المشاققون

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

المشاققون

المشاققون، الطواعن، زنادقة العصر، منكرو السنّة كلها أسماء للطائفة التي تسمي نفسها "القرآنيون"

 «  ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ بغضِّ النّظر عن الممولين مِن جهات كافرة لإسقاط الدّين، هناك أناس لا يعجبهم الدين ولا يريدون التخلي عنه إما لأسباب اجتماعية، حتى لا يُقال كافر. أو لمجرّد الإنتماء ، يعني يعتبر الدين هوية ، كالقبيلة أو الوطن. لا يتخيل نفسه ينفك عنه, لهذا يحاول أن يفصّل الدين حسب ما يريد. فيكون الدين موافق لهواه، ولا يضطر هو للانصياع إلى تعاليم الدين. ولكي يفصلَه حسب مزاجه يلجأ إلى أن ينكر السنّة ، على تفاوت بين درجة إنكارهم للسنّة، ويمكن القول أنّ هناك مدرستان:

  • مدرسة تنكر أنّ هناك وحي أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن
  • ومدرسة لاتنكر ذلك، ولكنهم يشككون بثبوت الأحاديث من حيث نقلها إلينا:

المشاققون الأصليون

والذين سمّوا أنفسهم بالـ "قرآنيين" ينكرون السنّة جملة وتفصيلا. يعني أقوال النّبي صلى الله عليه وسلم عندهم مثل أقوال عنترة، أو اقوال سقراط، أو اقوال أي مفكّر .. فلا فرق عندهم إن قال النبي شيئًا أم لم يقل، بل يقولون انّه مجرد ساعي بريد ينقل إلينا القرآن ولم يوحِ الله إليه شيئًا آخر غير القرآن، ولم يعصمه من الخطأ والضلالة في أمور الدين، بالتالي ليس لكلامه قيمة عندهم، كما هو حال ساعي البريد تمامًا بحسب تشبيههم، اتى بالكتاب واعطاه لنا، وقد لا يكون يفهم ما فيه، ولا يلتزم بما فيه، وليس عنده من الله شيء زائدٌ عنه. وهؤلاء يوجد منهم اليوم عدد لا يُذكر، مع انّ نشاطهم كبير لنشر فكرهم.

المشاققون الزئبقيّون

لا يُنكرون أن الرّسول صلى الله عليه وسلم واجبٌ علينا اتّباعه، ولا يُنكرون أنّ الله أوحى اليه تفاصيل الدين، ولا يُنكرون عصمته في تبليغ الشرائع، ولكنّهم يُشككون في صحة نسبة الأحاديث إليه. يعني يقولون: يجب علينا أن نتّبعه، ونسمع كلامه، ولكن هذه الأحاديث لم تثبُت أنّها من كلامِه بل هي مزوّرة، وبعضها صحيح. بالتالي يُنكرون ما لا يُعجبهم مِن الأحاديث، ويأخذون بما يُعجبهم. ويقولون مقولتهم الشهيرة : "نحن نعرض الحديث على القرآن فإن وافقه فهو مِن عند الرّسول فنأخذ به، وإن لم يوافقه، فهو ليس من عند الرسول، فننكره" طبعاً عقولهم هي القرآن الذي يعرضون عليه الأحاديث، لأنّ آيات القرآن نفسها يزوّرون معانيها بحسب أهوائهم، وسأوضح ذلك بالتفصيل إن شاء الله.

إذن فالفرق أنّ الأصليون يقولون أنّ كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحُجّة، فبالتالي إن صحّ الحديث أو لم يصح، فلا قيمة له عندهم، أما الزئبقيون فيقولون أنّ كلام الرّسول حجّة، لكن لا يصح مِن الأحاديث إلا التي تُعجبُنا.

وهناك صنفٌ ثالث، وهُم:

الأصليّون المُتزئبقون

هؤلاء لا منهجَ لهم، فتجدهُم مرّة يقولون أن كلام الرّسول صلى الله عليه وسلم ليس بحُجة، ومرّة يحتجّون بأحاديث يصححونها. وهؤلاء غالبًا كلامهم عبارة عن ترديد لما يُكتب لهم دون فهم، فقط يُهاترون ليظهرون على القنوات التلفزيونيّة.

مثال على هذا: مشاقق مِن درعا من سوريا، يُنكر خروج الموحّدين مِن النّار، بحجّة أن ذلك ليس في القرآن .. فيُنكر الأحاديث الت وصلت إلى حد التواتر المعنوي، والتي تقول أنّ الموحدين يخروجون من النّار.

