المضاربة

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث


 « المضاربة: هي أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ما شرطا. وأما الخسارة فهي على رب المال وحده، ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئاً وإنما هو يخسر عمله وجهده. وعرفها صاحب الكنز بقوله: هي شركة بمال من جانب، وعمل من جانب.  » — الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي ج5 ص3924 

التسمية[عدل]

 « الْمُضَارَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيِهِ وَعَمَلِهِ فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الرِّبْحِ، وَرَأْسِ مَالِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالتَّصَرُّفِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ هَذَا الْعَقْدَ مُقَارَضَةً وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُقَارَضَةً، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ فَصَاحِبُ الْمَالِ قَطَعَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ عَنْ تَصَرُّفِهِ وَجَعَلَ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَى الْعَامِلِ بِهَذَا الْعَقْدِ فَسُمِّيَ بِهِ  » — المبسوط للسرخسي، ج22 ص18 

أصلُها[عدل]

 « مَسْأَلَةٌ: الْقِرَاضُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ أَهْلَ تِجَارَةٍ لَا مَعَاشَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهَا وَفِيهِمْ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ السَّفَرَ، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّغِيرُ، وَالْيَتِيمُ، فَكَانُوا وَذَوُو الشُّغْلِ وَالْمَرَضِ يُعْطُونَ الْمَالَ مُضَارَبَةً لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ الرِّبْحِ فَأَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَمَلًا مُتَيَقَّنًا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ وُجِدَ فِيهِ خِلَافٌ مَا الْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ كَافَّةٍ بَعْدَ كَافَّةٍ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ.

«وَقَدْ خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِرَاضٍ بِمَالِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -» .  » — المحلى لابن حزم ج7 ص96 

مشروعيتها[عدل]

 «  لم نجد للقراض في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ (ذكرًا)، ولا في سنة نبي الله - صلى الله عليه وسلم -. ووجدنا أهل العلم قد أجمعوا على إجازة القراض بالدنانير والدراهم، فوجب إذ كان الأمر كذلك أن نجيز منه ما أجمعوا عليه  » — الإشراف لابن المنذر   وقد استدل أهل العلم على مشروعيّتها بعموم أدلّة البيع والتّجارة.

المضاربة لابدّ أن تكون بالمال[عدل]

لابُدّ للمضاربة أن تكون بالمال، فلا يجوز صاحب المال أن يُعطي المُضارب سِلعًا (موادًا) ليضارب بها، بل لابدّ أن يُعطيه مالًا. قال ابن المُنذر: أجمع أهل العلم عَلَى إباحة المضاربة بالدنانير والدراهم، وذلك أن يدفع الرجل إِلَى الرجل الدنانير أو الدراهم عَلَى أن يبيع ويشتري مَا رأى من أنواع التجارة عَلَى أن مَا رزق اللَّه فِيهِ من فضل بعد أن يقبض رب المال رأس المال فللعامل من ذَلِكَ الفضل ثلثه أو نصفه، وما بقي فلرب المال، وَلا تجوز المضاربة بالعروض. .الاقناع لابن المنذر ج1 ص270


، وقال الإمام ابن حزم: وَالْقِرَاضُ إنَّمَا هُوَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ - وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا بِأَنْ يُعْطِيَهُ الْعَرَضَ فَيَأْمُرُهُ بِبَيْعِهِ بِثَمَنٍ مَحْدُودٍ، وَبِأَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ فَيَعْمَلُ بِهِ قِرَاضًا، لِأَنَّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا نَصَّ بِإِيجَابِهِ، وَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ فِي مَالِهِ إلَّا بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ النَّصُّ. وَمِمَّنْ مَنَعَ مِنْ الْقِرَاضِ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ: الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ. .المحلى ج7 ص96


لابد من تسمية نسبة الرّبح لكل منهما[عدل]

 « وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً. وَلَمْ يُسَمِّ لِلْعَامِلِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا لَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا.  » — المغني لابن قدامة ج5 ص24  أقول: [ محمد بن شمس الدين ]: والقول بالمُناصفة عِندي أرجى لأنّ هذا العُرف

ويقول ابن حزم:  « وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَّا بِأَنْ يُسَمِّيَا السَّهْمَ الَّذِي يَتَقَارَضَانِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّبْحِ، كَسُدُسٍ، أَوْ رُبْعٍ، أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ نِصْفٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنَا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ قِرَاضًا وَلَا عُرْفًا مَا يَعْمَلُ الْعَامِلُ عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِلٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.  » — المحلى لابن حزم ج7 ص97 

لا يجوز أن يكون الاتّفاق على نسبة مع مبلغ محدد[عدل]

مثل أن يقول له لك نصفُ الرّبح وألف معها، أو: لك نِصف الربح إلا ألف، أو ما شابه، لأنّ القدر المعلوم يكون في حالة الإجارة، والنّسبة تكونُ في المُضاربة، فعندها يكون عقدين في عقد، وهذا لا يجوز.

قال ابن المنذر: وَلا يجوز أن يقول: لك نصف الربح إلا عشرة دراهم أو لك نصف الربح وعشرة دراهم. .الاقناع ج1 ص270


الْمُضَارِب لَا يَخْلِط مَالَ الْمُضَارَبَة بِمَالِهِ[عدل]

 « وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلِطَ مَال الْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ. فَإِنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك جَازَ لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ.  » — المغني لابن قدامة ج5 ص36 

قال الطحاوي:  «  قَالَ أَصْحَابنَا [...] لَا يخلطه بِمَالِه وَلَا يُشَارك بِهِ غَيره إِلَّا أَن يَقُول اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك

وَقَالَ مَالك يجوز لَهُ أَن يخلط بِمَالِه وَإِن لم يذكر اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك وَإِن شَرط على الْمضَارب أَن يخلط بِمَالِه لم يجز

وَقَالَ مَالك لَهُ أَن يقارض آخر ويخلط مَاله بِمَال رب المَال الأول وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ

قَالَ وَلَو دفع رجل مالين قراضا على أَن يكون ربح هَذَا النّصْف وَربح الآخر على الثُّلُث وَلَا يخلطهما فَإِن ذَلِك مَكْرُوه

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا بَأْس أَن يخلطه بِمَالِه وَقَالَ الثُّلُث لَا يخلطه إِلَّا بِإِذْنِهِ

وَقَالَ الشَّافِعِي إِن خلطه فَهُوَ ضَامِن  » — مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ج4 ص42 

الخسارة تكون فقط على رب المال ولا يتحمل العامل منها شيئا[عدل]

 « وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَالِ - وَلَوْ تَلِفَ كُلُّهُ - وَلَا فِيمَا خَسِرَ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُضَيِّعَ فَيَضْمَنُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .  » — المحلى لابن حزم ج7 ص98 

تبطل المضاربة بموت رب المال أو العامل=[عدل]

 « وَأَيُّهُمَا مَاتَ بَطَلَ الْقِرَاضُ -: أَمَّا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ فَلِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .

أَمَّا فِي مَوْتِ الْعَامِلِ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] وَعَقْدُ الَّذِي لَهُ الْمَالُ إنَّمَا كَانَ مَعَ الْمَيِّتِ لَا مَعَ وَارِثِهِ، إلَّا أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ لَيْسَ تَعَدِّيًا، وَعَمَلَ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْعَامِلِ إصْلَاحٌ لِلْمَالِ.  » — المحلى لابن حزم ج7 ص99