المرجئة

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

 « اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو

محتويات

وهم اثنتا عشرة فرقة:

فالفرقة الأولى منهم

يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان،

وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح.

والفرقة الثانية

من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ولا كفر بالله إلا الجهل به وأن قول القائل أن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه لا يظهر إلا من كافر وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول ليس لأن ذلك يستحيل ولكن لأن الرسول قال: ومن لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله، وزعموا أيضاً أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي.

والفرقة الثالثة

منهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفاً بالله غير أنه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري، وزعموا أن الإنسان وإن كان لا يكون مؤمناً إلا بجميع الخلال التي ذكرناها وقد يكون كافراً بترك خلة منها، ولم يكن يونس يقول بهذا.

والفرقة الرابعة منهم وهم أصحاب أبي شمر ويونس

يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم، والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيماناً ولا بعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء ولا بعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمي ذلك بلقاً إذا كان بفرس فإن كان في جمل أو كلب سمي بقعاً، وجعلوا ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفراً، ولم يجعلوا الإيمان متبعضاً ولا محتملاً للزيادة والنقصان.

وحكي عن أبي شمر أنه قال: لا أقول في الفاسق الملي فاسق مطلق دون أن أقيد فأقول فاسق في كذا.

وحكى محمد بن شبيب وعباد بن سليمان عن أبي شمر أنه كان يقول أن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به وبما جاء من عنده ومعرفة العدل يعني قوله في القدر ما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد وكل ذلك إيمان والعلم به إيمان والشاك فيه كافر والشاك في الشاك كافر أبداً، والمعرفة لا يقولون أنها إيمان ما لم تضم الإقرار وإذا وقعا كانا جميعاً إيماناً.

والفرقة الخامسة من المرجئة أصحاب أبي ثوبان

يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله وما كان جائزاً في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان.

والفرقة السادسة من المرجئة

يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان فمن جهل شيئاً من ذلك فقامت به عليه حجة أو عرفه ولم يقر به كفر، ولم تسم كل خصلة من ذلك إيماناً كما حكينا عن أبي شمر وزعموا أن الخصال التي هي إيمان إذا وقعت فكل خصلة منها طاعة فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة لأن الله عز وجل أمرنا بالإيمان جملة أمراً واحداً ومن لم يفعل ما أمر به لم يطع، وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصية وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهم أعلم بالله وأكثر تصديقاً له من بعض وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وأن من كان مؤمناً لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه.

والفرقة السابعة من المرجئة الغيلانية أصحاب غيلان

يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله سبحانه وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان.

وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت ولا يقال لها بعض إيمان إذا انفردت وأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان، وأنهم خالفوهم في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورة والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب وجعلوا العلم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند الله اكتساباً وزعموا أنه من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصاً بإجماع المسلمين ولم يجعلوا شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً.

وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية والجهمية والغيلانية والنجارية ينكرون أن يكون في الكفار إيمان وأن يقال أن فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم.

وذكر زرقان عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان وهو التصديق وأن المعرفة بالله فعل الله وليست من الإيمان في قليل ولا كثير واعتل بأن الإيمان في اللغة هو التصديق.

والفرقة الثامنة من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب

يزعمون أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام وأشباه ذلك مما لا اختلاف فيه بينهم ولا تنازع، وأما ما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء فإن الراد للحق لا يكفر وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله سبحانه ولا على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ونصوا عليه، والخضوع لله هو ترك الاستكبار وزعموا أن إبليس قد عرف الله سبحانه وأقر به وإنما كان كافراً لأنه استكبر ولولا استكباره ما كان كافراً، وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمناً إلا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهو معرفته بالله وذلك أن الله أمره أن يعرفه ويقر بما كان عرف، وإن عرف ولم يقر أو عرف الله سبحانه وجحد أنبياءه فإذا فعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به وإذا كان الذي أمر به كله إيماناً فالواحد منه بعض إيمان.

وكان محمد بن شبيب وسائر من قدمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله وبرسله المقرين به وبرسله مؤمنون بما معهم من الإيمان فاسقون بما معهم من الفسق.

والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه

يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير، وذكر أبو عثمان الأدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبي عثمان الشمزي بمكة فسأله عمر فقال له: أخبرني عمن زعم أن الله سبحانه حرم أكل الخنزير غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين، فقال: مؤمن، فقال له عمر: فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا، فقال: هذا مؤمن، قال: فإن قال أعلم أن الله سبحانه بعث محمداً وأنه رسول الله غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي، قال: هذا مؤمن، ولم يجعل أبو حنيفة شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً، وزعم أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه.

فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه لا يزيد ولا ينقص.

والفرقة العاشرة من المرجئة أصحاب أبي معاذ التومني

يزعمون أن الإيمان ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافراً، فتلك الخصال التي يكفر بتركها وبترك خصلة منها إيمان ولا يقال للخصلة منها إيمان ولا بعض إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يرصف بالفسق فيقال له أنه فسق ولا يسمى بالفسق ولا يقال فاسق، وليس تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم يكن كفر، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلاً مسوفاً يقول: الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي ومن عملي فليس بكافر إذا كان عزمه أن يصلي يوماً أو وقتاً من الأوقات ولكن نفسقه، وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبياً أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة والقتل كفر ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له،

وكان يزعم أن الموصوف بالفسق من أصحاب الكبائر ليس بعدو لله ولا ولي له.

وكل المرجئة يقولون أنه ليس في أحد من الكفار إيمان بالله عز وجل.

والفرقة الحادية عشرة من المرجئة أصحاب بشر المريسي

يقولون أن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعاً وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفراً ولا يجوز أن يكون إيماناً إلا ما كان في اللغة إيماناً، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه علم على الكفر لأن الله عز وجل بين لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر.

والفرقة الثانية عشرة من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كرام

يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيماناً، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان.

فصل

ومن المرجئة من يقول الفاسق من أهل القبلة لا يسمى بعد تقضي فعله فاسقاً، ومنهم من يسميه بعد تقضي فعله فاسقاً.

ومنهم من يقول: لا أقول لمرتكب الكبائر فاسق على الإطلاق دون أن يقال فاسق في كذا، ومنهم من أطلق اسم الفاسق.

اختلاف المرجئة

واختلفت المرجئة في الكفر ما هو وهم سبع فرق:

فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الكفر خصلة واحدة وبالقلب يكون وهو الجهل بالله، وهؤلاء هم الجهمية.

والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الكفر خصال كثيرة ويكون بالقلب وبغير القلب، والجهل بالله كفر وبالقلب يكون وكذلك البغض لله والاستكبار عليه كفر وكذلك التكذيب بالله وبرسله بالقلب واللسان وكذلك الجحود لهم والإنكار لهم ونفيهم وكذلك الاستخفاف بالله وبرسله كفر وكذلك ترك التوحيد إلى اعتقاد التثنية والتثليث أو ما هو أكثر من ذلك كفر، وزعم قائل هذا القول أن الكفر يكون بالقلب واللسان دون غيرهما من الجوارح وكذلك الإيمان، وزعم قائل هذا القول أن قاتل النبي ولاطمه لم يكفر من أجل القتل واللطمة ولكن من أجل الاستخفاف وكذلك تارك الصلاة مستخفاً لتركها إنما يكفر بالاستحلال لتركها لا بتركها، وزعم صاحب هذا القول أن من استحل ما حرم الله سبحانه مما نص الرسول صلى الله عليه وسلم على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر بالله وأن استحلال ذلك كفر، وكذلك من قال قولاً أو اعتقد عقداً قد أجمع المسلمون على إكفار فاعله وكل فعل أجمعوا على إكفار فاعله كفر بأي جارحة كان ذلك الفعل.

والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الكفر بالله هو التكذيب والجحد له والإنكار له باللسان وأن الكفر لا يكون إلا باللسان دون غيره من الجوارح، وهذا قول محمد بن كرام وأصحابه.

والفرقة الخامسة منهم يزعمون أن الكفر هو الجحود والإنكار والستر والتغطية وأن الكفر يكون بالقلب واللسان.

والفرقة السادسة منهم أصحاب أبي شمر وقد تقدمت حكاية قولهم في إكفار من رد قولهم في التوحيد والقدر.

والفرقة السابعة أصحاب محمد بن شبيب وقد ذكرنا قولهم في الإكفار عند ذكرنا قولهم في الإيمان.

وأكثر المرجئة لا يكفرون أحداً من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.

واختلفت المرجئة في المعاصي هل هي كبائر أم لا على مقالتين:

فقال قائلون منهم بشر المريسي وغيره: كل ما عصي الله سبحانه به كبيرة، وقال قائلون منهم: المعاصي على ضربين منها كبائر ومنها صغائر.

