صحيفة السوابق وجريدة البوائق

من الموسوعة الاسلاميّة
اذهب إلى: تصفح، ابحث


نبذة عن الكتاب:






فهرس الكتاب:[عدل]

انقر على الرابط التالي: ( فهرس صحيفة السوابق وجريدة البوائق ) ثم انشئ الصفحة وضع فيها محتويات فهرس هذا الكتاب لتظهر هنا



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد . أما بعد :

هذا كتاب :" صحيفة السوابق وجريدة البوائق" . للشيخ العلامة أبي أويس محمد بن الأمين بوخبزة -حفظه الله تعالى وأمتع المسلمين بطول حياته -

وكان قد سبق للأخ الأستاذ طارق بن عبد الرحمن الحمودي -حفظه الله- إنزال الكتاب في منتدى : "عقيدة أهل السنة والجماعة " . وبعد إطلاعي عليه وقراءتي له تبيَن لي أن الكتاب في حاجة إلى عناية " لغير قليل من التصحيفات الحاصلة فيه" .فاستعنت بالله تعالى وصححت ما رأيته خطأ . ومَن قارن بين الكتابين علم ذلك .

والله المستعان .

الجزء الأول[عدل]

صحيفة السوابق وجريدة البوائق

الجزء الأول

تأليف علامة تطوان الشيخ أبي أويس محمد بن الأمين بوخبزة الحسني



بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما

صحيفة سوابق و جريدة بوائق





صحيفة السوابق وجريدة البوائق

جمعها نصيحة لله و رسوله و لجماعة المسلمين من كلام الشيخ أبي البيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري الطنجي تلميذه أبو أويس محمد بوخبزة






ولما وقف عليها بعض تلامذتي النجباء أنشد لنفسه من (السريع) مقرظا


صحيفة للضُّرِّ كاشفةٌ *** في طيها سرّ لذي عِبَرِ أحصتْ لنا من كل موبقةٍ *** عشرين نوعاً من بلا الفِكَرِ عشرون بالعدِّ انطوتْ و حوتْ ** للكفر نهجاً في حمى الضَّرَرِ سادتْ بِفَدْمٍ ما ونى سَلَفاً *** يدعو بِبُهْمٍ في دُجى الغَرَرِ قد صاغها نَجْمُ الهُدى مِقَةً *** بالنصح و التحذير من وَزَرِ و الحال منه دائما طرباً *** يشدو جهاراً دونَما سَكَرِ : نعوذ بالله العظيم من الـ *** لأواء في دين و مِنْ عُرَرِ نعوذ حقّاً بالرجاء لدى *** خَتْمٍ و توديع لمُسْتَقَر





الحمد لله رب العالمين ، و العاقبة للمتقين ، و لا عدوان إلا على الظالمين ، و الصلاة والسلام على سيد المرسلين ، و إمام المتقين ، و قائد الغر المحجلين ، و على آله الطيبين ، و أصحابه الأكرمين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، النافين عنه تحريف الغالين ، و انتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين .

أما بعد : فقد عرفت شيخي المحدث الحافظ ، المؤلف المكثر ، الصوفي الاتحادي المتشيع ، المكنى أبا الفيض ، و الملقب شهاب الدين ، أحمد بن محمد بن (ج) الصديق بن أحمد بن عبد المومن الغُماري المنصوري التجكاني أصلا ، السعيدي مولدا ، الطنجي منشأ ، القاهري وفاة ، المولود سنة 1320 هـ ، و المتوفى مُغَرّباً عام 1380 هـ .

عرفته بطنجة في سن المراهقة حيث كنت أذهب مع والدي كل شهر شوال لحضور ذكرى وفاة والده شيخ الطريقة الدرقاوية بطنجة ، و كانت هذه الذكرى موعد موسم حافل بالبدع والمنكرات و الفضائح ؛ حيث يقوم سكان أغلب الأحياء بطنجة بإقامة موكب يخرج من الحي بالأعلام و الطبول حاملين الهدايا لضريح الشيخ الواقع بحومة (أمراح) فلا تسل عن الاختلاط وصياح السكارى و الهتاف باسم الشيخ ، و بعد وصول الموكب إلى الزاوية يخرج الشيخ أحمد من حجرته التي يستقبل فيها الضيوف القادمين من فاس و تطوان و القصر الكبير و البادية ، و يترأس حلقة الرقص الذي يسمى "الذكر" !! ، و كم مرة رأيته واقفا في المحراب بقامته و عمامته السوداء و هو يحرك رأسه ، و القوّالون ينشدون كلام القوم ، و الهمج و الرعاع من السكارى و أشباههم يرقصون، ثم يرفع الشيخ سبابته إيذانا بانتهاء الحضرة و يدخل حجرته فيتبعه وفد الحي و يقبلون يده و يقدمون له الهدية ، و غالبا ما تكون نقودا ورقية ، و من سخافة أغلب هؤلاء السكان أنهم يلصقون هذه الأوراق على ألواح للتشهير و التنافس ، فإذا وصلوا إلى الزاوية قلعوها و قدموها للشيخ أحمد فيدعو لهم و ينصرفون ، و هكذا ينقضي اليوم إلى المساء ، و أذكر أنه في أحد المواسم صنعوا للقبر صندوقا خشبيا كبيرا له باب ، و نصبوه على القبر ، و ما زال إلى الآن ، و من أعجب ما وقع في بعض المرات مشاركة جوق الموسيقى العصري برئاسة بعض مريدي الشيخ من تطوان ، فتصدح بين الحين و الحين أنغام الموسيقى من الآلات الرّومية من شباب فاجر ، و قد أمر الشيخ أن تخصص لهم الدكّة التي عن يسار باب الزاوية ، فهل سمعت بمنكر يضاهي هذا ؟

