القدر

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فل هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد :

فلما كان بحث مسألة القضاء والقدر من المزالق الخطر في الدين، ومن الأمور التي قد تهوي بالمرء إلى الزلل، ولما كان المسلمون قد خاضوا فيها خوضاً عميقاً، وذلك على مرِّ التاريخ الإسلامي، وتحديداً بعد أن دبَّ إلى الأمة الإسلامية داء الأمم، فاتبعت سننهم وسلكت سبلهم ونهلت من مشاربهم حتى اختلطت عقائدهم بعقيدتها الصافية، فأوردهم هذا الخوض المهالك، وشتت شملهم، وفرق جمعهم، فضعفت بذلك قوتهم، وانكسرت شوكتهم، وتكالبت عليهم الأمم.

لما كان الأمر كذلك، بات من أوجب الواجبات على المسلمين أن يوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم، ويعملوا جميعاً وبأقصى ما يملكون للم شمل الأمة وجمع شتاتها، ورأب صدعها، والأخذ بيدها إلى جادة الصواب، وتذكيرها بما من شأنه أن يعيد لها ماضيها التليد، وكرامتها المستمدة من كرامة دينها المجيد، ويجدد الصواب، ويجدد لها سؤددها ويرفع لواءها ويضيء لها طريقها، ويذكِّرها بأسباب العزة والمجد والريادة والسيادة.

وتحقيقاً لبعض هذا الواجب، ومن منطلق المسئولية الملقاة على عاتق كل مسلم، فإني أرى أن إيضاح مسألة القدر ومراتبه التي هي من أهم وأعظم مسائل العقيدة أمر في غاية الأهمية وضرورة ملحة، لانتشال هذه الأمة من واقعها المشين، وإيقاظها من سباتها المريب، وتذكيرها بمهمتها العظيمة، لتبليغ هذا الدين، وإنَّ أفضل ما يكون هذا الإيضاح، بالرجوع بها إلى فهم سلف الأمة وقادتها – الصحابة الكرام – حيث كانوا – رضي الله عنهم – أحسن النَّاس لها فهماً، وأعرفهم بها علماً، وأعظمهم بها إلماماً، ولم يتأثروا بالأغاليط ولا بالفلسفات القديمة.

ومن هنا حملوا لواء الدعوة الإسلامية ونشرها في أرجاء المعمورة، وتحمَّلوا من أجلها أشد العناء واجتازوا أصعب العقبات، فحققوا أروع الانتصارات في أحلك الظروف وأسوأها، في معارك غير متكافئة مع الأعداء، غير عابثين بما يواجههم ولا مبالين بما يعترض طريقهم من عناء ومشقة، مؤمنين بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وبأنه لن تموت نفس إلا وقد استوفت رزقها وأجلها وأن ما من مصيبة في الأرض ولا حدث ولا خير إلا وقد جف القلم في سابق علم الله به.

فأخذوا – رضي الله عنهم – بالأسباب التي أوصلتهم إلى أسمى الأهداف وأعلى الغايات فحقق الله لهم ما أردوا، ونالوا بذلك ما تمنوا.



تعريف القدر :

أولاً: القدر في اللغة:

جاءت مادة القدر بمعنى القضاء, قال ابن سيدة : والقدر: القضاء والحكم، وهو ما يقدره من القضاء ويحكم به من الأمور قال تعالى : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾[القدر:1] أي في ليلة الحكم كذلك قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾[الدخان:4].

وجاءت بمعنى العلم قال تعالى: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ [النمل:57] أي علمنا أنها لمن الغابرين.

وجاءت بمعنى السؤال والطلب كقولك استقدر الله خيراً أي اسأل الله خيراً ومن حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : «اللهم إني أستقدرك بقدرتك»(1) أي بمعنى أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة.

كما جاءت بمعنى الموعد كما قال تعالى : ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾[طه:40] أي على موعد وجاءت بمعنى القدر والطاقة كما قال تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾[البقرة:236]. أي طاقته .

وجاءت بمعنى التضييق قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد:26].

القدر في القرآن : وأما القدر في الكتاب فقد جاء على معان كثيرة:

منها المقدار والقسمة وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر:49] وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر:21] وفي غيرها من الآيات.

وكذلك يأتي بمعنى جعل لقوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾[القمر:12] أي على أمر قد علم في سابق علم الله سبحانه وتعالى كما مر آنفاً.

أو بمعنى الحتم كما في قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ [طه:40] أي على أمر حتمي الوقوع والإنجاز .