وأجمعت المرجئة بأسرها أن الدار دار إيمان وحكم أهلها الإيمان إلا من ظهر منه خلاف الإيمان.

واختلفت المرجئة في الاعتقاد للتوحيد بغير نظر هل يكون علماً وإيماناً أم لا وهم فرقتان:

فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر لا يكون إيماناً، والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر إيمان. واختلفت المرجئة في الأخبار إذا وردت من قبل الله سبحانه وظاهرها ظاهر العموم على سبع فرق: فقالت الفرقة الأولى منهم: إذا جاء الخبر من الله سبحانه أنه يعذب القاتلين والآكلين أموال اليتامى ظلماً وأشباههم من أهل الكبائر وقفنا في عذابهم لقول الله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقالت هذه الفرقة: جائز أن يخبر الحكيم الصادق بالخبر ثم يستثني منه فيكون له أن يفعل وله أن لا يفعل للاستثناء ويكون صادقاً وإن هو لم يفعل ولا يكون ذلك مستنكراً في اللغة ولا كذباً، وهؤلاء هم الذين يزعمون أن الاستثناء ظاهره. وزعمت الفرقة الثانية أن الوعد ليس فيه استثناء وأن الوعيد فيه استثناء مضمر وذلك جائز في اللغة عند أهلها لأن الرجل قد يوعد عبده أن يضربه ثم يعفو عنه ولا يرون ذلك كذباً للضمير الذي قال في الوعيد.

وزعمت الفرقة الثالثة من أهل الوقف أن الأخبار إذا جاءت ومخرجها عام فسمعها السامع وكان الخبر وعداً أو وعيداً ولم يسمع القرآن كله والأخبار المجتمع عليها كلها فعليه أن يعلم أن الخبر في جميع أهل تلك الصفة الذين جاء فيهم الوعيد عام لا شك فيه وقد يجوز أن يكون على خلاف ذلك العلم الذي لا شك فيه عندهم على الحكم وهو نحو علم الرجل أنه ليس مع الرجل من المسلمين الموثوق بدينه حديدة يريد أن يعترض بها الناس ليقتلهم ونحو علم الأنساب التي على فراش أبيه علماً لا شك فيه ولا يخطر الشك فيه على البال إذا لم يكن ثم سبب يدعوهم إلى الشك من أسباب التهم فعليهم أن يثبتوا ذلك على ظاهره وإن كان خلاف ذلك جائزاً فيما غاب عنهم فعليهم أن لا يشكوا وإن جوزوا في المغيب خلاف ما لم يشكوا فيه في الظاهر.

فزعموا في الوعد إذا انفرد والوعيد إذا انفرد فعليهم أن يثبتوا بكل واحد منهما منفرداً ويعلموا أنه عام علماً لا شك فيه كما وصفنا ويجوز أن يكون على خلاف ذلك، فإذا جاء مع الوعيد الوعد عندهم في قوم فعليهم أن يعلموا أن أحدهما مستثنىً من الآخر إما أن يكون الوعد مستثنىً من الوعيد وإما أن يكون الوعيد مستثنىً من الوعد وعلى السامع لذلك أن يقف فلا يدري لعل الخبر في أهل التوحيد كلهم أو في بعضهم غير أنه لا يعلم أنه لا يجتمع الوعد والوعيد في رجل واحد لأن ذلك يتناقض.

وقالت الفرقة الرابعة وهم أصحاب محمد بن شبيب: وجدنا اللغة أجازت: جاء بنو تميم وجاءت الأزد وإنما يعني بعض بني تميم وبعض الأزد، وصرمت أرضى وإنما صرم بعضها، وضرب الأمير أهل السجن وإنما ضرب بعضهم، قالوا فلما وجدنا اللغة أجازت ذلك وسمعنا الأخبار في القرآن مما مخرجه عام أجزنا أن يكون معناها في الخاص من أهل كل طبقة ذكرهم الله سبحانه بوعيد وأجزنا أن يكون ذلك عاماً، وذلك مثل قوله: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم وكقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وكقوله: والذين يرمون المحصنات وأشباه ذلك من آي الوعيد التي جاءت مجيئاً عاماً فأجزنا ذلك لما ذكرنا من إجازة اللغة فيما بينها أن يكون الخبر مخرجه مخرجاً عاماً وهو خاص وأن تكون الآي التي جاءت في الوعيد خاصة في بعض أهل الطباق التي جاءت فيهم من القاتلين والقاذفين وأكلة أموال الأيتام وأشباه ذلك وأجزنا أن تكون عامة في جميعهم، وإن كانت في بعضهم كانت في أعظمهم جرماً، وليس يجوز عندهم أن يعذب الله سبحانه على جرم ويعفو عما هو أعظم جرماً منه.