و بعد وفاة والدي كانت مبادرة طيبة من الشيخ حيث بعث إلي من طنجة عام 1368 هـ بكتابه المفيد النافع "المثنوني (هكذا ، و الصواب : المُثْوي) و البتار ، في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن و الآثار" ، و هو رد على رسالة الشيخ محمد الخضر الشنقيطي المسماة "إبرام النقض ، لما قيل من أرجحية القبض" و هي مطبوعة بمصر كالرد عليها ، و كتب على طرته : هدية من مؤلفه إلى الشريف الجليل ، السني الأثري ، سيدي محمد بن الأمين بوخبزة حفظه الله ، و ذلك في منتصف شوال عام 1368 هـ أحمد بن الصديق .

و قد أكبرت هذه اليد من الشيخ ، و بادرت بالكتابة إلى الشيخ أشكر له هديته ، و أتودد إليه ، شارحا له عواطفي الصادقة نحوه ، راغبا في الاستفادة من علمه و الأخذ عنه ، فأجابني بالترحاب و بالغ في مدح خطي و إعجابه به و بإسلوبي على صغر سني ، ثم توطدت الصلة بيننا ، وواصلت زيارتي له بطنجة و الكتابة إليه في كل ما يعن لي ، و ما كان يبخل علي بطول المحاورة والمراجعة حتى تجمعت لدي من رسائله و أجوبته ما يفوق المائة ، و فيها ما يملأ ست صفحات بخطه الدقيق ، و قد كان عبد الله الكرفطي المدعو التليدي استعارها مني ليستفيد منها في تأليف كتاب عن حياة الشيخ بُعيد وفاته ؛ حيث أزمع الرأي على دعوى المشيخة و الولاية بعد دراسة الأحوال و فهم الوضع و الواقع على ما هو عليه ، و قد أصدر هذا الكتاب الذي سماه "الأنس و الرفيق بمآثر الشيخ سيدي و مولاي أحمد ابن الصديق" و معه المبشرات التليدية ، بعد طبعه بتطوان ، و هو سُبة في جبين الزاوية و الصوفية ، ففيه من المصائب و الرزايا ، ما يناسب حال الزاوية ، و كان رغب إلي أن أصحح له الكتاب بالمطبعة ، و لما رأيته ذكرني فيه و أورد أبياتا من قصيدة لي في مدح الشيخ ، والكتاب كما قلت لا يُشرف الشيخ لأنه مدونة خرافات و منامات ، كتبت إليه أرجوه حذف اسمي من الكتاب مع تلك الأبيات ، فلم يرفع لذلك رأسا ، و عمد إلى ما حلاني به من العلم و الشرف فحذفه ، و اكتفى بالطالب الحاج محمد بوخبزة يريد أن يستفزني بذلك ، فكتبت إليه رسالة دامغة ضمنتها قصيدة كافية هجوته فيها مُر الهجو ، و زدت فتحديته أن يقرأ هذه الرسالة قراءة سليمة من اللحن و الخطأ ، فإن فعل أمنت بدعاويه في الولاية و العلم ، و قد بشره شيخه أبو البيض حيث عبر له منامات رأى فيها الشيخين ابن عجيبة و الحراق ، و هو يملي عليهما من كلامه ، و الحراق يتضاءل إلى أن فني و اختفى ، بأنه سيدرك مقامهما في الولاية ! و يقول ما يفوق شعرهما و زجلهما ، و هذا مذكور في كتابه (المبشرات) [ص 17] ، و قد علقت على هذا التعبير بأنني لا أعرف الولاية الاصطلاحية عند الصوفية ، فلا أدري ما أقول فيها إلا أنني كنت و ما زلت أعرف عن الكرفطي بأنه ولي لا شك فيه ، و لكنه من أولياء الشيطان جزما ، أما إنه سيقول الشعر و يفوق الشيخين ، فبالنسبة لابن عجيبة قد يكون ؛ لأنه ينظم كلاما نازلا مختلا لا قيمة له ، أما الحراق فلو عجن الكرفطي عجنا ، و أعيد خلقه ما بلغ مده و لا نصيفه ، و أحسن أحواله أن يستطيع قراءته وما أحسبه يحسن ، و قد كانت تلك الرسالة التي تحديته بها آخر العهد بيننا ، فقاطعته وبرئت منه

