الجمع بين الصحيحين للحميدي

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الحميدي، وهو محمد بن فتوح أبي نصر، المتوفى سنة (488هـ)، واسم كتابه (الجمع بين الصحيحين)، وهو من أفضل الكتب للباحث المتخصص في الجمع بين أحاديث الصحيحين، خاصة وأن مؤلفه من العلماء المدققين في العلم، له مؤلفات عديدة تشهد على تحريره وعنايته، أندلسي الأصل من قرطبة، ورحل إلى المشرق للحديث، وكان مختصا بصحبة ابن حزم الظاهري يحمل عنه كتبه، وصفه الذهبي بأنه من "كبار الحفاظ"، كما في (تاريخ الإسلام:10/617)، وانظر ترجمته عند ابن عساكر في (تاريخ دمشق:55/79).


وقد أثنى العلماء على كتابه هذا من جهات عدة، أهمها حسن ترتيبه، فقد رتبه على "مسانيد الصحابة" رضي الله تعالى عنهم، وليس على الأبواب والموضوعات، ومن المعلوم أن الحفظ على المسانيد أيسر وأسهل منه على الأبواب، وفي داخل كل مسند من مسانيد الصحابة يبدأ بالمتفق عليه بين الشيخين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم يورد ما انفرد به مسلم.


ومن جميل صنعه وتسهيل كتابه على الحفاظ والطلاب أنه كان يجمع الأحاديث المتفقة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها ورواياتها قليلا أو كثيرا، الأمر الذي أدى إلى تقليل أعداد الأحاديث المرقمة بالنسبة لكتب الأطراف مثلا. ولكن لزم عن ذلك أنه كان يجعل بعض الأحاديث من "المتفق عليه"، في حين أن غيره كان يعدهما حديثين مختلفين وإن اتفق الصحابي. ومن أهم ميزاته عنايته ببيان الفرق بين الروايات، والتنبيه على الزيادات المتنية المهمة، وملاحظته للطائف إسنادية من قبيل الأفراد ونحوها.


يقول الحميدي رحمه الله تعالى– في مقدمة كتابه -: "لم أذكر من الإسناد في الأكثر إلا التابع عن الصاحب، أو من روى عنه مما يتعلق بالتراجم للمعرفة به، ولا من المعاد إلا ما تدعو الضرورة إليه لزيادة بيان، أو لمعنى يتصل بما لا يقع الفهم إلا بإيراده. وربما أضفنا إلى ذلك نبذا مما تنبهنا عليه من كتب أبي الحسن الدارقطني، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي بكر الخوارزمي، وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم من الحفاظ الذين عنوا بالصحيح مما يتعلق بالكتابين، من تنبيه على غرض، أو تتميم لمحذوف، أو زيادة في شرح، أو بيان لاسم أو نسب، أو كلام على إسناد، أو تتبع لوهم بعض أصحاب التعاليق في الحكاية عنهما، ونحو ذلك من الغوامض التي يقف عليها من ينفعه الله بمعرفتها إن شاء الله تعالى" انتهى من (الجمع بين الصحيحين:1/74-75) ويقول محقق الكتاب الدكتور علي البواب: "الحميدي إذا نقل حديثا عن الصحابي قدم الرواية التي للشيخين، أو التي: الاختلاف بينهما فيها قليل، وهو ينقل الحديث بلفظ أحد الشيخين إن اختلفا، ويميل إلى الرواية الأتم، وقد ينبه على صاحب الرواية، ثم يتبعها بعد ذلك بما جاء في الحديث نفسه من الروايات الأخر عن الراوي نفسه بزيادة أو نقصان أو اختلاف. ثم ما جاء من الحديث عن رواة آخرين، ومع التنبيه إذا كانت الرواية لهما أو لأحدهما، ويسكت أحيانا" انتهى من (الجمع بين الصحيحين:1/13) ويقول أيضا: "يسعى الحميدي إلى إتمام الحديث، أو إيراد روايته بالسند الذي جاء، مختصرا أو مدرجا.


وقد رجع الحميدي في ذلك إلى كتب : المستخرج على الصحيحين للإسماعيلي، والبرقاني، وخلف، وأبي مسعود وغيرهم من المحدثين. ويمتلئ كتابه بأمثله ذلك، منها: أخرج البخاري طرفا منه عن ... لم يزد على هذا.


قال الحميدي: وهو بتمامه عند البرقاني من حديث ... وذكره. وأشير هنا أيضا إلى أن كثيرا من الروايات التي ذكرها الحميدي تختلف عما في طبعتي البخاري ومسلم، كما أنه يشير كثيرا إلى الخلاف في الروايات، وقد يكون بعضها المثبت في الصحيحين عندنا". انتهى من (الجمع بين الصحيحين:1/19). 


فتأمل هذه الميزات العديدة، والتحريرات المفيدة للجمع بين أحاديث الصحيحين، التي دفعت الإمام ابن الجوزي رحمه الله أن يقول: "صار كتابه – لقدره في نفسه – مقدَّما على جميع جنسه" انتهى من (كشف المشكل من حديث الصحيحين:1/6) وقال ابن الأثير: "فإنه أحسن في ذكر طرقه، واستقصى في إبراز رواياته، وإليه المنتهى في جمع هذين الكتابين" انتهى من (جامع الأصول:1/55) وقال الذهبي: "رتبه أحسن ترتيب" كما في (سير أعلام النبلاء:19/121) وقد توسع ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح:1/300 -311) في الحديث عن منهج الحميدي في كتابه، يمكن الرجوع إليه. ولا نخلي هذا الثناء هنا عن ملاحظة مهمة أوردها العلماء على عمل الحميدي، كي يكون طالب العلم منها على بينة.


يقول الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: "الحميدي ربما يسوق الحديث الطويل ناقلا له من مستخرج البرقاني أو غيره، ثم يقول: اختصره البخاري، فأخرج طرفا منه، ولا يبين القدر المقتصر عليه، فيلتبس على الواقف عليه، ولا يميزه إلا بالنظر في أصله، ولكنه في الكثير يميز ، بأن يقول بعد سياق الحديث بطوله: اقتصر منه البخاري على كذا، وزاد فيه البرقاني مثلا كذا. ولأجل هذا وما يشبهه، انتقد ابن الناظم وشيخنا دعوى عدم التمييز، خصوصا وقد صرح العلائي ببيان الحميدي للزيادة، وهو كذلك، لكن في بعضها ما لا يتميز كما قررته" انتهى من (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث:1/ 61) وأورد الشيخ صالح أحمد الشامي مجموعة مهمة من الملاحظات، كتفويت بعض "الأحاديث" من أصلها، وإيراد معلقات دون التنبيه عليها، ونقص بعض الروايات، ودمج أخرى دون الإشارة لذلك. يمكن مراجعة هذه الملاحظات في مقدمة "الجامع بين الصحيحين" لصالح الشامي (1/6) الطبعة الثانية.

____

رابط المصدر: https://islamqa.info/ar/241042