وزعمت الفرقة الخامسة من المرجئة أنه ليس في أهل الصلاة وعيد إنما الوعيد في المشركين، قالوا: وقول الله عز وجل: ومن يقتل مؤمناً متعمداً وما أشبه ذلك من آي الوعيد في المستحلين دون المحرمين، قالوا: فأما الوعد من الله فهو واجب للمؤمنين والله جل وعز لا يخلف وعده والعفو أولى بالله والوعد لهم قول الله: والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون وقوله: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وما أشبه ذلك من آي القرآن، وزعم هؤلاء أنه كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع الإيمان عمل ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة.

وحكي عن بعض العلماء باللغة أنه قال: من أخبر الله أنه يثيبه أثابه ومن أخبر أنه يعاقبه من أهل القبلة لم يعاقبه ولم يعذبه وذلك يدل على كرمه، وزعم أن العرب كانت تمتدح الوعد والعفو عما توعدت عليه.

وزعمت الفرقة السابعة أن القرآن على الخصوص إلا ما أجمعوا على عمومه وكذلك الأمر والنهي.

واختلفت المرجئة في الأمر والنهي هل هما على العموم على مقالتين:

فقال قائلون بما حكيناه آنفاً من أن ذلك على الخصوص حتى تأتي دلالة على العموم، وقالت الفرقة الثانية: الأمر والنهي هما على العموم إلا ما خصه دلالة.

واختلفت المرجئة في تخليد الله الكفار على مقالتين:

فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب جهم بن صفوان: الجنة والنار تفنيان وتبيدان ويفنى أهلهما حتى يكون الله موجوداً لا شيء معه كما كان موجوداً لا شيء معه وأنه لا يجوز أن يخلد الله أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وهذا رد ما اتفق المسلمون عليه ونقلوه نصاً، وقال المسلمون كلهم إلا جهماً أن الله يخلد أهل الجنة في الجنة ويخلد الكفار في النار.

واختلفت المرجئة في فجار أهل القبلة هل يجوز أن يخلدهم الله في النار إن أدخلهم النار على خمسة أقاويل:

فزعمت الفرقة الأولى أصحاب بشر المريسي أنه محال أن يخلد الله الفجار من أهل القبلة في النار لقول الله عز وجل: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وأنهم يصيرون إلى الجنة إن أدخلهم الله النار لا محالة وهو قول ابن الراوندي.

وزعمت الفرقة الثانية منهم أصحاب أبي شمر ومحمد بن شبيب أنه جائز أن يدخلهم الله النار وجائز أن يخلدهم فيها إن أدخلهم وجائز أن لا يخلدهم.

وقالت الفرقة الثالثة أن الله عز وجل يدخل النار قوماً من المسلمين إلا أنهم يخرجون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصيرون إلى الجنة لا محالة.

وقالت الفرقة الرابعة وهم أصحاب غيلان: جائز أن يعذبهم الله وجائز أن يعفو عنهم وجائز أن لا يخلدهم فإن عذب أحداً عذب من ارتكب مثل ما ارتكبه وكذلك إن خلده وإن عفا عن أحد عفا عن كل من كان مثله.

وقالت الفرقة الخامسة منهم: جائز أن يعذبهم الله وجائز أن لا يعذبهم وجائز أن يخلدهم ولا يخلدهم وأن يعذب واحداً ويعفو عمن كان مثله كل ذلك لله عز وجل أن يفعله.

واختلفت المرجئة في الصغائر والكبائر على مقالتين:

فقالت الفرقة الأولى: كل معصية فهي كبيرة، وقالت الفرقة الثانية: المعاصي منها كبائر ومنها صغائر.

واختلفت المرجئة في غفران الله الكبائر بالتوبة وهل هو تفضل أم لا على مقالتين:

فقالت الفرقة الأولى منهم: غفران الله سبحانه الكبائر بالتوبة تفضل وليس باستحقاق، وقالت الفرقة الثانية منهم: غفران الله الكبائر بالتوبة استحقاق.

