رسم القرآن

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

تطلق كلمة «الرسم القرآني» على الكتابة القرآنية التي كتب بها مصحف عثمان، وجاء هذا الرسم مخالفا في بعض الكلمات لما اقتضته قواعد الإملاء وليس متطابقا مع اللفظ المنطوق. وتتميز المصاحف العثمانية برسم مغاير لما ألفته الكتابة المعتادة، وهذه الظاهرة دفعت العلماء إلى تفسير هذا الغموض، في محاولة جادة لوضع قواعد الرسم القرآني، ملتمسين أوجه الحكمة في هذا الرسم. ومن أبرز العلماء الذين أفردوا هذا الموضوع بالتأليف: أبو عمرو الداني في كتابه: «المقنع» وأبو العباس المراكشي المعروف بابن البناء في كتابه: «عنوان الدليل في رسوم خط التنزيل»، والشيخ محمد خلف الحسيني في كتابه: «مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن»، وفي شرحه لأرجوزة «اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم». ومعظم العلماء الذين كتبوا في علوم القرآن خصصوا فصلا مستقلا لعلم مرسوم الخط، ووضعوا قواعد للرسم القرآني، وتحدث الزركشي في البرهان عن الرسم القرآني، كما تحدث السيوطي في الإتقان عن «مرسوم الخط القرآني وآداب كتابته».

أقوال العلماء في الرسم القرآني:

اختلف العلماء في حكم الرسم القرآني من حيث وجوب الالتزام به، وهناك آراء متعددة في الموضوع، ونستطيع أن نلخص هذه الآراء بما يلي:


الرأي الأول: الرسم القرآني توقيفي:

ذهب جمهور العلماء إلى أن الرسم القرآني توقيفي، ولا يجوز أن يكتب القرآن إلا برسمه، لأنه الرسم الذي ارتضاه الصحابة الذين كتبوا القرآن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الرسم الذي أجمعت عليه الأمة.

واستدل من قال بهذا الرأي بما روي عن جمهور العلماء من دعوتهم إلى ضرورة الالتزام بالرسم القرآني وعدم الزيادة والنقصان فيه، وحرم بعضهم مخالفة هذا الرسم.

قال أحمد بن حنبل: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك» [١].

وقال البيهقي في شعب الإيمان: «من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم» [٢].

وقال أشهب: سئل مالك رحمه الله: «هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، رواه أبو عمرو الداني في المقنع ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة» [٣].

وقال النيسابوري: «وقال جماعة الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه» [٤].

وقال ابن فارس في فقه اللغة: «الذي نقوله: إن الخط توقيفي، لقوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، ون وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ وإن هذه الحروف داخلة في الأسماء التي علم الله آدم» [٥].


الرأي الثاني: الرسم القرآني اجتهادي:

ذهب بعض العلماء ومنهم الباقلاني وابن خلدون إلى أن رسم القرآن اجتهادي، ولا مجال للتوقيف في مجال الإملاء الذي تحكمه قواعد، ونفى الباقلاني أن يكون هناك أي دليل يثبت التوقيف في الرسم، والتوقيف يحتاج إلى دليل.

وقال في كتابه الانتصار: «وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون ما أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود، لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية.

وأكد الباقلاني أن السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف وأن تعوج الألفات وأن يكتب على غير هذه الوجوه».

وعلل ذلك بأن الخطوط إنما هي علامات ورسم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مقيد لوجه قراءتها تجب صحته، وتصوير الكاتب به على أي صورة كانت. وختم الباقلاني كلامه بأن كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنّى له ذلك» [٦]

وتطرف ابن خلدون وابتعد، وتحدث عن الرسم القرآني في مقدمته خلال كلامه عن الحضارة والعمران وربط بين الحضارة والكتابة، فالكتابة تزدهر بازدهار العمران وتتراجع بتراجعه، وكلما كانت الأمة أقرب إلى البداوة كانت أبعد عن صناعة الكتابة، لأن الكتابة صناعة، والصناعة لا تزدهر إلا في ظل الحضارة.

وقال في معرض كلامه عن الكتابة عند العرب: وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته أقيسة رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيه تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتعلقون بوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا.

ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل ... «وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص من قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح» [٧].

