المعرفة والتاريخ

نبذة عن الكتاب:

موضوع الكتاب هو التاريخ وتراجم الرواة، ولكن المجلد الأول من الكتاب مفقود، ولذلك فلم أطلع على مقدمة المؤلف حتى يكون الكلام عن وصف الكتاب وموضوعه بدقة أكثر، إلا أنَّ هذا المجلد الأول يحتوي على مادة تاريخية مرتبة على السنين، ويشتمل على السيرة النبويّة، وعصر الخلفاء الراشدين، والعصر الأموي، وخلافة السفَّاح. وما بقي من القسم المرتب على الحوليات يتعلَّق بالعصر العباسي الأول، وينتهي إلى سنة (242هـ)، ويلاحظ فيه الاقتضاب الشديد، ومع هذا الاقتضاب فإن فيه إضافات على المصادر الأخرى وخاصة فيما يتعلق بأحداث مكة؛ مثل انفراده بذكر النزاع بين أهل مكة والجلودي، والاضطرابات التي وقعت بمكة إثر إعلان المأمون البيعة لعلي الرضا، وتمرُّد الأعراب على عامل صدقات محمد بن داود بن عيسى والي مكة. وقد اهتم كثيرًا بذكر أمراء مواسم الحج بانتظام وتتابع، كذلك يلاحظ انه لم يُسند معظم الروايات في هذا القسم من كتابه سوى ما يتعلق بالعلماء والمحدثين.

ويلاحظ أنه اهتم في السنوات الأخيرة التي عاصرها بتسجيل بعض مشاهداته الخاصة مثل زيارته قبر ابن شهاب الزهري وتحديده موقعه، ومثل ذكر أخبار رحلاته إلى الأقطار المختلفة.

أما التراجم التي أوردها بعد الحوليات فهي تمثل كتابًا مستقلا عن الحوليات، ولكن المؤلف أراد الجمع بين الحوليات والتراجم وسمى كتابه “المعرفة والتاريخ” أي معرفة الرجال، والتاريخ على السنين.

وقد ذكر محقق الكتاب (د. أكرم ضياء العمري) عرضًا لمادة المقتطفات التي اقتبستها الكتب الأخرى من هذا القسم المفقود مرتبة على أساس الزمن مما يوضح إطار القسم المفقود ويُبيِّن أهميته، وهي: المبتدأ:

فقد ذكر عمر الأرض، ومساحتها، وعدد الأيام التي خلقها الله تعالى فيها، وعدد السنين بين بعث الأنبياء.

السيرة النبوية: العهد المكي:

حيث ذكر تاريخ مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنساب أمهاته ومرضعاته، وأسماءه، ورعاية جده عبدالمطلب له..

العهد المدني:

اتخاذ الهجرة بداية للتأريخ الإسلامي، وتأريخ زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة (رضي الله عنها)، و…

عصر الرّاشدين: أبو بكر الصديق: أسماؤه ونسبه، وأنه أول من آمن وشعر حسان في ذلك..

عمر بن الخطاب: صفته، وتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم إياه بجبريل وبنوح، و..

عثمان بن عفان: نسبه وكنيته و..

علي بن أبي طالب: عمره حين شهد بدرًا، ودعوته الناس لبيعته بعد قتل عثمان و..

العصر الأموي: معاوية بن أبي سفيان: نسبه وحديث في فضائله و..

يزيد بن معاوية.. فذكر الخلفاء، ثم ذكر العصر العباسي، وهكذا. انظر “تاريخ دمشق”، ومقدمة المحقق: د. أكرم ضياء العمري.

أما القسم الموجود من الكتاب؛ والذي يتمثَّل بالمجلدين الثاني والثالث، فإنَّ المجلد الثاني يتناول أواخر الحوليات التي تناولها سائر المجلد الأول المفقود، ويبدأ من خلال سنة (136هـ)، وينتهي في حوادث سنة (242هـ). ثم يبدأ القسم المتعلق بمعرفة الرجال ويتناول تراجم الصحابة والتابعين ويخصّ بعضهم بتراجم مسهبة.

