الطلاق قبل الجماع

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

 « مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ وَلَمْ يَطَأْهَا طَالَ مُقَامُهُ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَطُلْ - فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ -: [...] عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ: أَنَّهُ إذَا أَغْلَقَ الْبَابَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ: فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ.

وَ [...] عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: (إذَا أَرْخَى السِّتْرَ، أَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ: فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ).

وَ [...] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (إذَا أَرْخَيْت السِّتْرَ وَغَلَّقْت الْأَبْوَابَ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ) - وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ.

وَ [...] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَا جَمِيعًا: (إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ: فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ).

وَ [...] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أُغْلِقَ الْبَابُ وَأُرْخِيَ السِّتْرُ: فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ.

وَ [...] الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ عِنْدَهَا، ثُمَّ رَاحَ وَفَارَقَهَا، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ زَيْدٌ: (لَهَا الصَّدَاقُ)، فَقَالَ مَرْوَانُ: إنَّهُ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: (أَرَأَيْت لَوْ حَمَلَتْ أَكُنْت تَرْجُمُهَا؟) قَالَ: لَا، فَقَالَ زَيْدٌ: (بَلَى!).

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: [...] مِثْلَهُ - وَفِي آخِرِهِ: فَلِذَلِكَ تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي مِثْلِ هَذَا.

وَ [...] عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ.

وَ [...] الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَضَى فِي امْرَأَةِ عِنِّينٍ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ.

وَ [...] أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَمْ يَطَأْهَا: إنَّ الصَّدَاقَ لَهَا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا.

وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.

وَصَحَّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَضَى بِهِ فِي عِنِّينٍ.

وَعَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ وَزَادَ: (وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا).

وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ قَوْلِ عَبْدِ الْكَرِيمِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، إلَّا أَنْ تَكُونَ " رَتْقَاءَ " فَلَا يَجِبُ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ.

وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ قَوْلًا آخَرَ: [...] أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي رَجُلٍ اخْتَلَى بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يُخَالِطْهَا بِالصَّدَاقِ كَامِلًا، يَقُولُ: إذَا خَلَا بِهَا وَلَمْ يُغْلِقْ بَابًا وَلَا أَرْخَى سِتْرًا.

وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ: [...] قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانَ يُقَالُ: إذَا رَأَى مِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ فَلَهَا الصَّدَاقُ.


وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا خَلَا بِهَا فِي بَيْتِهَا - وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ - فَالْمَهْرُ كُلُّهُ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا، أَوْ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا، أَوْ كَانَتْ هِيَ حَائِضًا، أَوْ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ، فَلَيْسَ لَهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ - فَلَوْ خَلَا بِهَا وَهُوَ صَائِمٌ صِيَامَ فَرْضٍ فِي ظِهَارٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ كُلُّهُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَلَوْ خَلَا بِهَا فِي صَحْرَاءَ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ فِي سَطْحٍ لَا حُجْرَةَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ. [...]


وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا خَلَا بِهَا فَقَبَّلَهَا أَوْ كَشَفَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ حَتَّى أَخْلَقَ ثِيَابَهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ. [...]


وَهَاهُنَا قَوْلٌ آخَرُ [...] عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (لَهَا النِّصْفُ وَإِنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا.)

وَ [...] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا: (عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ.)

وَ [...] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (لَا يَجِبُ الصَّدَاقُ وَافِيًا حَتَّى يُجَامِعَهَا وَلَهَا نِصْفُهُ).

وَ [...] عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ بَابًا وَلَا سِتْرًا إذَا زَعَمَ أَنْ لَمْ يَمَسَّهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.

وَ [...] عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ نَافِعٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ قَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا، وَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَرِبَهَا، فَخَاصَمَتْهُ إلَى شُرَيْحٍ، فَقَضَى شُرَيْحٌ بِيَمِينِ عَمْرٍو " بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا قَرِبْتُهَا " وَقَضَى عَلَيْهِ لَهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ بِنْتَ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ.

وَ [...] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى إغْلَاقَ الْبَابِ وَلَا إرْخَاءَ السِّتْرِ شَيْئًا.

وَ [...] عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ - يَعْنِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا - وَلَمْ يَقُلْ: أَنَّهُ مَسَّهَا.

