التشريع الوضعي. دراسة عقدية

نبذة عن الكتاب:

دينُ الله تعالى الذي أمرَ رُسلَه بتبليغِه للنَّاسِ؛ يقومُ على أصلينِ عظيمينِ: توحيدُه بعبادَتِه، فلا يُعبَد أحدٌ غيرُه، والانتهاءُ إلى أمْرِه ونهيِه الذي هو شَرعُه، فلا أمْرَ لأحدٍ ولا نهيَ، إلَّا حيث وافق أمرَ اللهِ ونَهيَه، وهذا هو غايةُ دعوةِ الأنبياءِ، وحقيقةُ رسالَتِهم، وأصلُ دِينِهم؛ فكما أنَّهم دَعَوا إلى إفراد الله بالعبادةِ، دَعَوا كذلك إلى إفرادِ الله بالتَّشريع.
وكتاب هذا الأسبوع (التشريع الوضعي: دراسة عقَديَّة) هو دراسة للتَّشريعِ من جهة أساسِه العقَديِّ، وإيضاح حقيقةِ أمرِ التَّشريع، وتوضيح صِلَته بأمرِ عبادةِ الله وتوحيدِه، وأنَّه شقيقُه ومُلازِمُه الذي لا ينفكُّ عنه.



منهج المؤلف في الكتاب:

يأتي الكتاب بعد المقدِّمة في تمهيد وثلاثة أبواب، تحت كل باب ثلاثةُ فصول، ثم خاتمة الكتاب.
فتكلم في التمهيد عن حاجةِ البشريَّة إلى هداية الرسُل، وأشار إلى أنَّ أصلَ ضلالِ أهل الأرض على اختلافِ صُوَرِه وأشكالِه، راجِعٌ إلى العبادة والشَّرع؛ فهو إمَّا شِركٌ بالله في عبادَته، أو اتِّباعُ ما لم يَشرَعْه، والتلقِّي عن غيرِ وحْيِه المُنزَّل على أنبيائِه.
ثم تناول المؤلِّف في الباب الأول مسألةَ التشريع وصِلتَه بالعقيدة، فتكلم في الفصل الأول عن تعريفِ التشريع، وأشار إلى أنَّ التعريفَ الشَّرعي له لا يخرجُ عن التعريف اللُّغوي، إلَّا أنَّه قصَر استعمالَه على معنًى خاصٍّ دون بقيَّة المعاني؛ حيث خصَّص استعمالَه فيما يتعلَّقُ بسَنِّ الأحكام، وجَعْل طريقة للتعبُّدِ والطاعة.

ثم تكلَّم عن التشريعِ الذي يختصُّ به الربُّ سبحانه، وأنَّه لا يقتصِرُ على الشَّعائر التعبُّدية، ولا يُقيَّد حَقُّ الله فيه بقَيدِ التحليل والتحريم الصَّريحِ، بل هو شاملٌ لكلِّ ما يحتاجه النَّاس، وبيَّن أنَّه قد أخطأ في هذا الأمر طائفتان:
الأولى: سوَّغت التَّشريعَ الوضعي، ودعَتْ إليه، وهم المتأثِّرون بالفِكر الغربيِّ.
والثانية: تساهَلَت في أمر التشريعِ الوضعيِّ، وهم طائفة من المُنتسبين للعِلمِ الشَّرعي، الْتَبَست عليهم المصطلحاتُ الشرعيَّة، كمُسمَّى الدِّين، والاستحلال والتبديل، مع عدم التَّفريقِ عندهم بين التَّنظيم الجائزِ والتَّشريع الذي نُهِي عنه البَشَر.
وأشار كذلك إلى أنَّ بداية دخول التَّشريع الوضعي إلى بلاد المسلمين، كانت بدايتُه في الدُّوَل العثمانية (1255هـ) ومصر، وعن طريقِهما دخل إلى البلدانِ الإسلاميَّة الأخرى.