القدر على السنة: وأما في السّنة فقد ورد فيها أحاديث كثيرة ما يبين وجود الإيمان بالقدر كحديث جبريل المشهور(2)، ومنها ما يبين أنّ القدر في علم الله الأزلي وأنه لابد من تحققه وإيجاده كما قدر الله: كحديث عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «وإن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب فكتب ما كان وهو كائن إلى الأبد»(3) ،(4).

ومنها الأحاديث التي يخطئ الناس في فهمها كحديث وصور في صحيح مسلم: «احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدم موسى»(5) .

وحديث البخاري ومسلم عن الاحتجاج بالعمل ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :« لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له»(6) ،(7).


أهمية الإيمان بالقدر:

تنبثق هذه الأهمية من كون الإيمان بالقدر يعتبر ضرورة ملحة للمؤمن، لما له من المكانة العالية في الإسلام، فهو في المقام الأول أحد أركان الإيمان الستة الواردة في حديث جبريل المشهور، كما أنه من تمام توحيد الربوبية، وهو موجب لصدق الاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، وأنه موجب لحصول الطمأنينة للإنسان في حياته كلها، خاصة عندما يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

كما أنَّ الإيمان بالقدر سبب رئيسي في نفي إعجاب المرء عند تحقيق أي عمل، وهو كذلك موجب لشكر الله تعالى إذ المن لله وحده، وما تحقيقه وتوفيقه لهذا العمل إلا فعل للسبب المؤدي إلى حصول المراد .

· مراتب القدر : وبعد أن تبين لنا أهمية الإيمان بالقدر وضرورته، فإنه لابد للمسلم من فهم حقيقة القدر وأركان القدر أو مراتبه (درجاته) كما هو معلوم لدى علماء المسلمين الذين بينوا هذه الأركان وأطلقوا عليها أحياناً مراتب وأحياناً درجات.

ولابد من الإشارة إليها والإحاطة بما يجب منها وذلك لفهم حقيقتها وضبط معانيها، ولقد اتبع شيخ الإسلام منهج الوسطية فيها كما هو منهجه في كل أمر وجاءت مبثوثة في الكتب مبسوطة ومقتضبة ونحن إذ نشير إليها على جهة الإجمال بشرح ما خفي منها إسهاماً في نشر الوعي وإدراكاً منَّا أن فهمها سبب في زيادة في الإيمان وتثبيت له وهذه المراتب هي :

1 ـ العلم 2 ـ الكتابة 3 ـ المشيئة 4 ـ الخلق

أولاً : مرتبة العلم :

وهي تعني الإيمان الجازم بأن علم الله الأزلي الأبدي بكل شيء جملة وتفصيلاً، أولاً وأبداً ما كان وما يكون من صغير وكبير وظاهر وباطن سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أو أقواله أو بأفعال عباده وأقوالهم وأرزاقهم وآجالهم وكل ما يتعلق بكل مخلوقاته .

فعلمه محيط بما كان وما لم يكن لو كان كيف يكون وبما سيكون وبالموجود وبالمعدوم وبالمكن والمستحيل، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة أو أصغر منهما في السموات ولا في الأرض. وقد علم سبحانه جميع ما خلق.

قال تعالى: ﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ:3] وقال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ [الطلاق:12] .

وقال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59] .

تشير الآيات السابقة إلى وجوب الإيمان بأن الله بكل شيء عليم وإلى أنَّ علمه محيط وسابق لكل شيء وغير مسبوق بجهل ولا ملحوق بنسيان كما وصف نفسه في القرآن الكريم حيث قال: ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ﴾ [طه:52] .

فعلمه أزلي أبدي كوصفه سبحانه وتعالى، فقد علم سبحانه ويعلم ما يخلق وما الخلق عاملون من قبل خلقهم ومن بعد خلقهم إلى يوم القيامة وإلى أبد الآبدين ويجب أن نؤمن بذلك كله إيماناً جازماً كما صرحت الآيات وكذلك الأحاديث والتي سنذكر بعضاً منها في المرتبة الثانية (الكتابة).

ثانياً: مرتبة الكتابة:

وتعني بأنَّ الله كتب ما سبق في علمه في اللوح المحفوظ مقادير خلقه حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا هو في كتاب مقدر قبل أن يكون.

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج:70] .

وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة:51] .

وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد:22].