وَ [...] عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا يَجِبُ الصَّدَاقُ وَافِيًا حَتَّى يُجَامِعَهَا، إنْ أَغْلَقَ عَلَيْهَا الْبَابَ، قُلْت لَهُ: فَإِذَا وَجَبَ الصَّدَاقُ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ، قَالَ: أَوَ يَقُولُ أَحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ؟


وَ [...] عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا يَجِبُ الصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ إلَّا بِالْمُلَامَسَةِ الْبَيِّنَةِ: تَزَوَّجَ رَجُلٌ جَارِيَةً فَأَرَادَ سَفَرًا فَأَتَاهَا فِي بَيْتِهَا مُخْلِيَةً لَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَخَذَهَا فَعَالَجَهَا [...]، فَمَنَعَتْ نَفْسَهَا، فَصَبَّ الْمَاءَ وَلَمْ يَفْتَرِعْهَا، فَسَاغَ الْمَاءُ فِيهَا، فَاسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ، فَثَقُلَتْ بِغُلَامٍ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَسَأَلَهُ؟ فَصَدَّقَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مَنْ أَغْلَقَ الْبَابَ أَوْ أَرْخَى السِّتْرَ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ، وَكَمُلَتْ الْعِدَّةُ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: فَمُخَالِفَانِ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا حُجَّةً أَصْلًا وَلَا سَلَفًا فِي قَوْلِهِمَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنْ أَغْلَقَ بَابًا، أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ فَوَجَدْنَا مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] . قَالُوا: فَالصَّدَاقُ كُلُّهُ وَاجِبٌ لَهَا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ إجْمَاعٌ.

وَ [...] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاك تُحَدِّثُهُ؟ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي؟ قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَك إنْ كُنْت صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْت بِهَا.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهَذَا، فَحَصَلَ مُرْسَلًا، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا فِيهِ قَالَ: قِيلَ: وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ - فَسَقَطَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - وَقَدْ أَسْنَدَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذَا اللَّفْظَ لَكِنْ كَمَا نا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي مَالِي، قَالَ: لَا مَالَ لَكَ، إنْ كُنْت صَادِقًا عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَالُوا: فَالدُّخُولُ بِهَا اسْتِحْلَالٌ لِفَرْجِهَا.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَمْوِيهٌ، بَلْ حِينَ الْعَقْدِ لِلنِّكَاحِ يَصِحُّ اسْتِحْلَالُهُ لِفَرْجِهَا فَلَوْلَا نَصُّ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَنِصْفُ الصَّدَاقِ فَقَطْ لَكَانَ الْكُلُّ لَهَا، كَمَا هُوَ لَهَا إنْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ.

وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْأُخْرَى خَصَّتْهَا، فَلَمْ يُوجِبْ الطَّلَاقُ قَبْلَ الْمَسِّ إلَّا نِصْفَ الصَّدَاقِ.

وَ[...] أَيْضًا بِخَبَرٍ سَاقِطٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ يَزِيدَ الطَّائِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَقَالَ: الْبَسِي عَلَيْكِ ثِيَابَكَ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ» . زَادَ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ كَامِلًا.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ سَاقِطٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ غَيْرُ ثِقَةٍ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ لَهَا وَاجِبٌ، بَلْ هُوَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ {إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] كَمَا لَوْ تَفَضَّلَتْ هِيَ فَأَسْقَطَتْ عَنْهُ جَمِيعَ حَقِّهَا لَأَحْسَنَتْ.

وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ آخَرَ سَاقِطٍ: [...] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَشَفَ امْرَأَةً فَنَظَرَ إلَى عَوْرَتِهَا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ» . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ -:

أَوَّلُهَا - أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.

وَالثَّانِي - أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَابْنِ لَهِيعَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ.

وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِلدُّخُولِ ذِكْرٌ وَلَا أَثَرٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ كَشْفُهَا وَالنَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهَا، وَقَدْ يَفْعَلُ هَذَا بِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ فِي مَدْخُولٍ بِهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ جَمِيعِهِمْ.

ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ أَيْضًا: بَيَانُ أَنَّهُ فِي الْمُتَزَوِّجَةِ فَقَطْ، بَلْ ظَاهِرُهُ عُمُومٌ فِي كُلِّ زَوْجَةٍ وَغَيْرِهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ جُمْلَةً.

وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِأَنَّهَا لَوْ حَمَلَتْ لُحِقَ الْوَلَدُ وَلَمْ تُحَدَّ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَصْلًا، وَلَا عُرِفَ أَنَّهُ خَلَا بِهَا، لَكِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُ بِهَا سِرًّا مُمْكِنًا، فَحَمَلَتْ، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَصْلًا لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ حَلَالًا مُذْ يَقَعُ الْعَقْدُ، لَا مَعْنَى لِلدُّخُولِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَقَدْ تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ، لَكِنْ بِتَشْفِيرٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ فَقَطْ - وَكُلُّ هَذَا لَا يُسَمَّى مَسًّا.

فَإِنْ تَعَلَّقُوا بِمَنْ جَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَقَدْ اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا فَوَجَبَ الرَّدُّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَوَجَدْنَا الْقُرْآنَ لَمْ يُوجِبْ لَهَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ إلَّا نِصْفَ الصَّدَاقِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.  » — المحلى لابن حزم ج9 ص73