أما الفصل الثاني فتكلَّم فيه المؤلِّف عن صِلَة التشريع بالتوحيد، وأنَّ التوحيدَ بأركانه: من توحيدِ الأسماءِ والصفات، والربوبيَّة، والألوهيَّة؛ دليلٌ على استقلالِ الله بالتشريعِ، وأنَّه حقُّه الذي لا يجوزُ أن ينازَعَ فيه، وأنَّ الإقرارَ لله بالتوحيد يتضمَّنُ الإقرارَ له بالاستقلالِ بالتشريع، وأنَّ نُصوصَ الوحي تواطأتْ على بيانِ أنَّ توحيدَ الله يتضمَّنُ استقلالَه بالتَّشريع؛ كقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. وغيرها من النُّصوصِ.
ثم قام المؤلِّفُ بالاستدلالِ بكلِّ نَوعٍ مِن أنواعِ التوحيدِ على حِدةٍ؛ لبيانِ دَلالتِه على استقلال الربِّ بالتَّشريع.

وفي الفصل الثالث تكلَّم المؤلِّفُ عن حقيقةِ النَّفس الإنسانيَّة، ومقاصِد التَّشريع الإلهيِّ؛ لأنَّ التشريعَ مَقصِدُه تدبيرُ شُؤون الإنسانِ، ورعايةُ مصالِحه بناءً على العِلمِ المفَصَّل بما جُبِل عليه.

وعَنْون المؤلِّف للباب الثاني بـ (تاريخ التشريع الوضعي وفلسفته المعاصرة)، فتكلَّم في الفصل الأول عن مراحلِ التَّشريع الوضعيِّ، وقسَّمه المؤلِّفُ إلى ثلاثِ مراحِلَ رئيسةٍ:
المرحلة الأولى: نسبة التَّشريع الوضعيِّ إلى الأديان الوضعيَّة، التي يدينُ بها أهلُها، وذكر أنَّ من أهمِّ هذه التشريعات: تشريعَ حمورابي في بابل، وتشريعَ مانو في الهند، وتشريعَ الفراعنة في مصر، وما كان عليه العربُ قبل مبعَثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
المرحلة الثانية: قطْعُ الصِّلة بين التَّشريع الوضعيِّ والصِّفة الدينيَّة التي تحمِلُ طابَع التقديس لأحكامِه، وتَعتبرُ الآلهةَ هي الناطقةَ به، وذكر المؤلِّفُ أن مؤرِّخي التاريخِ القانوني يقولونَ إنَّ أوَّلَ من أخرج القانونَ عن دائرته الدينيَّة إلى الدائرةِ المدنيَّة هم فلاسفة اليونان.
وذكر أنَّ أشهر التَّشريعات الوضعيَّة التي تمثِّل هذه المرحلةَ ظهرَت في:
– أثينا (اليونان) مجموعة دراكون، ومجموعة صولون.
– روما، الألواح الاثنا عشر، ومدونة جوستنيان.
المرحلة الثالثة: دورُ الكنيسة النصرانيَّة في التشريع الوضعي.

وفي الفصل الثاني تحدَّث عن فلسفة التَّشريع الوضعيِّ الحديثِ، وفيه أشار إلى أنَّه لا يمكِنُ دراسة النُّظُم التشريعيَّة الوضعيَّة دراسةً عقَديَّة، بعيدًا عن الفلسفاتِ التي أُسِّسَت عليها وانطلَقَت منها، وذكر أنَّ مِن أشهر تلك الفَلسفات التي أثَّرَت في تكوينِ فلسفةٍ جديدة للتشريعِ الوضعيِّ وإيجاد مفهومٍ جديدٍ له:
– فلسفةَ العَقد الاجتماعيِّ.
– فلسفةَ المدرسةِ الوضعيَّة التجريبيَّة.
– فلسفةَ المدرسة التاريخيَّة.
– فلسفةَ الإنسانيَّة العالميَّة.

