التعديل والتجريح

سبب التأليف:

ذكر المؤلف سبب تأليف الكتاب في المقدمة فقال: فإنك سألتني أن أصنف لك كتابًا آتي فيه بأسماء من روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، من شيوخه ومن تقدمهم إلى الصحابة رضي الله عنهم، وأثبت فيه ما صحَّ عندي من كناهم وأسمائهم، وما ذكره العلماء من أحوالهم، ليكون مدخلاً للناظر في هذا العلم إلى معرفة أهل العلم والعدل من غيرهم، وسببًا إلى معرفة كثير من الرواة والوقوف على طرف من أخبارهم، فأجبتك إلى ذلك لما رجوتُ فيه من جزيل الثواب وتحريتُ الصواب جهدي، واستنفذت في طلبه وسعي، والله أسال أن يوفقنا له وينفعنا به، ويعين الناظر فيه على حسن مقصده، وجميل مذهبه برحمته.

فبيَّن رحمه الله أنَّ تأليفه لهذا الكتاب كان تلبيةً لطب شخصٍ – لم يُصح عن اسمه – طلب منه ذلك.



منهج المؤلف في الكتاب:

نهج المؤلف في تصنيف هذا الكتاب المنهج الآتي:

  1. قدَّم لكتابه بمقدمة نفيسةٍ كما سبق الإشارة إليها.
  2. رتَّب أسماء الرواة على حروف المعجم، فقال في المقدمة: وأنا إن شاء الله آتي بما شرطته في أسماء الرجال على حروف الهجاء بالتأليف المعتاد في بلدنا، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. وقد قسَّم المؤلف الحرف الواحد إلى أبواب، كباب: أحمد، وباب إبراهيم، وذلك إذا اجتمع في الباب شخصان فما فوق، ويختم الحرف بباب يجمع الأسماء المفردة تحت العنوان التالي: (باب تفاريق الأسماء على الألف). وقد خالف الترتيب الهجائي في بعض الأبواب، فابتدأ في حرف الألف بباب أحمد،  وبدأ حرف الميم بباب محمد، وحرف العين بباب عبدالله، وكان الوضع الطبيعي يقتضى أن يبتدئ حرف الميم بباب مالك، وحرف العين بباب: عامر وما أشبه ذلك، ولكن جرت عادة كثير من المصنفين على الابتداء بهذه السماء وذلك لشرفها على غيرها في الحرف الواحد.
  3. وكما أنَّ المؤلف خالف ترتيب الأبواب فيما بينها، خالف ترتيب الأسماء داخل الباب الواحد، فقدم أسماء الصحابة في أول كل باب، كما في باب محمد، فقد ابتدأه بمحمد بن مسلمة الصحابي الجليل، وكان المفروض أن يبتدئ بمحمد بن أبان.
  4. قسَّم المؤلف كتابه إلى قسمين: الأول من بداية الكتاب إلى حرف الضاد، والثاني من حرف العين إلى آخر الكتاب. كما أنه قسمه إلى خمسه أقسام رئيسية، وهي: المقدمة، وأسماء الرجال – موزعة على تسعة وعشرين حرفًا – وباب الكنى، وباب أسماء النساء، وباب كنى النساء.
  5. إذا اشتبهت بعض الأسماء، فإنه يحكي الخلاف فيها ويناقش في بعضها، ويستنتج ويرجح في البعض الآخر، ويلزم الحياد إذا لم يتضح له الأمر. من ذلك قوله في أبي أحمد: (يقال: إنه المرار بن حمويه الهمذاني النهاوندي، ويقال: إنه محمد بن يوسف البيكندي، ويقال: إنه محمد بن عبد الوهاب، والله أعلم.  وقال في ترجمة يحيى بن زكرياء: يشبه عندي أن يكون زكرياء بن يحيى أبو السكين.
  6. يحيل المؤلف على “الجامع الصحيح” على كتبه وأبوابه ليدلل على رواية المترجم له، ولا يستوعب جميع الأبواب التي روي فيها للمترجم له، ولا تلاميذه ولا شيوخه، بل يورد مجموعة من ذلك مضيفًا للباب أو الأبواب: وغير موضع. وللتلاميذ والشيوخ: وغيرهم. فإذا كان له حديث واحد نبه عليه قائلا: (وليس له في الكتاب غيره). وإن لم يكن له فيه أي حديث قال: ولم أرَ له في الكتاب ذكرًا.
  7. يُعيِّن المؤلف الموضع الذي أخرج البخاري فيه حديثَ الراوي، حتى يستطيع القارئ أن يصل إلى مكانه في الجامع الصحيح بسرعة، فيقول: (أخرج البخاري في (أول الأدب)، أو (أول الإكراه)، و(أول الأشربة)، و(أول البيوع)، و(أول التفسير)، و…
  8. يتكلَّم عن الرواة جرحًا وتعديلاً، ويكون الكلام إما منه، ومثال ذلك: في ترجمة يحيى بن سعيد القطان، قال: أحد الأئمة المشهورين بالحفظ والإتقان والمعرفة بالصحيح من السقيم والجرح والتعديل)، أو ينقل عن أئمة الجرح والتعديل، ومثال ذلك: في ترجمة إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، قال النسائي: (هو ضعيف ليس بثقة)، وربما أحال على الكتب التي اعتنت بذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل، ككتاب “الجرح والتعديل” لابن أبي حاتم.
  9. اجتهد المؤلف أن يستوعب جميع الرجال والنساء الذين روى عنهم البخاري في صحيحه، وأسقط بعض الأسماء الذين ذكرهم ابن عدي، وأضاف غيرهم، ولم ينقص مما أورده الكلاباذي، بل زاد عليه حوالي ستين ترجمة تبعًا لابن عدي، والدار قطني، وابن البيع. أو من تعليقات البخاري. ملمحًا أحيانًا إلى الأسماء المضافة بقوله: (ذكره)، أو (ذكرها) أبو عبدالله، أو (أبو الحسن) أو (ابن عدي)، (ولم أر له في الكتاب ذكرًا)، و(لم يذكره الكلاباذي)، و(لم أرَ لمحمد بن سليم في الكتاب ذكرًا على وجه الإخراج).