، و ظلت الحال كذلك إلى أن وقفت على بعض أوضاعه ، و بلغني عنه ، أنه غير اسم الزاوية إلى (دار القرآن) ، كما رأيته ينكر اتخاذ القبور مساجد ، و وحدة الوجود ، و التشيع و الرفض ، فاستبشرت خيرا ، و لكنه سُرعان ما رجع القهقرى و عاد أدراجه فأخبرني بعض تلامذتي من طلبة معهد الشاطبي أنهم زاروه بزاويته فوجدوا (الحضرة) قائمة برئاسة الشيخ و الأنعام البشرية تشخر وتنخر و تصيح و تخبط الأرض برجلها و هو يباركهم و يهز رأسه ، و هم يترامون على يديه ورجليه يقبلونها التماسا لبركته ، فعلمت أن الشيخ ما زال على صلة وثيقة بالرقص و السماع اليهودي ، ثم أخبرني الأخ الفاضل خالد مدرك بمكة المكرمة أنه لقيه هناك و سأله عن عمله فأخبره بأنه يقوم بتحقيق كتاب "القول المنبي في ترجمة ابن العربي" للسخاوي ، فنهره و قال له : تأدب مع الشيخ (يعني : ابن العربي الحاتمي) ، و القول المنبي كتاب فريد في بابه ، فقد ترجم فيه لنحو مائة وأربعين عالماً من علماء المذاهب الأربعة و مشايخ الطرق الصوفية في مصر و الشام و العراق و اليمن، و أورد عن كل عالم و شيخ فتوى بتكفير ابن العربي أو تضليله مع الاحتجاج بكلامه –كما سأفعل أنا بعون الله مع الشيخ أبي الفيض في هذه (الصحيفة)- و من العجائب أن الشيخ أبا البيض أخبرني عن هذا الكتاب قديما ، و أنه وقف عليه و قرأه ، و هو في مجلد كبير ، و مع ذلك صرح لي بأن ذلك الجمهور من العلماء و المشايخ لم يصيبوا و جهلوا لأنهم لا يعرفون التصوف الحقيقي (يعني الباطني الفلسفي) ؛ لأن هذا لا يدرك إلا بالذوق ، و هكذا أحال الشيخ كعبد الغني النابلسي و أحمد التجاني و محمد الكتاني على مجهول لا يُدْرَى ما هو ، و لا أي ذوق من الأذواق هو ، ثم لما طُبع "البحر المديد ، في تفسير القرآن المجيد" لأحمد ابن عجيبة ، أخبرني الكتبي العشيري بطنجة أن الكرفطي اقتناه بمنتهى الحرص و الغبطة رغم غلاء ثمنه ، و أخبرني بعض الطلبة ممن كانوا يغشون ثكنته أنه كان يقرأ معهم هذا الكتاب الموبوء ، و يبدي إعجابه بأقواله و إشاراته ، فعلمت أن الرجل ما زال تحت سيطرة إبليس و أن هذا مازال في حاجة إليه للإغواء و التضليل ، و قد كان سبق له معي أنني لما رأيت في (مبشراته) أن بعض حميره رأى الله -سبحانه و تعالى عن إفكهم علوا كبيرا- في منامه على صورة شيخه الكرفطي ، و أنه أرسل إلى شيخه أبي البيض يستفسره عن هذه الرؤيا فأجابه هذا و وافقه عليها ، و قد تبين بعد أن وقفت على كلام شيخه في تعبير الرؤيا أنها رمز و مثال (و أن الرائي ما رأى إلا الكرفطي) و إلى هذا ينحو لفظ الشيخ ، و لكن الكرفطي طواه لحاجة في نفس يعقوب ، و لما رأيت هذا مع غيره من الموبقات استنكرت هذا فبلغه ذلك فألف أوراقا بعنوان (الإعلام بجواز رؤية الله في المنام) و طبعها بتطوان ، فوقفت عليها و رأيت ما ضمنها من سباب وشتائم و قذف صريح و رمي بالإفك و البهتان ، و هو يعلم كشيخه أن من دين الصوفية و لا سيما ابن العربي في "الفتوحات" وجوب محبة الأشراف ، و اعتقاد أنهم ناجون و سيدخلون الجنة دون حساب ، و زاد أنهم أطهار العين الخ غلوهم الذي لا أساس له – و إنما نبهت على هذا مجاراة لهم ، و إلاّ فأنا أقرأ قوله تعالى : (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) ، و قوله جل و عز : (... فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون ..) . و قوله صلى الله عليه و آله وسلم: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ، و لكن هذا ما لم يتعارض مع أهوائهم و مصالحهم ، وإلا فإنهم يستحلون الأعراض ، و القذف و اللعن ؛ بل و التفسيق و التكفير ، و كتبت ردا عليه في كراسة سميتها (الإعلام بمروق الكرفطي من دين الإسلام) أو (بيان إلى الدجال القرمطي ، عبد الله الكرفطي) و ظل الرد عندي لأنني لا أجد ما أنفقه على الطبع ، و لم أفتح زاوية و أستغفل الناس وأبتز أموالهم لطبع الخرافات ، و بعد مضي نحو أربعين سنة وقف الأخ الأستاذ عمر بن مسعود الحدوشي فرج الله كربه على هذا الرد ، و قرأه و أعجبه ، فاستأذنني في طبعه ، فأذنت ، و طبعه في جزء مع تلك الرسالة المذكورة التي أرسلتها إلى الكرفطي ، و بعد مدة طبع هذا جزءاً جمع فيه رسائل أبي البيض إليه ، و أضاف إليها عشرين ؛ بل ثلاثين رسالة كتبها الشيخ إلي ، و منها واحدة كتبها بواسطتي إلى الأخ الأستاذ محمد الفلاح رحمه الله ، سطا عليها و حشرها دون تمييز و لا استئذان و لا شكران على عادته و عادة مشايخه في السطو على جهود الناس ، و هم من كبار (لصوص النصوص)، و هذا كما ترى مخالف للأمانة العلمية ، و قد فعل هذا حتى لا يعرف القراء طبيعة الأسئلة و موضوعات البحث ، و يفرقوا بين من يسأل عن (نا) و (أنا) عند المحدثين المختصرة من (حدثنا و أخبرنا) ، و عن الرؤى و المنامات التي لا تخلو منها رسالة من رسائله ، و بين من يخوض مع الشيخ في وحدة الوجود و نصرف الأولياء في الكون و ديوان الأولياء ، و إيمان فرعون التي تورط فيها الشيخ و وقع على أم رأسه ، و كانت مع الوقوف على كتابي (الإقليد) و (البرهان الجلي) الذي لم يطبع إلا بعد وفاته ، و بعد لطف الله و عنايته ، سببا في توبتي و براءتي منه و من الزوايا والتصوف، و الحمد لله على ذلك ، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول العشرين من (الصحيفة) بإذن الله و توفيقه ، و قد سمى الجزء (در الغمام الرقيق ، برسائل الشيخ السيد أحمد ابن الصديق) وقرأته فإذا به عَرّض بي و بشيخيه : السيد الزمزمي رحمه الله و عبد العزيز ، و كنت أحسب أن حُماه هدأت إلا أن شيطانه لم يمهله حتى نَزَغَه بقوة ، فقال في صفحة 7 ، و هو يتحدث عن أبي البيض : (و أوذي في حياته و بعد موته في دينه و عرضه حتى من أقاربه و بعض الخونة من تلامذته الذي تتبع مساويه و عَوَراته ، و سيلقى جزاء ذلك وافيا ، فلْيطب نفسا بما اكتسب) فعجبت للأحقاد السوداء كيف تتنامى و تعيث فساداً و ضرراً في ضمائر من لا يخشى الله ، و أنا على يقين من جزاء الله الوافر ، و ثوابه المتكاثر على ما قمت به من الذب عن دين الله و شرعه ، و الانتصار للحق و الحقيقة بهدم الهياكل التي لا أساس لها و تعرية المبطلين ، و الكشف عن عورات و مساوئ الأفاكين ، التي كانوا يجاهرون بها معلنين و لا يبالون ، و يدعون إليها ليل نهار و لا يستحون ، و لم أبحث عن الخفايا و الأسرار ، و إنما تتبعت الموبقات التي أزكمت الأنوف ، و فرقت الصفوف ، وهي واجب كل من عَرفها و لمس ضررها في الدين و الدنيا ، أما ما تضمنه كلام الكرفطي من التهديد الصوفي و الإرهاب الفكري فتلك شنشنة أعرفها من أخزم ، و هي مما ورثه هذا الشقي الهالك عن أسلافه الأولين الذين قالوا لنبيهم هود عليه السلام : (.. إن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ، قال : إني أُشْهد الله و اشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) ، و في السيرة أن المشركين هددوا خالد بن الوليد رضي الله عنه لما ذهب لهدم صنم العزى ، و قالوا : احذر الجنون احذر الجذام الخ ، و لكن سيف الله مضى لعمله ، و من لنا الآن بمثل خالد و من تبعه من أئمة الهدى كشيخ الإسلام ابن تيمية و ابن عبد الوهاب ، يتوجهون إلى المزارات و القباب التي على الأضرحة التي بنيت محادة لله و رسوله فيسوونها بالأرض ، و نشير هنا إلى مأثرة إيمانية لشيخنا الدكتور الهلالي رحمه الله التي أقدم عليها على مرأى و مسمع من (الوهابية) و التي لا يعرفها كثير من الناس ، و هي اجتثاثه لما يسمى : بستان فاطمة بصحن المسجد النبوي الذي كان يشتمل على نخلة و أشجار ، لاحظ شيخنا أن النساء يتمسحون بها و يأخذون من أغصانها للتبرك ، و شكا ذلك إلى العلماء و المسؤولين فلم يجد أذنا صاغية ، فعمد ليلا مع تلاميذه –و كان وقتها إماما بالحرم النبوي- و استأصلوا تلك الأشجار ، و أخرجوا جذوعها إلى البقيع ، و هكذا طهر الحرم الشريف من أسباب الشرك و وسائله ، فرحمه الله و أجزل ثوابه .