ثم يأتي إلى حديث ابن عباس الذي فيه (أن الطلاق ثلاثا كان على زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم يُحتسب طلقة واحدة) فيصححه ويحتجّ به ويحارب به الفقهاء الذين قالوا أنّ الطلاق ثلاثا يحتسب ثلاثة

فهذا لا هو أنكر حجيّة السنّة، ولا هو أثبتها. وهذا مثال فقط.

لماذا إنكار السنّة ؟

القرآن الكريم من أنكر منه أي حرف، كفّره النّاس قاطبة، أما السنّة فالمستقر عند النّاس أن منها الصحيح والضّعيف... وفوق ذلك ، أن كثييير من الأحاديث المشتهرة عندهم أحاديث ضعيفة وموضوعة (صوموا تصحّوا ..... الجنّة تحت أقدام الأمّهات.. وغيرها) الناس مستقر عندهم أنها صحيحة، وصُدموا لاحقا بضعفها أو كونها كذب، فأصبح يوجد نوع من التّقبّل لفكرة تضعيف الحديث.

أيضا هُناك عصابات اليوم يعملون جاهدين على أكاذيب يخترعونها وينسبونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرونها على الواتساب وغيره والجهلة مِن الناس يساعدونهم في نشرها، لأنها تُعجبهم، فلا يفكرون بالتأكد من صحّتها، فينشرون، والهدف من اختراعها أنه عندما نبيّن للناس أنها كذب، فالناس سيظنون أنّ السنة مليئة بالكذب، فأصبح النّاس يتقبّلون أن هُناك أحاديث ضعيفة، ولكن المشكلة أنّهم لا يُفرّقون بين الحديث الضّعيف بسبب اسناده، والحديث الكذب الذي اخترعه الدّجّالون، وبين الأحاديث الصحيحة، فالنّاس لا يعرفون علم الإسناد وعلم الرجال، وعلوم الحديث بشكل عام. فلا يعرفون على أي أساس يتم التصحيح والتضعيف. فتختلط عندهم الأمور، فيسهل الدخول عليهم من هذا الباب، لهذا تجد الحرب على البخاري.

لماذا الحرب على البخاري؟

لأنّه هو الرّاس. أصح كتاب في الحديث. ومعلومٌ عند النّاس أنّه صحيح، فإذا طَعَن فيه. سَهُل عليه الطعن في أي حديث في غيره.

ولهذا لا نجد أحد يطعن في سنن ابن ماجه، ولا في الدارمي، ولا في أبي داوود... يريد إسقاط الرّاس فيسقط الباقي تبعاً له، حتّى صحيح مسلم لا نجد التّركيز عليه، فيتركونه (غالبا) للتفرغ للبخاري ليطعنوا به ويشككوا النّاس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكلٍ عام.

فإذا أنكر الحديث، أصبح تزوير الدّين أسهل من شرب الماء!!

كيف.. والقرآن موجود؟

الفرق بين القرآن والسّنة أن القرآن نص مُجمل، مختصر (في الغالب)، سيقول قائل: ولكن الله قال: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وسنأتي على معناها في مقطع خاص، فالقرآن الكريم ، غالبه، مُجمل ، مُختصر يُعطي الحكم ولكن لا يُعطي كل تفاصيله

  • {أجيب دعوة الدّاع..} طيب انا دعوت ان الله يرزقني طيارة، وما رزقنيها؟ يوجد أنواع للإجابة، وأسباب لامتناعها، ارجع للسنّة!
  • {وعلى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ..} مسكين عن الشهر، أم مسكين عن كل يوم ... ارجع للسنّة!
  • {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ..} ما هو الهدي؟ أفتح علبة شوكولاه، وأهديها لصديقي! هذا لا يصح، لماذا؟ ارجع للسنّة!
  • {يمحق الله الربا..} ما هي الربا وما أنواعها؟ ارجع إلى السنّة!