أما المجلد الثالث فقد ترجم فيه لمن بعد التابعين من رواة الحديث وبيّن أحوال الكثيرين من الرجال من رواة الحديث من حيث الجرح و التعديل، كما عقد عنوانًا في «معرفة القضاة»، وسرد فيه أسماء قضاة البصرة، ثم رجع إلى التعريف بالرجال وذكر أحوالهم، ثم ذكر فضائل مصر وبعض الصحابة ومن بعدهم من أهلها، ثم ذكر فضائل الشام، ثم ذكر التابعين من أهل الشام، وقد استغرق ذكرهم (73) ورقة، ثم ذكر أول أخبار أهل الكوفة؛ فذكر فضائلها، ثم ترجم لعبدالله بن مسعود وسلمان الفارسيّ، ثم التابعين ومن بعدهم من أهل الكوفة، وعقد فصلا خاصًا في «ما جاء في الكوفة وأبي حنيفة النعمان ابن ثابت وأصحابه، والأعمش وغيره». و ذكر روايات في ذمِّ الكوفة.

ثم عقد فصلاً عنوانه «باب من يرغب عن الرواية عنهم وكنت أسمع أصحابنا يضعفونهم من الكوفيين ومن في عدادهم من سائر الآفاق»

وأخيرًا عقد فصلاً في «الكنى والأسامي ومن يعرف بالكنية»



منهج المؤلف في الكتاب:

يمكن الكلام عن منهج المؤلف في القسم المطبوع من هذا الكتاب من خلال النقاط التالية:

1.    رتَّب المؤلف أوائل كتابه على السنين، حيث يذكر السنة ثم يذكر ما حصل فيها، ويُترجم خلالها للأشخاص المهمين من خلفاء ووزراء وقادة، ومثال ذلك: قوله: سنة خمس وثلاثين ومائة؛ وفي هذه السنة قفل أبو مسلم من سمرقند، وقدم مرو في جمادى الآخرة. وفي هذه السنة وجَّه الوفود إلى أبي العباس، فلما كان في شوال عسكر بباب كشميهن، وأعطى الجند أرزاقهم على أن يغزو الطراز وما والاها، فخلعه زياد بن صالح الخزاعي، وكتب إلى سباع بن النعمان ومحمد بن زرعة يدعوهما إلى أن يخلعاه، فأبَيَا وأطلعا أبا مسلم على ذلك، فتوجه أبو مسلم من معسكره متوجِّهًا إلى زياد، فقتل زيادًا في هذه السنة، ومات يحي بن محمد بن عبدالله بن عباس أخو أبي العباس عبدالله.. “المعرفة والتاريخ” (1/115)

2.    راعى الفسوي ترتيب التراجم على أساس الأسماء ضمن الطبقة فذكر من يسمى «عبدالله» في مكان واحد، ثم من يسمى «سلمان»، ثم من يسمى «كعب» و هكذا، ولم يرتب الأسماء على حروف المعجم.

3.    في قسم التراجم راعى في الترتيب العام لكتابه نظام الطبقات فقدَّم تراجم الصحابة ثم التابعين، وقسّم التابعين من أهل المدينة إلى طبقات، لكنه قدم فقهاء التابعين من أهل المدينة على سواهم من الحفاظ، وصرح بأنه قدمهم لفقههم. ولكن التزامه بالترتيب على الطبقات لا يستمر بعد طبقات التابعين من أهل المدينة؛ لأنه بدأ بتقديم تراجم مفصلة لمشاهير العلماء فقط.

4.    لا يتقيِّد المؤلف بذكر نسب المترجم ونسبته وكنيته، وإنما يذكر ما هو معروف ومشهور من اسمه، ويبدأ مباشرةً بالكلام عليه من حيث الجرح والتعديل.