و بعد أن وقفت على صنيع الكرفطي خفت على البقية الباقية من رسائل أبي البيض إليََّ ، فأوعزت إلى أخي الأستاذ الفاضل بدر العمراني أن يسعى لطبعها ، و أن يسميها : (الجواب المفيد ، للسائل المستفيد) و هو الاسم الذي كان اقترحه علي الشيخ أبو البيض عندما أجمع الرسائل حتى لا تضيع ، و قد طبع الجزء و فيه من الفوائد و المساوئ ما لا تجده في سواه ، و قد كنت كتبت مقدمة ضافية لتنشر مع الجزء ، و فيها شرحت بعض مواقف الكرفطي إلا أن بدرا كَعَّ و لم ينشرها مع الأسف ، و أحسب أنني ضمنتها أحد أجزاء (جراب السائح) ، و منذ سنوات زارني بعض الإخوة من سلا و مراكش و درسوا علي (ملحة الإعراب) للحريري في النحو ، و رغب أحدهم و هو الأخ أبو سفيان مصطفى باحو في الاطلاع على آثار أبي البيض من مطبوعات و مخطوطات و منها رسائله قبل أن تطبع فأعطيتهم منها ما شاءوا و وقفوا منها على ما قف له شَعَرُهم ، فانبرى أبو سفيان لجمع فضائحها في جزء طبعه بمراكش بعنوان : (تنبيه القاري ، إلى فضائح أحمد بن الصديق الغماري) وقدّمه له شيخه الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي ، و لم يستوعب الكتاب ما أعرفه من فواقر أبي البيض ، و انتشر الكتاب ، و وصل إلى الغماريين بطنجة و إلى ذنبهم الأجرب أبي الفتوح ، فأجمعوا كلهم على أن الكتاب من تأليفي ، و لم ينفع إنكاري ، لأن من عادتهم التصميم على الرأي و عدم الرجوع عنه ، و لو نزل الوحي بالبراءة (أيٌّ كذا خُلِقتْ) و ليس من عادتي -و الحمد لله- أن أكذب ، و الحق أن ليس لي في الكتاب حرف واحد ؛ إلا أنني أطلعتهم على ما عندي من تآليف ورسائل أبي البيض ، و ما أخذوه عني مشافهة ، و إلا قصيدة رائية نظمتها إعلانا بالتوبة ، و براءة من الزاوية و أهلها ، نشرت في أول الكتاب بعنوان (قال درقاوي تائب) ، و قد حرفها عمداً أحد ضحاياهم الجُدد ، إلى : خائب ، خيب الله سعيه .