واختلفت المرجئة في معاصي الأنبياء هل هي كبائر أم لا على مقالتين:

فقالت الفرقة الأولى منهم: معاصيهم كبائر وجوزوا على الأنبياء فعل الكبائر من القتل والزنا وغير ذلك، وقالت الفرقة الثانية: معاصيهم صغائر ليست بكبائر.

واختلفت المرجئة في الموازنة على مقالتين:

فقال قائلون منهم: الإيمان يحبط عقاب الفسق لأنه أوزن منه وأن الله لا يعذب موحداً، وهذا قول مقاتل بن سليمان. وقال قائلون منهم بتجويز عذاب الموحدين وأن الله يوازن حسناتهم بسيئاتهم فإن رجحت حسناتهم أدخلهم الجنة وإن رجحت سيئاتهم كان له أن يعذبهم وله أن يتفضل عليهم، وإن لم ترجح حسناتهم على سيئاتهم ولا رجحت سيئاتهم على حسناتهم تفضل عليهم بالجنة، وهذا قول أبي معاذ.

واختلفت المرجئة في إكفار المتأولين على ثلاثة أقاويل:

فقالت الفرقة الأولى منهم: لا نكفر أحداً من المتأولين إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.

وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب أبي شمر أنهم يكفرون من رد قولهم في القدر والتوحيد ويكفرون الشاك في الشاك.

وقالت الفرقة الثالثة منهم: الكفر هو الجهل بالله فقط ولا يكفر بالله إلا الجاهل به، وهذا قول جهم بن صفوان.

واختلفت المرجئة في عفو الله عن عبد الله ما بينه وبين العباد من المظالم على مقالتين:

فقالت الفرقة الأولى منهم: ما كان من مظالم العباد فإنما العفو من الله عنهم في القيامة إذا جمع الله بينه وبين خصمه أن يعوض المظلوم بعوض فيهب لظالمه الجرم فيغفر له.

وقالت الفرقة الثانية منهم أن العفو عن جميع المذنبين في الدنيا جائز في العقول ما كان بينهم وبين الله وما كان بينهم وبين العباد. واختلفت المرجئة في التوحيد: فقال قائلون منهم في التوحيد بقول المعتزلة وسنشرح قول المعتزلة إذا انتهينا إلى شرح أقاويلهم.

وقال قائلون منهم بالتشبيه فهم ثلاث فرق:

فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب مقاتل بن سليمان أن الله جسم وأن له جمة وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه. وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب الجواربي مثل ذلك غير أنه قال: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك. وقالت الفرقة الثالثة منهم: هو جسم لا كالأجسام.

واختلفت المرجئة في الرؤية على مقالتين:

فمنهم من مال في ذلك إلى قول المعتزلة ونفى أن يرى البارئ بالأبصار. وقالت الفرقة الثانية منهم أن الله يرى بالأبصار في الآخرة.

واختلفت المرجئة في القرآن هل هو مخلوق أم لا على ثلاث مقالات:

فقال قائلون منهم أنه مخلوق، وقال قائلون منهم أنه غير مخلوق، وقال قائلون منهم بالوقف وإنا نقول: كلام الله سبحانه لا نقول أنه مخلوق ولا غير مخلوق.

واختلفت المرجئة هل للبارئ ماهية أم لا على مقالتين:

فقال قائلون: لله ماهية لا ندركها في الدنيا وأنه يخلق لنا في الآخرة حاسة سادسة فندرك بها ماهيته، وقال قائلون منهم بإنكار ذلك ونفيه.

واختلفت المرجئة في القدر:

فمنهم من مال إلى قول المعتزلة في القدر وسنشرح أقاويلهم في ذلك، وقال قائلون بالإثبات للقدر وسنشرح ذلك إذا انتهينا إلى شرح قول الحسين بن محمد النجار في القدر.

واختلفت المرجئة في أسماء الله وصفاته:

فمنهم من مال إلى قول المعتزلة في ذلك، ومنهم من قال بقول عبد الله بن كلاب وسنشرح قول عبد الله بن كلاب إذا انتهينا إليه وسنشرح أقاويل المرجئة في لطيف الكلام إذا انتهينا إلى وصف الاختلاف في لطيف الكلام وغامضه إن شاء الله. تم اختلاف المرجئة.  » — مقالات الاسلاميين، طدار فرانز شتايز، ص132