هكذا عموم نصوص القرآن


أمّا نصوص السنّة.. فهي نصوص مفصّلة يعني القرآن الكريم 604 صفحة، بينما مسند أحمد لوحده 7700 صفحة (تقريبا) ولو كتبناه بحجم خط المصحف لتجاوز عدد صفحاته العشرين ألفا، وليس فيه كل السنّة، فالسنّة كبيرة مفصّلة، نحن نتكلّم عن أقوال وأفعال رجل لمدّة ثلاثة وعشرون سنة، لا ينطق إلا بوَحي.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يوضّح المجمل الذي في القرآن بقوله، وبعمله، ويأتي صحابي يسأله ويرد عليه، ويخطئ أحد الصحابة في شيء ويصحح له(23 سنة)

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فكلُّ هذا تبيانٌ للقرآن، فتجد نصوص السنّة مفصّلة أيما تفصيل، يعني لا يوجد مجال للهروب من الحق الذي في السنّة ، بتاتاً، إلا إذا أنكر النّص.

أما القرآن الكريم. فلا يحتاج المشاقق أن ينكر النّص، فقط يغيّر المعنى ، يقول لك هذه الكلمة معناها كذا، (غير المعنى الحقيقي)، أو هذه الآية معناها كذا، ويزوّر المعنى. ويضحك على النّاس فيقول لهم أنّ المسلمون يقدّسون تفسير ابن كثير، فيوهمون النّاس أنّ اهل الإسلام يأخذون التفسير من ابن كثير ك شخص، والناس لم يفتحوا تفسير ابن كثير ليعلموا انه ينقل اقوال الصّحابة الذين تعلموا مِن رسول الله، والتابعين الذين تعلموا مِن الصّحابة.


المقصود: أنّ نصوص السنّة متعددة وفيها قول وفعل، فلا يُمكن الهروب منها، فيُنكرونها، أما القرآن فقد يوجد في الموضوع آية واحدة نصّها قد يكونُ مختصرًا، وقد يحمل أكثر مِن وجه، لذك هم يحرفون معاني آيات القرآن دون الحاجة لإنكار النّص. حتى اليهود ، ذمهم الله على تحريف المعنى، قبل ان يحرّفوا النّص. وسماه تحريفًا. فقال {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}

الكلام له موضع، مناسبة، معنى، مقصِد. مثلًا: أقول لك لا تصلي، في موضع معيّن ومناسبة معيّنة، أنت تفهم منها أن قصدي لا تصلي وانتظرني لأتوضّأ وأصلي معك، لكن يأتي شخص ويقول فلان ينهى عن الصلاة! قال لرجل "لا تصلي"، فهذا حرّف كلامي عن موضعه، مع انه ذكره نصّا، فالله تعالى حفظ نصّ القرآن ، وحفط المعنى الصحيح في كتب السنّة. مع ذلك فالمشاققون يحاولون

أمثلة على تحريفهم معاني كلام الله

يعني .. ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ يقول لك المشاقق: الآية تتكلم عن المعز الشارد! أين ما ثَقِفت معزة شاردة اقتلها وكلها.

حتى لو عارض تفسيره آية أخرى، يتأول الأخرى، ليس عنده مشكلة، ليس عندهم ضابط

وبعضهم (خاصة في أيامنا) لا يحتاج أن يتأول الآية الأخرى، لأنه لا يوجد (من مستمعيه) مَن قرأ الآية الأخرى، مثل واحد من هؤلاء علي منصور كيالي يقول أن حوّاء لم تعصِ الله في الجنّة.. دليلك؟ يقول : الله قال (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) وما قال حوّاء، مع ان الله تعالى قال [في نفس الآية وليس في آية أخرى أو سورة أخرى] قال : {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}, لكن مَن الذي يقرأ وراءه؟

أيضًا: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يقول أحد المشاققون وهو احمد صبحي منصور اقاموا الصلاة يعني أصبحوا مسالمين!

هذه حقيقة قالوها بأفواههم. أنا لا أضرب أمثلة من الخيال. هذه موجودة على اليوتيوب!

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ .. يقول أحد هؤلاء: اضربوهنّ يعني صالحوهن

وإذا سألت أحدهم عن مستده في تفسير شيء ما ، يقول لك هو هكذا!، يجب أن تؤمن بكلامه كما قاله، هو يرى ان معنى الآية كذا، فخلاص! يجب أن تؤمن بكلامه كما تؤمن بكلام الله، وتضرب بقول وفعل الرّسول عرضَ الحائط لأنّه يخالف كلام المشاقق.

يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ لم يأتِه سُلطان، بل قال مِن عنده. متكبّر، يقول آمنوا برأيي وانكروا أحاديث الرسول.