و هذا الإمعة الذي نبغ مؤخرا يسمى : عدنان زهار ، و هو من (البيضاء) و يقطن البْريجة (مدينة الجديدة) ، و قد زارني ببيتي و كاتبني أكثر من عشرين مرة سائلا مسترشدا ، و كانت رسالته الأولى في ورقة بأعلاها صورة أبي البيض ، فتوجست منها خيفة و علمت أن الولد مهووس بالغماريين جَرفه تيارهم الوثني ، و أنه لا أمل في إنقاذه (إنك لا تهدي من أحببت) ، و كنت أتمنى أن يهديه الله على يدي لإحراز ثوابه ، و لكن الفتى الشاب الغرّ سرعان ما انقلب على عقبيه ، و قلب لي ظهر المجن ، و سفر عن وجه مسْود كالح ، و دهشت لما بدر منه دون سبب معقول ، و هو تلميذي استجازني و أخذ عني ، و راجعني ، و استشارني في عشرات المسائل ، و استعار مني كتبا ، و مدحني في فواتح رسائله ب (شيخنا العلامة الأديب الشريف) ، و بعد مدة انقلبتُ خائنا كذابا مجرما كنودا حقودا وهابيا خبيثا جهولا ،... ، إلى ما احتوت عليه رسالته (دفاع عن كرامة و عرض سليل الأشراف الحافظ الإمام سيدي أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله) ، التي قدمها له شيخه (المحدث الشريف أبو الفتوح) عبد الله بن عبد القادر التليدي حفظه الله ، المطبوعة بطنجة في قالب كبير في 172 صفحة ، و قد زين رسالته بصورة كبيرة لأبي البيض في طالعتها ، و في ورقة الغلاف الأخيرة صورة نصفية لأبي البيض بالزي السوداني أخذت له بالخرطوم قبل وفاته بقليل ، و في أسفل الورقة صورة المؤلف ، و هو معمم يُلقي خطابا على كرسي و أمامه المكرفون ، و خلفه العلم المغربي، و لعله كان في حفل سياسي رسْمي ، لأنه موظف محاسب (كُونطَبْلي) بعمالة الجديدة ، والعجب أنه رضي بذلك و هو المُحدث الناقد الذي يتعقب كبار الحفاظ و يجرح و يعدل دون حسيب و لا رقيب ، و لا غرو فهو مزكى من مشايخه الكبار كأبي الفتوح (بالمفهوم المغربي ، و هو ما يقدم للشيخ و الراقي ، و يسمى : الزْيارَة ، و قد كَناه بذلك شيخه أبو البيض ، لما يعلم من حرصه على جمع الفتوح ، و حبه الجم للمال و المشيخة) و الزنيم المقبوح محمود سعيد ممدوح ، والسخاف العسّاف حسن السقاف ، و هو رغم اتفاقه مع ممدوح في بطر الحق و غمط الناس ، عدو لدود له يتمعر وجهه لمجرد سماع اسمه كما لمسته بنفسي منه ، و العجب أنه فرط من المصري مع شيخه إمام العصر ، و زعيم المحدثين دون منازع شيخ الإسلام الألباني رحمه الله و طيب ثراه ، مثل ما حصل لتلميذي العاق عزنان زُحار معي من العقوق الفريد ، فكلاهما كتب لشيخه مع إطراء بالغ، و إقرار بالأخذ و الاستفادة ، و زاد هذا إهداءَ بعض كتبه للشيخ ، أما السقاف فقد أكل الحقد قلبه، و شوى الحسد كبده ، و لم يَبْرد أُواره إلى اليوم ، و قد قدّم لي بنفسه عند زيارته لي أكثر من عشرين رسالة كلها تدور على الرد على الألباني و تعقبه بالباطل في غالب ما كتب ، و قد نصحته بالكف عن هذا البغي السافر ، و أشرت له بالتوقف عن الانسياق وراء الغماريين عبد الله و عبد العزيز اللذين كانا سبباً مباشرا في ضلال جمهور من الشباب في طنجة و غيرها ، و لا سيما في ميدان الرفض و التشيع الذي كان أبو البيض أول من نجّس به ربوع المغرب بعد أبي عبد الله الشيعي زعيم العبيديين الذي هلك منذ ثلاثة عشر قرنا ، و درست دولته كما هو معلوم ، و سنشرح بعون الله هذا في الفصول الآتية من (صحيفة سوابق) فليهنأ عَزْنان بهذه المشيخة الكريمة ، و لعله يفرد لهم معجما يُدون فيه مناقبهم ، و صدق الشاعر حيث قال : [البسيط]

