته، وكذلك “مسند أبي حنيفة”، وأما “مسند أحمد” فإنه أعمُّ من ذلك كله وأشمل. انتهى كلامه. وفيه مناقشات: الأولى: ليس الأمر عند المالكية كما ذكر بل اعتمادهم في الأحكام والفتوى على ما رواه أبو القاسم عن مالك، سواء وافق ما في الموطأ أم لا، وقد جمع بعض المغاربة كتابًا فيما خالف فيه المالكية نصوصَ “الموطأ” كالرفع عند الركوع والاعتدال. الثانية: قوله أن مالكًا لم يخرج في كتابه إلا ما صحَّ عنده في مقام المنع وبيان ذلك يعرفه من أمعن النظر في كتابه. الثالثة: ما نسبه لمسند الشافعي ليس الأمر فيه كذلك بل الأحاديث المذكورة فيه منها ما يستدل به لمذهبه ومنها ما يورده مستدلا لغيره ويوهيه ثم أن الشافعي لم يعمل هذا المسند وإنما التقطه بعض النيسابوريين من “الأم” وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم التي كان انفرد بروايتها عن الربيع وبقي من حديث الشافعي شيءٌ كثيرٌ لم يقع في هذا المسند، ويكفي في الدلالة على ذلك قول إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة: إنه لا يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة لم يودعها الشافعي كتابه، وكم من سنةٍ وردت عنه صلى الله عليه وسلم لا توجد في هذا “المسند”، ولم يرتب الذي جمع حديث الشافعي أحاديثه المذكورة لا على المسانيد، ولا على الأبواب، وهو قصور شديد فإنه اكتفى بالتقاطها من كتب الأم وغيرها كيف ما اتفق ولذلك وقع فيها تكرار في كثير من المواضع ومن أراد الوقوف على حديث الشافعي مستوعبا فعليه بكتاب “معرفة السنن والآثار” للبيهقي فإنه تتبع ذلك أتم تتبع فلم يترك له في تصانيفه القديمة والجديدة حديثا إلا ذكره وأورده مرتَّبًا على أبواب الأحكام، فلو كان الحسيني اعتبر ما فيه لكان أولى. الرابعة: قوله: وكذلك مسند أبي حنيفة توهَّم أنه جمع أبي حنيفة، وليس كذلك، والموجود من حديث أبي حنيفة مفردًا إنما هو كتاب “الآثار” التي رواها محمد بن الحسن عنه، ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى، وقد اعتنى الحافظ أبو محمد الحارثي وكان بعد الثلاثمائة بحديث أبي حنيفة فجَمَعَه في مجلدة ورتبه على شيوخ أبي حنيفة، وكذلك خرَّج المرفوع منه الحافظ أبو بكر بن المقري وتصنيفه أصغر من تصنف الحارثي، ونظيره “مسند أبي حنيفة” للحافظ أبي الحسين بن المظفر، وأما الذي اعتمد الحسيني على تخريج رجاله فهو ابن خسرو كما قدَّمت، وهو متأخر، وفي كتابه زيادات على ما في كتابي الحارثي وابن المقري. الخامسة: قوله: وأما “مسند أحمد” إلى آخره. فكأنه أراد أنه أكثر هذه الكتب حديثًا وهو كذلك لكن فيها عدة أحاديث ورجال ليسوا في “مسند أحمد” ففي التعبير بأعم نظر، و”مسند أحمد” ادَّعى قومٌ فيه الصحة، وكذا في شيوخه، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفًا، والحقُّ أنَّ أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا وبقي منها بعده بقية. “تعجيل المنفعة” (1/237- 241)
لم يستقصِ الحسيني في أسماء شيوخ المترجم وتلاميذه، ففي ذكر أسماء الشيوخ والتلاميذ فوائد كثيرة كما لا يخفى.
لم يستقصِ أقوال أئمة الجرح والتعديل التي قيلت في الراوي، وبهذا يُفوِّت على القارئ معرفة حال الراوي بدقة، كما أنه بذلك لا يمكن الاقتصار عليه في الوصول على نتيجة نهائية في الحكم على الراوي.



التعليقات

So empty here ... leave a comment!