واحد آخر يقول في قوله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} يقول الله تعالى يتكلم عن التلوث البيئي. الله يتحدّث عن الشرك والفساد ويقول {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} في نفس الآية .. وهو يقول تلوث!

وبعضهم يتوسّع ، ويجمع الآيات (باحث). فيخرج معه أن هناك نبيّ خنزير،،، كيف ؟

يقول: قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} والخنازير أمّة لأن الله تعالى قال {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} فبالتالي هناك نبي خنزير، فالرجل يقول لك أنه فسر القرآن بالقرآن.

واتباعقهم يصدّقون

أمر الرسول

عندما اختلف بعض الصحّابة في القرآن الكريم . يقول عبد الله بن عمرو: (فخرجَ رسولُ اللَّهِ مغضبًا حتَّى احمرَّ وجهُهُ ، يَرميهم بالتُّرابِ ، ويقولُ : مَهْلًا يا قومُ ، بِهَذا أُهْلِكَتِ الأممُ من قبلِكُم باختلافِهِم على أنبيائِهِم ، وضربِهِمُ الكتُبَ بعضَها ببعضٍ ، إنَّ القرآنَ لم يَنزلْ ليُكذِّبَ بعضُهُ بعضًا ، بل يصدِّقُ بعضُهُ بعضًا ، فما عرفتُمْ منهُ فاعمَلوا بِهِ ، وما جَهِلْتُم منهُ فرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ)

مَن هُو عالِمُه؟ المشاقق؟ أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلاميذه الذين تعلّموا منه؟

وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ ، والمِراءُ في القرآنِ كُفرٌ -قالها ثلاثًا - ما عرفتُمْ منهُ فاعملوا بِهِ ، وما جَهِلْتُم منهُ فردُّوهُ إلى عالمِهِ)  » 

الجذور التاريخية لمنكري السنة وأشهر طوائفهم

 «  إن تاريخ منكري سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكاد يقرن بتاريخ منكري رسالته - صلى الله عليه وسلم - فالكفر بسنته - عليه الصلاة والسلام - هو قرين الكفر برسالته - فهما أمران متقاربان زماناً متساوقان منزلة، ويكادان يكونان متماثلين حكماً، ولا يختلفان إلا باعتبار أن ثمة كفراً دون كفر، وإلا فإنكار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجحدها كفر، كما أن إنكار رسالته كفر -.

ومن المسلم به أنه لم يخل زمان من الأمرين جميعاً كذلك، فكما أنه لم يخل زمان من منكري رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكذلك لم يخل زمان من منكري سنته - صلى الله عليه وسلم - مع زعمهم بأنهم مسلمون مؤمنون برسالته، والأخيرة هذه هي مثار العجب، إذ كيف يكونون مؤمنين برسالته - صلى الله عليه وسلم - ثم ينكرون سنته، ويرفضون اتباعه، ويصرون على عدم الأخذ عنه، والاحتكام إليه، والتسليم له ويقبلون على مخالفته في كل ما قال وفعل وأقر، فيقولون ما لم يقل، ويفعلون ما لم يفعل، ويرفضون ما أقره ورضي به.

ولقد بدأت مسيرة إنكار السنة والشغب عليها على هيئة فردية في حالات نادرة لا اعتبار بها. وكان ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك ما روى أصحاب السنن في أسباب نزول الآية الكريمة: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً  — النساء:65 . من أن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - اختصم ورجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعله حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير أن يسقي زرعه أولاً، ثم يرسل الماء إلى صاحبه، فغضب الرجل وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟. أي حكمت له بسبب أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - تعالى - الآية في ذلك [١] .

لكن هذه الحالات شاذة ولا تذكر في معرض التأريخ لمنكري سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأمرين: لشذوذها وندرتها، ثم لعودة أصحابها إلى الحق سريعاً وانقضاء أثرها.