إِ نَّ الزَرازيرَ لَمّا قامَ قائِمُها *** تَوَهَّمَت أَنَّها صارَت شَواهينا و هكذا تزبّب عزنان قبل أن يتحصرم ، و أراد أن يطير و لما يريش ، كما قال الذهبي . ثم إنني لا أعرف سببا مباشرا لهذا العدوان الذي هو أشبه بسُعار شيخه أبي الفتوح ، ثم توقفت بعد تفكير أن السبب هو تردده الكثير على شيخه الذي كان يفاوضه في الرد و فصوله ، و ما كان يلقاه منه من تشجيع تدل عليه مقدمته العوراء ، و حث متواصل ، و ما شحنه به من كراهية و بغضاء ما زال قلبه الأسود يُفرزها رد الله كيده في نحره ، و كفانا خبث شره ، و قد فعل قبله ذلك مع فتى آخر ممن أشرب قلبه حب الخرافات و المنامات ، و ترامى في أحضان الأحلام و الترهات ، فكتب رسالة أشاد فيها بأبي الفتوح و تناولني بيراع مبحوح ، دون سابق معرفة ، و لم أدر سبب ذلك إلا رغبته في استدراجي إلى الرد عليه ، و لذلك أعرضت عنه امتثالا لأمر الله تعالى (... و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) ، و قد عرفت من قراءة كتاب عزنان أنه أفرده للرد على أبي سفيان مصطفى باحو و شيخه مقدم كتابه المغراوي ، و حشرني معهما معتقدا أنني مؤلف (تنبيه القاري) ، و لذلك كتبت هذا انتصارا للحق و دفاعا عن نفسي تمسكا بقوله تعالى : (و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) و قوله جل و علا : (و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) ، أما ما يتعلق بالأخوين باحُّو و المغراوي ، فهما أولى بالرد و الدفاع عن أنفسهما ، وبينهما و بين الوقح عزنان بون شاسع ، و لهما و لا سيما باحّو من الأوضاع العلمية التي تجاوزت العشر ما تعجز عنه الجماعة ، و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، و ما زال الأخ باحو عاكفا على التدوين ، ويتحرى أن يأتي بجديد يحسن السكوت عليه ، و يجمع كل دواعي التأليف و شروطه أو بعضها ، لا كتأليف المقبوح المصري التي هي مصادرة و جهالة ، و قد تورط أخيرا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بتقديمه لجزء مختلق موضوع زعم ولي نعمة ممدوح عيسى المانع أنه جزء من مصنف عبد الرزاق ، من وقف عليه جزم للوهلة الأولى أنه مما عملت أيديهم ، و السبب أن الجزء يتضمن أحاديث موضوعة تؤيد غلو الصوفية في أولية النور المحمدي و نحو هذه البلايا ، وسيصدر الرد على هذا الكذب المكشوف الذي ضحى بدينه المقبوح المصري في سبيل نفع مادي ، أما السقاف فتنافضاته التي سماها شيخه عبد الله ، لم يكتبها لخدمة الحديث ، و إنما حسدا للألباني الذي أصبح مرجعا لعلماء المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها ، و قد خلف من التلاميذ جمهورا يدافعون عن الحق عدولا علماء ثقات ، و هذه آثارهم بارك الله فيهم ملأت السهل و الوعر ، أقامهم الله شجى في حُلوق المجرمين المبتدعين ، و قذى في أعينهم ، و هذا شيخك أبو الفتوح و قد ابتلى الله به الكتب و المطابع ، و وجد في الناشرين التجار من لا يهمه من ذلك إلا المال ، فخف الشيخ لذلك و شرع في الاختصار ، فاختصر "جامع الترمذي" و هدّمه معتمدا على الألباني دون شك و لا ريب، و كان قبل ذلك سبه و نال منه ، و اختصر خصائص السيوطي مستعينا بطبعة الشيخ خليل هراس دون أن يشير إليه كالعادة ، هذا في الطبعة الأولى ، أما في الطبعة الثانية فشانه بالنقد و التنقيص ، كما شان شيخه عبد الله بن الصديق حينما حذف تصديره المثبت في الطبعة الأولى ، و جمع الأحاديث القصار ، و ليس فيها قصير ، و اختصر شفا عياض ، و قد نفس شيخه عليه اختصار الخصائص ، و قال بأنه سبقه إليه ، و جمع آيات التوحيد ، و قد سبقه جمال الدين القاسمي في (دلائل التوحيد) و الدكتور الهلالي في (سبيل الرشاد) ، و بالجملة ، فتآليف الشيخ المربي كلها على هذا المنوال ، لا يعجز عنها إلا من يعجز عن الكتابة و النسخ ، و لعله يفكر الآن في اختصار القرآن لإنهاء السلسلة ، نسأل الله العافية ، و بالمناسبة فقد حدثني الثقة عن الشيخ عبد الله بن الصديق ، و قد كان من أخص تلاميذه أنه حدثه مرارا أنه ينقم على أبي الفتوح أمرين : دعواه النسب النبوي ، و دعواه المشيخة الصوفية ، كما حدثني عنه –و هو من أعجب ما سمعت- أنه كان في أواخر عمره ينكر وحدة الوجود و يناظر شقيقه عبد العزيز الذي كان كأخيه الأكبر أحمد غاليا فيها لدرجة المقت ، وألف مجلدا قصره عليها سماه (السوانح) أورد فيه عشرات الآيات و الأحاديث معظمها لا يصح حسبها تشهد لزندقته ، و قد كتبت ردا عليه سميته "تحصين الجوانح ، من سموم السوانح" لأنني لما رأيته لم أستطع السكوت عنه و هو من الكفر البواح . و بالجملة فحالي مع مُحْدِث البْرِيجَة (بضم الميم و كسر الدال) عَزْناَن زُحَار ، و سيأتي شرح هذا الاسم ، كما قال علي بن الجهم و لله دره : [الوافر]