فهذه الآية وضَّحت أن ما من مصيبة في الأرض من حرب أو زلازل أو فيضانات أو غيرها إلا وقد ذُكرت وكتبت بأمر في اللوح المحفوظ، وكذا أي مصيبة في الأنفس عامة كالأمراض والأوبئة والمنايا المهلكة إلا في ذلك الكتاب من قبل خلقها ومن قبل خلق الأرض والسماء وكل المخلوقات بخمسين ألف سنة كما بينت وشرحت ذلك السنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

أما في السنة فيها عدة أحاديث منها: ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة »(8).

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وكتبه في الذكر كل شيء»(9).

ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : «إن أول ما خلق الله القلم فقال: أكتب قال : رب ما أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة»(10).

فهذه الأحاديث وغيرها صريحة بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وبأن ما أصاب من مصيبة عامة أو خاصة إلا وهي في كتاب وأن ما أصاب الإنسان لم يكن يخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فقد جفت الأقلام وطويت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وفي هذا كله هداية للمؤمن وتثبيت لقلبه ليسلم لله ويستسلم لمقاديره الكونية والشرعية ويعيش في هذه الدنيا راضياً ومطمئناً مطيعاً لله في مدلهمات الحياة وخطوابها: فلا يفرج بما آتاه الله فرحاً يخرجه عن الشكر ولا يحزن لما أصابه حزناً يخرجه عن الصبر فهو إمَّا في نعمة أو ابتلاءٍ أو ذنوب. نعمة ليشكر الله عليها وذنب يستغفر ربه منه وابتلاء يصبر عليه صبر الكرام والصبر الجميل الذي يثاب عليه الثواب الجزيل والعطاء الكثير في الكريم المنان.


ثالثاً : مرتبة المشيئة :

وتعني الإيمان بمشيئة الله سبحانه النافذة في كل شيء سواء كان مما يتعلق بأفعاله أو يتعلق بأفعال خلقه،كما تعني الإيمان بقدرته الشاملة لكل شيء، فما وجد موجود ولا عدم معدوم من صغير وكبير وظاهر وباطن في السموات والأرض إلا بمشيئته سبحانه وتعالى سواء كان ذلك من فعله تعالى، أو من فعل مخلوقاته.

قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ﴾ [فاطر:44] .

فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حركة ولا سكون ولا هداية ولا إضلال إلا بمشيئته سبحانه وتعالى .

وأدلة هذه المرتبة كثيرة منها قوله تعالى : ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف:23]، وقوله تعلى : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الإنسان:30]، ومنها قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [هود:118].

وكذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ [البقرة:253].

وكذلك قوله تعالى : ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم:27] وقوله تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد:26] .

فهذه الآيات وغيرها تشير إلى أنه لا يمكن أن يكون شيء في الوجود إلا بمشيئته سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.

وهنا وقفة مهمة ينبغي أن تُتأمل؛ ينبهنا إليها العلماء حينما قسموا الإرادة إلى كونية وشرعية، والمقصود هنا أنه لا يمكن أن يكون في ملكه سبحانه إلا ما يريده كوناً وقدراً، أي (الإرادة الكونية).

أما في الإرادة الشرعية فيمكن أن يكون في الأرض خاصة بين بني الإنسان المخلوقين للابتلاء ما لا يريده شرعاً، كأن يأمرهم بالإيمان فلا يقبلوه، بل يتنكبوا الطريق المستقيم مثل أنهم لا يستجيبوا لما يريده الله شرعاً ويحبه لهم من الإيمان فيكون ما لا يريده أي ما لا يحبه لهم من الكفر ولكن هذا لا يخرج عن إرادته الكونية حينما اقتضت إرادته الكونية أن يخلق هذا الإنسان للامتحان واقتضت إرادته سبحانه أن يخلق الجنة والنار.

وهذه المسألة من أخطر المسائل في الاحتجاج بالقدر عند من لا يفرق بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا ما لا يعرف هذا الإنسان وقد تؤدي به إلى الكفر والخروج عن الملة.

ومن هنا قرر العلماء أن الإرادة الكونية تعني المشيئة.والإرادة الشرعية تعني المحبة فالأولى في مثل قوله تعالى : ﴿ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ [هود:34].

والثانية بينتها الآية الكريمة حيث قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء:27]. أي والله يحب أن يتوب عليكم، وقال سبحانه : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185] وعلى هذا فإنَّ الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع سواء أحبه الله أم لم يحبه ويتعين فيها وقوع المراد في حين تتعلق الإرادة الشرعية فيما أحبه سواء وقع أم لم يقع ولا يتعين فيها وقوع المراد.