أما إنكار السنة على هيئة مؤثرة، وعلى أيدي طوائف لها ذكرها في التاريخ، فقد بدأت على أيدي الخوارج والشيعة، ثم انضم إليهم طوائف من المتكلمين وبخاصة من المعتزلة الذين انتسب إليهم كثير من الزنادقة والفاسقين عن الملة، كالنظام الذي كان " شاطراً من الشطار، يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس والفواحش، وهو القائل:

ما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح

حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرَح جسما بلا روح [٢]

أما الشيعة والخوارج فكلتا الطائفتين شغبت على السنة النبوية المطهرة وأنكرتها، لكن الشيعة لم يقبلوا من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا القليل الذي نُقل إليهم عن طريق من يدين بعقيدتهم في الإمامة ويشايع آل البيت - فيما يزعمون - ولو أننا عرفنا أنهم لم يوالوا من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلا بضعة عشر صحابياً هم فقط الذين رضي عنهم الشيعة وأخذوا عنهم، لأدركنا ذلك القدر الضئيل من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قبله الشيعة (الرافضة) وعملوا به، وذلك الكم الهائل من السنة النبوية التي رفضوها وأنكروها لأنها أتت عن جمهرة الصحابة الذين لا يرضى عنهم الشيعة، فالشيعة - إذن - رفضوا السنة لأنهم طعنوا في عدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - لأنهم بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبايعوا عليا الذي كان هو الخليفة من وجهة أنظار الشيعة، والشيعة منهم معتدل وغال، فالمعتدلون فسقوا الصحابة - رضي الله عنهم - والغالون كفروهم - عياذاً بالله - ولم يستثن الشيعة من ذلك سوى عدد يزيد قليلاً على أصابع اليدين. على أن الشيعة (الرافضة) أضافوا إلى إنكارهم السنة - على الوضع الذي ذكرناه - إضافة جديدة جعل جرمهم في هذا الباب مضاعفاً، ذلك أنهم لم يكتفوا بإنكار الحديث ورفض السنة، وإنما لجأوا إلى وَضع ما أسموه أحاديث، ونسبوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فألَّفوا كلاماً على هيئة أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعظيم أئمتهم، وتأكيد نحلتهم، وتأصيل معتقدهم، وأيضاً في ذم مخالفيهم وعقائدهم. وقد كان لهذه الأحاديث المزعومة الموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دور أصيل في حجية التشريع وأصول الدين عندهم.

أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد واقعة التحكيم الشهيرة أثناء الحرب بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - وبسبب واقعة التحكيم طعن الخوارج في عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - فمن الخوارج مَنْ فَسَّقهم، وهم قلة لا تذكر، والأكثرون من طوائف الخوارج كفروا الصحابة - عياذاً بالله - بل منهم من جعلهم كالمشركين في الحرب والسبي وعدم قبول الجزية. إلى آخر تلك الآراء التي تدل على انحراف حاد عن جادة الإسلام، وقد دفع بهم إنكار السنة والرغبة الملحة عندهم في مخالفة جماعة المسلمين إلى العدوة القصوى بعيداً عن الإسلام، فافتروا على الله ورسوله وجماعة المسلمين، وتباروا في تكفير الأمة بأنواع من الكفر، فجمهرتهم يرون أن دار مخالفيهم دار حرب، يقتل فيها النساء والأطفال وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.

أما في الأحكام فقد أنكروا الرجم في الزاني المحصن لأنه ليس في القرآن، وأقاموا حد السرقة ولم يلتزموا ما ورد في السنة وإجماع الأمة بالحرز في السرقة ونصابها وكذلك قطع اليد من الرسغ، كما استحلوا كفر الأمانة التي أمر الله - تعالى - بأدائها وزعموا أن المسلمين مشركون يحل أكل أماناتهم، وأجاز فريق منهم - الميمونية - نكاح بنت البنت، وبنت الابن، لأن القرآن لم يذكرهن ضمن المحرمات. إلى غير ذلك من أنواع الضلال والزيغ الذي وقعوا فيه في أصول الدين، وفي أحكام الشريعة بسبب أنهم رفضوا السنة النبوية المطهرة، وزعموا أنهم يأخذون أحكامهم وقضايا دينهم عن القرآن، وما علموا أنهم نابذوا القرآن ونبذوه يوم نبذوا السنة واتخذوها ظهرياً، يقول عبد القاهر البغدادي عن الخوارج إنهم: "أنكروا حجية الإجماع والسنن الشرعية، وأنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، ولذلك أنكروا الرجم والمسح على الخفين لأنهما ليسا في القرآن، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير لأن الأمر بالقطع في القرآن مطلق، ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه " [٣] .