ثم قال بعد ذلك:

«واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، كما رأيته فيما مر، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس» [٨]

وتبرز خطورة رأي ابن خلدون فيما طرحه في جرأته على كتاب الوحي، وجمّاع القرآن من حيث عدم إجادتهم قواعد الإملاء، وعدم تمكنهم من الكتابة الصحيحة، وتأكيده على وجود أغلاط إملائية في الرسم القرآني، وهذا اتجاه خطير، ولا يمكن التسليم به، لأنه يتعلق بكتاب الله أولا، ولأنه لا يحترم خصوصية الرسم القرآني ثانيا [٩]

ويختلف رأي ابن خلدون عن رأي الباقلاني من حيث تفسير ظاهرة الرسم القرآني، فالباقلاني اكتفى بالقول بعدم التوقيف في مجال الرسم، لعدم قيام الدليل على ذلك،

ولكن ابن خلدون اعتبر الرسم القرآني ناتجا عن جهل العرب بقواعد الإملاء بسبب انتشار البداوة التي تضعف الاهتمام بصناعة الكتابة، وهذا قول كبير وادعاء خطير.

وليس هناك أي دليل عليه، ولم يفرق ابن خلدون بين جودة الخط وأناقة الرسم وبين صحة الإملاء ومعرفة قواعد اللغة، وإذا صح أن جودة الخطوط تتعلق بالحضارة والعمران، فإن صحة الإملاء لا علاقة لها بالعمران، وربما أفسدت الحضارة الكثير من قواعد اللغة والإملاء، لأن الحضارة توجه الاهتمام إلى مظاهر الترف، وتبعد الفرد عن أصالته وتضعف لديه القدرة على التركيز.

ولا خلاف في أن الخط ليس بكمال في حق الصحابة وكتاب الوحي، ولا يتفاضل الصحابة بجودة الخطوط وحسن الرسوم، فذلك فن يحتاج إلى إعداد وتكوين وتعليم، إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يكون حجة على ما يقوله ابن خلدون من وقوع أخطاء إملائية في الرسم القرآني، وذلك دليل قصور، وهذا أمر مرفوض بالنسبة لجماع القرآن [١٠].

ولو توقف ابن خلدون عند حدود القول بأن الرسم القرآني أمر اجتهادي، ولا مجال للتوقيف فيه لكان الأمر مقبولا، وبخاصة وأن بعض العلماء ذهبوا إلى ذلك، واعتبروا أن القضايا التوقيفية تحتاج إلى دليل، وردّ الفريق الذي قال بالتوقيف على من قال بالاجتهاد أن الدليل موجود، ويتمثل الدليل في إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم للرسم القرآني، كما كتبه كتاب الوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يوجههم في بعض الأحيان ويعلمهم كيف ترسم بعض الكلمات. وفضلا عن هذا، فقد انعقد الإجماع على الإشادة بالرسم القرآني، ومحاولة استكشاف جوانب الخصوصية في هذا الرسم، ولم يقل أحد بما انفرد به ابن خلدون من القول بأن الرسم القرآني مخالف لقواعد الإملاء بسبب جهل الصحابة بتلك القواعد.

وقد أوردت في كتابي «الفكر الخلدوني من خلال المقدمة» رأي ابن خلدون في رسم القرآن، وناقشت هذا الرأي وبينت بطلان ما ذهب إليه ابن خلدون وخطورته ثم قلت: «ويجب أن تستبعد كليا فكرة الخطأ في الكتابة، لأن الخطأ يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة، ولا تستقيم مع حفظ الله تعالى لكتابه، إذ من المؤكد أن الرسم العثماني هو رسم لا يتطرق الخطأ إليه من حيث الكتابة، ولا يجوز القول بذلك، ولو صح وقوع الخطأ لأدى ذلك إلى ملاحظة الصحابة لذلك الخطأ أو اللحن، ولأشاروا إليه وأنكروه، وأصلحوا في المصاحف العثمانية، إذ لا مبرر لإبقاء اللحن والخطأ، وهم أكثر الناس حرصا على كتاب الله تعالى [١١]

الرأي الثالث: موقف التوسط:

يستفاد من كلام بعض العلماء أنه ليس من الضروري كتابة القرآن على الرسوم الأولى لكتابته، وإن ذلك لا يكون على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم. ولما نقل الزركشي في البرهان ما قاله الإمام أحمد في تحريم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك عقّب على ذلك بقوله:

«قلت: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم حي غض، وأما الآن فلا يخشى الإلباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين» [١٢]

ويستنتج من هذا النص ما يلي:

الأمر الأول: إباحة كتابة القرآن بالكتابة الإملائية الموافقة لقواعد اللغة، وذلك تيسيرا لقراءة القرآن، وتمكينا من التلاوة السليمة، لأن الرسم العثماني يتطلب قدرة على قراءة الرسم وحفظا للقرآن.

الأمر الثاني: الحفاظ على الرسم العثماني، كرسم أصيل للنص القرآني، لأن ذلك الرسم يحظى بمكانة متميزة في النفوس.