بَلاءٌ لَيسَ يُشبِهُــهُ بَلاءٌ * عَداوَةُ غَيرِ ذي حَسَبٍ وَدينِ يُبيحُكَ مِنهُ عِرضاً لَم يَصُنهُ * وَيَرتَعُ مِنكَ في عِرضٍ مَصونِ و قد أتاني الأخ بدر بكتاب زَعْنان أواخر شعبان ، فلم أشأ أن أخوض مع المبطلين و رمضان على الأبواب ، و بعد العيد وافاني بدر سدده الله و جزاه خيرا برده عليه ، سماه : (وقفات مع عدنان زهار في دفاعه عن الشيخ أحمد بن الصديق الغماري) في 35 صفحة بالحرف الصغير ، و قد قرأتها فألفيتها وقفات موفقة مؤيدة ، استوفى فيها أغراض البْريجي ، و ناقشه بأدب و موضوعية ، دون تهويش و لا تهويل و لا تكرار ممل ، و ترديد للتكذيب و التخوين دون دليل و لا حجة ، كعادة عزنان الذي أخرج كتابه من بين فرث و دم ، فبرز خلقا مشوها ملطخا بعذرة صاحبه ، بعد ما سكت عنه الغضب ، و من تأمل (وقفات بدر) بإنصاف ، وجدها كافية مفحمة ، و إن كان عزنان سوف لن يسكت لما فُطر عليه من اللدد و الخصومة التي كان بها أبغض الرجال إلى الله ، و "أبغض الرجال إلى الله الأَلَدُ الخَصِم" كما ورد ، و نحن معه كما قال الشاعر –و هذا قدرنا- : [السريع]