وتناول في الفصل الثالث أسُسَ التَّشريعِ الوضعيِّ الحديثِ ونتائجَها، وذكر فيه أنَّ الفِكرَ الغربي قام على أساسينِ حدَّد بهما وِجهَته، وانطلق منهما، وجعَلَهما قاعدةً لِمَا يُصدِرُه من أنظمةٍ وقوانينَ:
الأول: حمايةُ الحريَّة الإنسانيَّة، كما تصوَّرَها الفكرُ الغربي.
الثاني: فصلُ الدِّينِ عن الحياةِ وعن التدخُّلِ في شؤونِ الإنسانِ الحياتيَّة وشؤون المجتمَع.
وذكر أنَّ اتخاذَ التَّشريعِ الوضعيِّ المعاصِر هذين الأساسينِ قاعدةً له؛ نتج عنه تبنِّي مبدأينِ يتأسَّسُ عليهما التَّشريع:
– مبدأ سيادة الأمَّة.
– مبدأ نسبيَّة التشريعاتِ وخضوعِها لقاعدةِ التغيير والتطوير.

أما الباب الثالث فقد خصَّصه المؤلِّفُ لدراسة حُكم التشريعِ الوضعي، فتكلَّم في الفصل الأول عن حقيقةِ الإيمانِ عند أهل السنَّة والجماعة وصِلَة التشريعِ به، وذكر فيه أنَّ كلمةَ أهلِ السنَّة اتَّفَقت على أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَملٌ؛ قولُ القلبِ واللِّسانِ، وعملُ القَلبِ والجوارحِ، ونقلَ الأئمَّة الإجماعَ على هذا الأصلِ إجماعًا قطعيًّا.
ثم ذكر أركانَ العمَلِ المعتبَرِ في تحقيقِ الإيمانِ، وبيَّن أنه يشتمِلُ على ركنينِ:
الأول: الالتزامُ بجِنسِ الشَّرائع والفرائِض مِن فِعل الواجباتِ، واجتناب المحرَّمات، وهو ما يُطلَق عليه العبادةُ.
الثاني: الالتزامُ بالحُكمِ بالشَّريعةِ والتحاكُم إليها.
وأنَّ الالتزامَ بهذين الأمرينِ لا بد أن يكون مبنيًّا على أصلينِ:
– العلمُ بالحقِّ الذي جاءت به الشَّريعة، والتصديقُ به واعتقادُه، وهذا هو أصلُ القَولِ.
– محبَّةُ ذلك الحقِّ، والرضا به وإرادتُه، وإنشاءُ الالتزامِ به، وهذا هو أصلُ العمَلِ.

ثم تكلَّم عن نواقِض الإيمانِ عند أهلِ السنَّة، وأشار إلى أنَّ لأهل السنَّةِ قاعدتينِ في الإيمانِ تضبِطان مسألة نواقِض الإيمانِ، وتزيلانِ الشُّبُهاتِ التي حصلت للمُخالفينَ:
الأولى: أنَّ الإيمانَ حقيقةٌ مُركَّبة مِن شُعَبٍ وأجزاءٍ.
الثانية: أنَّ شُعَبَ الإيمانِ تلك مركَّبةٌ مِن باطنٍ وظاهرٍ، وبينَ الظَّاهرِ والباطن تلازمٌ.