ويمكننا أن نقرر في موضوع رسم القرآن ما يلي [١٣]:

أولا: استبعاد فكرة الخطأ في الرسم العثماني:

وهذا منطلق أساسي لدراسة فكرة الرسم القرآني، فلا يمكن التسليم بما ذهب إليه ابن خلدون من إثبات الخطأ الإملائي في الرسم، لعدم قيام الدليل على ذلك، ولاستحالة قبول الصحابة الأخطاء الإملائية في رسم المصاحف العثمانية، ولو افترضنا أن خطأ ما وقع اكتشافه بعد الكتابة لكان من اليسير التنبيه عليه وإصلاحه، وإن قبول الصحابة والتابعين وأجيال العلماء التي جاءت بعدهم بالرسم العثماني دليل على انعدام فكرة الخطأ، والتسليم بخصوصية الرسم القرآني.

وردّ العلماء على ما أثاره البعض من شبهات، وضعفوا ما روي عن عثمان عند ما عرض عليه القرآن أنه قال: «أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها»، وقال الألوسي عن هذه الرواية أن ذلك لم يصح عن عثمان أصلا، وكيف يجوز من الناحية العقلية أن يقول عثمان عن مصحفه الذي اعتمده

وأشرف على جمعه وكتابته «إن فيه لحنا» وإذا ثبت اللحن فلماذا لم يكلف عثمان اللجنة المؤتمنة على الكتابة والجمع والضبط أن تقوم بإصلاح اللحن؟

ثانيا: ضرورة الحفاظ على الرسم العثماني:

وهذا أمر بديهي، فالرسم العثماني هو الرسم الأصيل للقرآن، وهو الرسم الذي وقع اعتماده وإقراره، وأجمعت الأمة على قبوله، وهو الأصل في الكتابة القرآنية، وما عداه من إشكال الرسوم والخطوط لا تعتبر رسوما أصيلة في كتابة القرآن.

ثالثا: جواز كتابة الآيات بالخطوط المتعارف عليها:

وذلك للتيسير على الأمة، لكي يتمكن الناس من قراءة القرآن بطريقة سليمة، ويتصور ذلك في الكتب المدرسية حيث تتطلب المصلحة أن تكون الكتابة القرآنية مطابقة للنطق القرآني، وموافقة لقواعد الإملاء، وجواز الكتابة بالرسوم والقواعد المعتادة لا يقلل من أهمية تعويد الناس على القراءة بالرسم العثماني، لكي يكون هذا الرسم هو الأساس في المصاحف. ولا شك أن الأمر يتعلق بالمصلحة، فإذا تأكدت المصلحة في كتابة الآيات وفقا للقواعد الإملائية وجب الأخذ بالمصلحة، لكي يكون النطق القرآني سليما وصحيحا.

وبهذا نفرق بين المصاحف التي يجب أن تحافظ على الرسم العثماني الذي هو الأصل في الكتابة القرآنية وكتابة الآيات القرآنية في إطار الكتب المدرسية أو في إطار الاستشهاد بها، مما لا يعتبر من المصاحف.

وفي جميع الأحوال لا يجوز التساهل في أمر الرسم العثماني في المصاحف المعتمدة، كتراث قرآني عظيم الفائدة واضح الدلالة على تميز المصاحف بخطوطها ورسومها عن الكتابات الأخرى.


مزايا الرسم القرآني:

ذكر الزرقاني في كتابه «مناهل العرفان» فوائد الرسم ومزاياه بما يلي [١٤]:

الفائدة الأولى: مراعاة القراءات المتنوعة في الرسم، وذلك عن طريق وضع قاعدة للرسم القرآني يمكن بفضلها قراءة الكلمة وفقا للقراءتين معا ... وهذا المنهج يوحد الرسم القرآني، ويجعله قابلا للقراءات المتعددة.

الفائدة الثانية: إفادة المعاني المختلفة، وذلك عن طريق الإشارة الإملائية إلى التفاوت بين المعاني في الكلمات التي تنطق بطريقة متماثلة، بحيث يدرك القارئ المراد من خلال الإشارة الإملائية إلى المعنى.

الفائدة الثالثة: الدلالة على بعض المعاني الخفية، كما في كتابة «أيد» في قوله تعالى: والسّماء بنيناها بأييد وقد كتبت بزيادة الياء للإيماء إلى تعظيم قوة الله في بناء السماء.

الفائدة الرابعة: الدلالة على أصل الحركة، كما في قوله تعالى: سأوريكم دار الفاسقين والأصل أن تكتب سأريكم، وكذلك الأمر في لفظ الصلاة والزكاة، حيث كتبت بالواو، لأن الألف منقلبة عن الواو.

الفائدة الخامسة: مراعاة بعض اللغات الفصيحة، وذلك عن طريق الإشارة إلى بعض لغات العرب في حذف بعض الأحرف.