5.    في أحكامه على الرواة، يذكره حكمه هو وينقل عن أئمة الجرح والتعديل بالإسناد – غالبًا -، ومثال ذلك: في ترجمة (بقية بن الوليد) قال: وبقية يُقارب إسماعيل والوليد، فإن كان من الوليد في حديث الشاميين، وهو ثقة، إذا حدث عن ثقة فحديثه يقوم مقام الحجة، يُذكَر بحفظٍ إلا أنه يشتهي الملح والطرائف من الحديث، ويروي عن شيوخ فيهم ضعف، وكان يشتهي الحديث، فيُكنِّي الضعيف المعروف بالاسم، ويسمي المعروف بالكنية باسمه، وسمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: قال ابن المبارك: أعياني بقية كان يُكنِّي الأسامي ويُسمِّي الكنى، قال: حدثني أبو سعيد الوحاظي. إنما هو عبدالقدوس.

6.    ربما حكم المؤلف على بعض الرواة عَرَضًا في أثناء تراجم رواة آخرين، كما في ترجمة بقية حيث قال في أثنائها: ويزيد شامي قدم واسط، وسمع منه شعبة بواسط، وهو مستقيم الحديث.. أبو الفيض شامي له أحاديث حسان، وسُليم بن عامر ثقة مشهور، كلاعي خبائري.

7.    يهتم المؤلف بإيراد متون الأحاديث كاملة، ويذكر أحيانًا تعدد طرق الحديث، وغالب الأحاديث التي أوردها الفسوي خلال التراجم ترقى إلى درجة الحديث الصحيح والحسن، مما يدل على انتقاء الفسوي لهذه الأحاديث، وقد أعانه على ذلك قِدَم سماعه وسعة مروياته عن شيوخه الكثيرين وتمكنه من الحديث رواية ودراية، وقد تعقَّب أسانيد بعض الأحاديث وحكم لها بالصحة، ومع ذلك فلا يخلو كتابه من أحاديث ضعيفة وبعض الأحاديث الموضوعة، لكن ذلك قليل إذا قورن بما في كتب التاريخ كـ «تاريخ بغداد»، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم.



مميزات الكتاب:

يبرز أهمية هذا الكتاب في النقاط التالية:

1.    مكانة مؤلفه العلمية الرفيعة؛ فالمؤلف من كبار المحدثين النقاد، وهو معروف بكثرة مروياته وسعة اطلاعه، وكثرة شيوخه.

2.    أنَّ كتاب المعرفة والتاريخ يُعدُّ من أقدم المصادر التي تناولت تاريخ القرون الثلاثة الأولى الهجرية، حيث لم يصل إلينا من كتب التأريخ المتقدمة إلا عدد محدود جدًّا، لذلك فإضافة هذا المصدر إليها مهم في تكثير مصادر تلك الفترة.

3.    ومما يدلُّ على أهمية الكتاب اهتمام العلماء بسماعه وقراءته؛ فممن سمعه من كبار المصنفين: الخطيب البغدادي، وأبو الفرج بن الجوزي، وابن عساكر، وكلهم من رواية ابن درستويه، ويدل على سماعهم للكتاب ألفاظ تحملهم للروايات التي اقتبسوها منه في مؤلفاتهم، حيث يُعبِّرون بـ: «حدثنا» و«أخبرنا». كذلك فقد قرأ السمعاني أكثره على أبي الفتوح عبدالله ابن علي بن سهل بن العباس الخركوشي (ت 544هـ). وقد استمر اهتمام العلماء بهذا الكتاب حتى العصور المتأخرة، فحصل بعضهم على حق روايته بالإجازة، وقد ذكر محمد بن سليمان المغربي الردّاني (ت 1094هـ) إجازته بروايته، حيث يصل سنده إلى الخطيب البغدادي عن محمد بن الحسين القطان عن عبدالله بن جعفر بن درستويه عن يعقوب الفسوي.

4.    ومما يُؤكِّد أهمية هذا الكتاب: ثناء العلماء على هذا الكتاب؛ فقد قال الذهبي: له تاريخ كبير جمُّ الفوائد. “سير أعلام النبلاء” (13/180)، وقال ابن القيم: هو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد. “إعلام الموقعين” (3/94) وقال ابن كثير: إنه من الكتب المفيدة. “البداية والنهاية” (11/60).



التعليقات

So empty here ... leave a comment!