مميزات الكتاب:

تحلى هذا الكتاب بمزايا كثيرة، من أهمها:

  1. مكانة مصنفه العلمية وعلو منزلته في هذا الفن، فالمصنف إمامٌ بارعٌ صاحب تصانيف رائقة.
  2. أنَّ موضوع الكتاب هو تراجم رجال “صحيح البخاري”، الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، والاعتناء بهذا الكتاب والاعتناء برجاله له شأن عظيم كما لا يخفى.
  3. هذه المقدمة النفيسة التي ابتدأ المؤلف كتابه بها، وقد ذَكَرَ فيها بعض قواعد الجرح والتعديل.
  4. أنَّ المؤلف يذكر من خلال ترجمة الراوي المواطن التي خَرَّج فيها البخاري لهذا الراوي، يقول مثلاً: خَرَّج له في كتاب الوحي، أو في كتاب الإيمان، أو في كتاب الصلاة، وهذه فائدة مهمة. فإذا كان هذا الراوي خَرَّج له البخاري في موطنين أو ثلاثة يذكر بقيّة المواطن، فتستفيد من خلال ذلك، هل هذا الراوي أكثر عنه البخاري أو لم يكثر ؟
  5. امتاز هذا الكتاب عن الكتب المؤلفة في رجال البخاري قبله، فزاد عليها ما رآه صالحًا للزيادة، وهذَّب ونقَّح.
  6. اعتمدَ عليه واستفاد منه جُل من صنَّف في تراجم الرواة.


الإهتمام بالكتاب:

 

=



انتقادات عليه:

أخذ على المؤلف في هذا الكتاب بعض الأشياء التي لا تُقلِّل من قيمة الكتاب، وهي بعض الأوهام التي لا يخلو منها كتاب- حاشا كتاب الله تعالى -، ومن ذلك أنه قال في ترجمة الربيع بن نافع: (لم أرَ له في الجامع غير هذا الحديث الموقوف)، معه أن له حديثًا آخر في المزارعة. ومثال آخر: أنه جعل من محمد بن يزيد الكوفي البزاز الرفاعي، ومحمد بن يزيد الكوفي البزاز الحزامي رجلاً واحدًا، وخطَّأ ابن أبي حاتم والكلاباذي، والصواب: أنهما رجلان.

ومن ذلك: قال الحافظ ابن حجر في ترجمة (صالح بن نبهان مولى التوأمة): .. وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره أبو الوليد الباجي في “رجال البخاري”، وقال: أخرج له في الصيد مقرونًا بنافع مولى أبي قتادة. انتهى. وأما الكلاباذي فذكر أن المقرون بنافع هو نبهان مولى التوأمة، لا ابنه صالح، وتابع الكلاباذي غير واحد، وهو الصواب. أخطأ فيه الباجي خطأً فاحشًا، وذهل ذهولاً شديدًا، والذي في كتاب الصيد من “الصحيح” من طريق أبي النضر عن نافع مولى أبي قتادة، وأبي صالح مولى التوأمة عن أبي قتادة، وأبي صالح مولى التوأمة عن أبي قتادة. “تهذيب التهذيب” (4/356)



التعليقات

So empty here ... leave a comment!