هنا يرتفع اللبس عمن يحتج بالقدر وتقوم عليه الحجة، فصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:149] ، ويقول تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [الشورى:16].

رابعاً : مرتبة الخلق:

وتقتضي هذه المرتبة الإيمان بالله خالق كل شيء من صغير وكبير وظاهر وباطن، فخلقه شامل لأعيان هذه المخلوقات وصفاتها وما يصدر عنها من أقوال ً وأفعال، وكل ما سوى الله مخلوق موجد من العدم، كائن بعد أن لم يكن ، وقد دلت على هذه المرتبة الكتب السماوية، وأجمع عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام واتفقت عليها الفِطر، والعقول السليمة، ومن هذه الأدلة قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر:62]، وقوله تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك2] . وقوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصفات:96].

ومن السنة : ما رواه البخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»(11), فأفعال العباد داخلة في عموم خلقه تعالى وهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً ولكنها من العبد- كما يقرر العلماء- فعلاً وكسباً، فالله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها.

وهذا عين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه منهاج السنة(12) بقوله : "وأما جمهور أهل السنة المتبعون لسلف الأمة: فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله مفعول لله، لا يقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل المفعول".


أقسام القدر:

وبعد معرفة مراتب القدر لابد أن نعرف أن القدر أقسام:

1- التقدير العام أي تقدير الله لجميع الكائنات أي علمه بها وكتابته لها ومشيئته وخلقه لها قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج:70].

2- ومن التقدير البشري الذي قدر الله فيها أهل السعادة وأهل الشقاوة وذلك حين أخذ الله العهد والميثاق على ذرية بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بركم قالوا بلى وجاء ذلك في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف:172].

3- ومنه التقدير العمري: ودل عليه حديث ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب : أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله، فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص»(13). (متفق عليه واللفظ لمسلم كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .. وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته).

4- ومنه التقدير السنوي دل على ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان:4]. قال ابن عباس: "يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق" ، وقال مجاهد وقتادة والحسن: "يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت وبسط وخير وشر وغير ذلك".

وقال ابن عمر: "إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران".

وقال المهدوي: "معنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل "(14).

5- ومنه التقدير اليومي: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن:29].

وجاء في تفسيرها أنه من شأنه أن يعز ويذل ويرفع ويخفض ويعطي ويمنع ويفقر ويضحك ويبكي ويميت ويحيى، إلى غير ذلك مما هو مبين ومبسوط في كتب التفسير.


الخاتمة وتلخيصاً لما تقدم، وبعد هذا التجوال والتطواف في ثنايا هذا البحث المتواضع، فإنه مما لا شك فيه أنَّ الإيمان بالقدر، والفهم الصحيح والاعتقاد الراسخ لمفهوم أهل السنة والجماعة، يعود على الأفراد والمجتمعات بمنافع وفوائد عدة، نذكر منها على سبيل الإجمال الآتي:

- الرقي بالعبد نحو الكمال في تمام العبادة، والاستجابة لله سبحانه وتعالى، والتوحيد الخالص، والتبرؤ من الشرك، وقوة الإيمان والرضا في جريان الأحكام المنوطة بالقدر على العبد، كما يتحقق للعبد الشكر ، والفرح، والصبر، والتوكل، واليقين، والاستسلام لله، والتضرع إليه، والافتقار والذل له، والتواضع والخضوع له، والخوف والحذر منه سبحانه وتعالى، والهداية والكرم، والإخلاص، وإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى.

كما أنَّ الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات كالحسد والبغضاء.

ومن ثمراته أيضاً عدم الاعتراض على أحكام الله الشرعية، وأقداره الكونية، وعدم اللجوء إلى المخلوقين، كالسَّحرة، والكهنة، والعرَّافين، وعدم اليأس من انتصار الحق.

ومن ثمراته الاستقامة الدائم وعلو الهمة، ومعرفة أنَّ الخير فيما قدره الله، وأنَّ الحكمة فيه.

ومن ثمراته العالمية السامية العزة، والقناعة، وسكون القلب، وطمأنينة النفس، وغيرها من الثمرات التي لا يمكن أن نحصيها في هذا البحث المقتضب.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

==الكاتب==

مقدم البحث : الدكتور / عبد الرحمن الأغبري

راجعه:

عبد الله بن عبَّاس غانم الحبوري 1427هـ

علي عمر بلعجم

المصدر[عدل]

http://www.jameataleman.org/main/articles.aspx?selected_article_no=1854