فهؤلاء وأولئك - الخوارج والشيعة - رفضوا - سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعنهم في الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين - ومن المعلوم أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما وصلت إلينا من خلال الصحابة - رضوان الله عليهم - بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم، فهم الطبقة المعاصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمانا، المطلعة على أحواله قولاً وفعلاً، الحريصة على أن تحفظ عنه كل حركة وسكنة، وأن تنقل عنه كل لفظة وسكتة، الأمينة في وصف أحواله - صلى الله عليه وسلم - صغيرها وكبيرها، والصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا إلينا أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كافة لم يخرموا منها شيئاً، حتى صرنا بفضلهم - جزاهم الله عن الأمة خيرا- كأننا نعايشه في أحواله - صلى الله عليه وسلم - كافة، ونعاين هيئاته كافة، فهم - رضوان الله عليهم- هم الذين نقلوا إلينا الدين كاملاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي تلقاه عن ربه وحيا في القرآن أو في السنة، فإذا جاء من الطوائف والفرق من يرفض الأخذ عنهم مستنداً إلى ما يزعمه من أنهم ليسوا عدولاً، فعن من يأخذ دينه، وأنى له أن يعرف شرائع الإسلام؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين في الصلاة وهيئاتها، والزكاة ومقاديرها، والصيام وأحكامه، والحج ومناسكه، ثم من أين له أن يعرف ما يحل وما يحرم، وما يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها، ثم أين نجد كل هذا في القرآن المجيد؟ وأين يجده هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده دون السنة النبوية المشرفة؟

إن رفضهم السنة النبوية كان له الأثر الذي أشرنا إلى بعضه من خروجهم على الدين وابتداعهم فيه ما ليس منه، واعتناقهم عقائد، ومزاولتهم شرائع لا تمت إلى الإسلام، بل تناقض الإسلام وتعارضه، وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام، وكفروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه، فأين منهم آياته البينات التي تأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ عنه والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه؟ بل أين منهم آياته البينات التي تنص على أنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، وأن سنته وحي من عند الله - تعالى - وأين من هؤلاء الذين يخالفون عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى - محذراً إياهم ومن على شاكلتهم: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  — النور:64  .

هكذا بدأت مسيرة إنكار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشغب عليها ورفض اعتبارها مصدراً تشريعياً كالقرآن، والخروج على طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأت مسيرة الضلال هذه على أيدي الخوارج والشيعة (الرافضة) ، ثم تلقفها منهم وسار على ضلالهم طوائف من المتكلمين وأشهرهم في هذا الباب المعتزلة، ثم استمرت مسيرة الضلال يسلمها ضال إلى ضال، ويأخذها ضال عن ضال، وقد افترقوا في ضلالهم إلى مذاهب وطوائف، فطائفة تنكر السنة النبوية المطهرة بجملتها، ما كان منها قولاً، وما كان عملاً، وما كان تقريراً، ويعدون أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله مثل أقوال الناس وأفعالهم لا صلة لها بالدين من قريب أو من بعيد.

وطائفة تأخذ من السنة بما كان عملاً وتطرح ما كان قولاً، دون تمييز أو سند من شرع أو عقل يسوغ هذه التفرقة، فإن صاحب العمل هو نفسه صاحب القول - صلى الله عليه وسلم. وطائفة ثالثة هي أقل الطوائف جرماً في هذا الباب، ولكنها أعمها وأطمها وأكثرها عدداً، وما ذهبت إليه أعظم شيوعاً وذيوعاً، ذلكم الذين يقولون لا نأخذ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما تواتر قولاً وعملاً، أما خبر الواحد فلا يأخذون به ولا يعتبرونه، ومن هؤلاء من يرفضه جملة، ومنهم من يرفضه في العقائد.

وقد ظلت مسيرة الضلال هذه تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقاً وغرباً، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة " القرآنيون " تلك الطائفة التي زعمت الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السنة النبوية المطهرة، وأخذت تدعو إلى نحلتها بهمة ونشاط تحت رعاية الاستعمار الإنجليزي، ثم انتقلت من الهند إلى باكستان - بعد التقسيم - تحت مسمى البرويزيين

وهذه الطائفة هي موضوع بحثنا هذا، وسوف نبين بشيء من التفصيل تاريخ نشأتهم وأهم رؤسائهم على الصفحات التالية - بحول الله تعالى.

 » — كتاب شبهات القرآنيين حول السنة النبوية لمحمود محمد مزروعة، ص21 
  1. رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون) 17/120، برقم 4585
  2. تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة: 15.
  3. راجع في ذلك: أصول الدين: 19، الفرق بين الفرق، مقالات الإسلاميين، الملل والنحل.