القرامطة

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
القرامطة
تنتسب لـ:حمدان بن قرمط
التصنيف:الشيعة

 « الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَيُلَقَّبُونَ بِالْبَاطِنِيَّةِ ; لِقَوْلِهِمْ بِبَاطِنِ الْكِتَابِ، وَأَصْلُ دَعْوَتِهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى إِبْطَالِ الشَّرَائِعِ وَانْتِقَاصِ الدِّينِ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنَ الْمَجُوسِ رَامُوا عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ، وَتَبَايُنِ الدُّوَلِ، كَسْرَ شَوْكَةِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِقَاضَ عُرَى الدِّينِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَا إِعْلَانُ مَا قَصَدُوهُ مِنَ الْإِفْكِ وَالْمَهَالِكِ، فَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَجْهٍ يَعُودُ إِلَى قَوَاعِدِ أَسْلَافِهِمْ، وَرَأْسُهُمْ فِي ذَلِكَ (حَمْدَانُ قِرْمِطٌ) ، وَمِنْهُمْ بَلْ صَاحِبُ إِظْهَارِ دَعْوَتِهِمْ (أَبُو سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ) ، فَظَهَرَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالْقَرَامِطَةِ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَقَتَلَ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى، ثُمَّ قُتِلَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَتَلَهُ خَادِمٌ لَهُ فِي الْحَمَّامِ، وَقَامَ مَقَامَهُ وَلَدُهُ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنِ بْنِ بَهْرَامَ الْقِرْمِطِيُّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى هَجَرِ الْقَطِيفِ وَالْإِحْسَاءِ وَسَائِرِ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَافَى حُجَّاجَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو طَاهِرٍ الْقِرْمِطِيُّ بِمَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَنَهَبَ أَمْوَالَ الْحَاجِّ، وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَلَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَأَنْفَذَهُ إِلَى هَجَرَ، وَطَرَحَ الْقَتْلَى فِي زَمْزَمٍ، وَقَلَعَ بَابَ الْكَعْبَةِ.

وَالْقِرْمِطُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ قَصِيرًا مُجْتَمِعَ الْخَلْقِ، أَسْمَرَ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ قِرْمِطِيٌّ، وَالْجَنَّابِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ نِسْبَةً إِلَى جَنَّابَةَ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ فَارِسَ، مُتَّصِلَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ عِنْدَ سِيرَافَ، وَالْقَرَامِطَةُ مِنْهَا، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا، وَلَهُمْ فِي دَعْوَتِهِمْ مَرَاتِبُ (الزُّرْقِ) ، وَهُوَ التَّفَرُّسُ فِي حَالِ الْمَدْعُوِّ، هَلْ هُوَ قَابِلٌ أَمْ لَا؟ وَلِذَلِكَ مَنَعُوا إِلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي السَّبْخَةِ، وَالتَّكَلُّمَ فِي بَيْتٍ فِيهِ سِرَاجٌ أَيْ فَقِيهٌ، ثُمَّ (التَّأْنِيسُ) بِاسْتِمَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنْ زُهْدٍ وَخَلَاعَةٍ، ثُمَّ (التَّشْكِيكُ) فِي أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ بِمُقَطَّعَاتِ السُّوَرُ، وَقَضَاءِ صَوْمِ الْحَائِضِ دُونَ صَلَاتِهَا، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ ; لِتَتَعَلَّقَ الْقُلُوبُ بِمُرَاجَعَتِهِمْ فِيهَا، ثُمَّ (الرَّبْطُ) وَهُوَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ مِنْهُ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ أَنْ لَا يُفْشِيَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَحَوَالَتُهُ عَلَى الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ (التَّدْلِيسُ) وَهُوَ دَعْوَى مُوَافَقَةِ أَكَابِرِ الدِّينِ لَهُمْ حَتَّى يَزْدَادَ مَيْلُهُمْ، ثُمَّ (التَّأْسِيسُ) وَهُوَ تَمْهِيدُ مُقَدَّمَاتٍ يَقْبَلُهَا الْمَدْعُوُّ، ثُمَّ (الْخَلْعُ) وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى إِسْقَاطِ وُجُوبِ الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ، ثُمَّ (السَّلْخُ) عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُونَ فِي الْإِبَاحَةِ وَاسْتِعْجَالِ اللَّذَّاتِ وَتَأْوِيلِ الشَّرِيعَةِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: ذَكَرَ الْكَاشِفُونَ لِأَسْرَارِ الْقَرَامِطَةِ، وَالْهَاتِكُونَ لِأَسْتَارِهِمْ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَطَوَائِفَ كَثِيرَةٍ، مَا وَجَدْنَا مِصْدَاقَهُ فِي كُتُبِ الْقَرَامِطَةِ، أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِأَنْفُسِهِمُ اصْطِلَاحَاتٍ، رَوَّجُوهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَا مَقْصُودُ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةُ، كَقَوْلِهِمُ: السَّابِقُ وَالتَّالِي، يَعْنُونَ بِهِ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ، وَيَقُولُونَ هُوَ اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ، قَالَ: وَأَصْلُ دِينِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ، وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، وَرُبَّمَا خَلَطُوا كَلَامَهُمْ بِكَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَدْ دَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْقَرْمَطَةِ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ كَمَا دَخَلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكِتَابُ رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا أَصْلُ مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ الْفَلَاسِفَةِ، فَرُبَّمَا نَسَبُوا هَذَا الْكِتَابَ بِالِافْتِرَاءِ إِلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ; لِيَجْعَلُوهُ مِيرَاثًا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكَذِبِ وَأَوْضَحِهِ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ رَسَائِلَ إِخْوَانِ الصَّفَا إِنَّمَا صُنِّفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهٍ، قَرِيبًا مِنْ بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ. وَدَوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةِ الْحَاكِمِيَّةِ الْمُنْتَسِبِينَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْمُلَقَّبِينَ بِالْفَاطِمِيَّةِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِمُ الرَّفْضُ، وَبَاطِنَهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ، وَمِنْ فِرَقِهِمُ الدُّرُوزُ وَالتَّيَامِنَةُ وَالْحَمْزَاوِيَّةُ وَأَضْرَابُهُمْ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.  » — لوامع الأنوار البهية ج1 ص83