وفي الفصل الثاني: ذكر مقتضى قواعِدِ أهلِ السنَّة والجماعة في التَّشريع الوضعيِّ، وتناول فيه الحديثَ عن مسائلَ؛ منها:
– قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] والمناط الذي نزلَت الآيةُ في الأصلِ لِبَيان حُكمِه.
– توجيهُ الأقوالِ الواردة في تفسيرِ الكُفرِ في الآيةِ.
– وجهُ القَولِ بكون التشريعِ الوضعيِّ كُفرًا بمجَرَّده، وبيَّن فيه أنَّ القولَ بأنَّ التشريعَ الوضعيَّ من جملة الأعمالِ المضادَّة للإيمانِ، وهو جارٍ على ما تقتضيه قواعدُ أهل السنَّة والجماعة من وجوهٍ؛ منها:
الوجه الأول: أنَّ كونَ التَّشريع الوضعيَّ كُفرًا بمجَرَّده مبنيٌّ على مسألة التفريقِ بين تَركِ جِنسِ المأمورِ، وفِعل جِنس المحظورِ.
الوجه الثاني: أنَّ هذا الحُكمَ مبنيٌّ على معرفةِ حقيقةِ العلاقةِ بين الظَّاهر والباطِن فيما يتعلَّق بالإيمان ونواقِضِه.
الوجه الثالث: أنَّ حقيقةَ التَّشريعِ الوضعي الامتناعُ عن الالتزامِ بالشَّريعة الإلهيَّة، وأن تكونَ هي أساسَ الحُكم والتحاكُم.

وختم الفَصلَ بشُبهتينِ والرَّدِّ عليهما، وأكَّد على أنَّ عدمَ اعتبارِ التَّشريع الوضعي كفرًا بذاتِه، هو أثرٌ من آثار مذهَبِ الإرجاءِ المذمومِ المبنيِّ على قولِهم في الإيمانِ ومسائلِه، كما أكَّدَ على أنَّ هذا الحُكمَ لا يلزَمُ منه تكفيرُ المعَيَّن ممَّن يتَّبِع التشريعَ الوضعيَّ ويحكُم به؛ فإنَّ أصلَ قواعدِ أهلِ السنَّة في مسألةِ التكفيرِ هو التفريقُ بين الحُكم المُطلَق على الفِعل بالكُفر، وبين تكفيرِ المعَيَّن المتلبِّس بذلك الفِعل.

ثم ختم الكتاب بالفصل الثالث وخصَّصه للبحث في حال المحكومينَ بالتَّشريع الوضعي،
وبيَّن أنَّ في المسألة تفصيلًا مبناه على الفَرْق بين الطَّاعة والعبادة، والفَرْق بين طاعة المعصيةِ والطَّاعة الشِّركيَّة.
ففرَّقَ بين الأتباعِ المُطيعين في موضوعِ التَّشريع الوضعي، وبين المُشَرِّعين له والحاكمينَ به.

وذكر أنَّ الطاعةَ في موضوعِ التشريعِ الوضعي عمَلٌ ظاهِرٌ محتملٌ، لا يقطَعُ فيه إلَّا معرفةُ قَصْد صاحِبِها؛ فالطاعة فيه تحتمِلُ أنَّ صاحِبَها أطاع هوى النَّفْس، فيكون من جملة العُصاة، أو بسبَبِ التَّأويل أو الجَهل بالتَّحريمِ، أو لاستخلاصِ حَقِّه، إلى غيرِ ذلك من الأغراضِ والمقاصِد المختلفة؛ فهي بذلك من جملةِ الأفعال الداخلةِ في عُمومِ المخالَفة، بل المخالَفة العظيمة، لكنَّها ليست قاطعةَ الدَّلالةِ على الكُفر.

وذكر أنَّ مَناطَ الشِّرك في الطاعةِ في موضوعِ التَّشريع الوضعيِّ هو الرِّضا بالتَّشريعِ الوضعيِّ المبنيِّ على العِلمِ بأنَّ ما يتَّبِعه مخالفٌ لِشَرع الله، سواءٌ كان ذلك بالاستحلالِ أو اعتقادِ أفضليَّتِه، ونحو ذلك، فالمناطُ هو الطَّاعة المبنيَّةُ على فسادِ إيمانِ القَلبِ؛ إما فساد قَولِه، أو فساد عَمَلِه، لا مجرَّد الطَّاعة الظَّاهرةِ مع سلامةِ الاعتقادِ.

ثم الخاتمة، وذكر فيها خُلاصةَ النَّتائجِ.



الثناء عليه:

نصح به موقع الدرر السنية http://www.dorar.net/article/1903