الفائدة السادسة: الاعتماد في القرآن على الحفظ وليس على الكتابة، لأن الرسم العثماني لا يطابق النطق، ويحتاج القارئ إلى حفظ القرآن لكي يتمكن من القراءة الصحيحة.

ولا حدود لمثل هذه الاستنتاجات واستكشاف فوائد الرسم القرآني، فكل من نظر في الرسم العثماني حاول أن يستخرج جانبا من جوانب الفائدة المحققة منه، ومن الواضح أن بعض الفوائد حقيقة وبعضها الآخر متكلفة، ولا يمكن أن تكون الحكمة من عدم مطابقة الرسم العثماني للنطق زيادة الاعتماد على الحفظ، والتقليل من أهمية الاعتماد على الرسم، لأن الحكمة باعثة على الفعل بخلاف

النتيجة فهي لاحقة ومتأخرة، ولا شك أن الرسم القرآني بصورته العثمانية أدى إلى زيادة الاعتماد على الحفظ وشجع عليه، لأن من الصعب على غير حفظة القرآن والمتقنين لتلاوته أن يقرءوه قراءة سليمة.

قال ابن درستويه:

خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف، وخط تقطيع العروض.

وقال أبو البقاء في كتاب اللباب: «ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة الكلمة على لفظها إلا في خط المصحف، فإنهم اتبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام، والعمل على الأول» [١٥]

ومما لا شك فيه أن الرسم القرآني له خصوصية ذات صفة معنوية، وهي غير محكومة بمعايير مادية، ويمكن تلمس بعض آثارها في مجال القراءة المتعددة للألفاظ، ومراعاة القراءات واللهجات العربية وسعة الدلالات في مجال الزيادة والنقصان، إلا أن الهدف الأسمى والأعلى لا يمكن إدراكه بالمعايير، وإنما يمكن إدراكه بالفطرة، وبما يشعر به قارئ القرآن في المصحف العثماني من تميز الرسم القرآني، وخصوصيته الشكلية والرمزية وتعبيره الأدق عن إعجاز بياني عظيم الوضوح في اللفظة العربية والرسم المعبر عن ذلك، حتى أن قارئ القرآن يشعر بقدسية الرسم القرآني وهيبة ذلك الرسم، ولا يشعر بمثل ذلك في غياب ذلك الرسم المميز والمعبر.

إن الرسم القرآني أصبح جزءا من ذاتية القرآن، وهو مظهر من مظاهر القدسية التي يشعر بها القارئ، فكلمة «الرحمن» والصلاة، والزكوة، وحم، والم، وطه، ويس ... » كل ذلك يعبر عن قدسية ويجسد مشاعر دينية ويغذي في النفس شعورا بالأمن والراحة، ولو كتبت هذه الكلمات وفق القاعدة الإملائية لفقدت الكثير من دلالاتها، ولهذا لا نملك إلا أن نعترف بخصوصية لا محدودة للرسم العثماني، مما يؤكد التوقيف في بعض معالم ذلك الرسم، إذا لم يكن توقيفيا كليا

وكاملا فعلى الأقل هو توقيف جزئي في بعض المفردات لكي تكون أكثر ملاءمة للتعبير القرآني ولرسمه المميز.

وأشار بعض أعلام التصوف من أهل الفهم لعظمة الدلالات في الرسم القرآني، ولما توحي به تلك الأحرف الزائدة والناقصة والموصولة والمفصولة والمبدلة والمهموزة في إشارات لا يدركها العقل ولا تحكمها معاييره، وإنما يدركها أرباب الفهم من أصحاب القلوب اليقظة الذين يفقهون ما لا يفقه غيرهم من حقائق القرآن، ويفهمون ما لا يفهم غيرهم من حقائق الدين.

انظر أيضا

المصدر

المقالة كاملة مأخوذة مِن كتاب: المدخل إلى علوم القرآن الكريم

المؤلف: محمد فاروق النبهان

الناشر: دار عالم القرآن - حلب

ص 155 الى 165

الحواشي

  1. انظر البرهان، ج 1، ص 379.
  2. انظر البرهان، ج 1، ص 379.
  3. انظر البرهان، ج 1، ص 379.
  4. انظر مناهل العرفان للزرقاني، ج 1، ص 373.
  5. انظر الإتقان للسيوطي، ج 4، ص 145.
  6. مناهل العرفان للزرقاني، ج 1، ص 374
  7. انظر مقدمة ابن خلدون ص 747
  8. انظر مقدمة ابن خلدون ص 748
  9. الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 405
  10. الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 406
  11. الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 413
  12. البرهان للزركشي، ج 1، ص 379
  13. البرهان للزركشي، ج 1، ص 379
  14. مناهل العرفان، ج 1، ص 366
  15. البرهان للزركشي، ج 1، ص 376.