إن عادت العقرب عدنا لها ** وكانت النعل لها حاضرهْ

و قد رأيت قبل الكلام على فواقر أبي البيض في الفصول العشرين التتي تتألف منها (صحيفة سوابق) أن أسجل (طُررا) على هامش دفاع عزنان أرد بها عُدوانه عليّ ، و أضع لها رقما مسلسلا منبها على مسائل و فوائد مهمة ، و مشيرا إلى أنني لم أستوعب جرائمه ، فإنها بلغت من القرف حدا أثار الغثيان ، فمررتُ بها مُرور الكرام باللغو ، و هذا أوان الشروع في الطُّرَر :


الطُّرة 1 : تتعلق بعنوان الرسالة "دفاع عن كرامة و عرض سليل الأشراف .." ، ففي وصف سليل الأشراف يعني أنه شريف الأب و الأم ، و أبادر فأقول قبل كل شيء أنا لا غرض لي في هذا البحث، و أنا أعلم أن الناس مصدقون في أنسابهم ، و أن الطعن فيها من خصال الجاهلية ، و المقصود التنبيه على شيء غير معهود بدافع الشفقة على الأدعياء ، و هم يعلمون ما ورد فيمن انتسب إلى غير مواليه من اللعن و الحرمان من الجنة ، و نحن نعلم أن نسب أبي البيض من جهة الأب و الأم لم يتناوله النسابون في المغرب و غيره ، و هم كثيرون ، و كتبهم متداولة ، و قد راجعناها فلم نجد من أشار إلى نسبهم إلا إدريس الفضيلي ، و هو متأخر جداً (ولد سنة 1260 هـ ، و توفي سنة 1312هـ) ، فقد أوردهم في (الدرر البهية و الجواهر النبوية) و نسبهم إلى سليمان أخي إدريس دفين عين الحوت قرب تلمسان ، في حين أنهم ينتسبون أدارسة كما بينه أبو البيض في "سبحة العقيق" ، و اختصارها "التصور و التصديق " ، و هذا بدون شك يدعو إلى التوقف و الورع ، لأنه شبهة قوية في موضوع صعب ، علما أن نسّابة المغرب لم يدعوا نسبا مهما كان خفيا إلا نبهوا عليه، و تتبعوا ذلك بأوامر سلطانية ، و عين لذلك نقباء عدة كما هومعروف ، و ما يقال عن نسب أبي البيض من قبل الأب كذلك يقال من قبل الأم ، فإن نسب بني عجيبة لم يثبت ، و قد قيل بأن الشيخ أحمد رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المنام و هو يقول له : أنت ولدي حقا ، و مع ذلك فلم يكن ينتسب إلى البيت النبوي تورعا ، و كان يقول : فحسب المرء دينه و شرفه تقواه ، قال تعالى : "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" . و قال صلى الله عليه و آله و سلم : "إنه لا فضل لعربي على عجمي ، و لا عجمي على عربي ، و لا أحمر على أسود ، و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" . أو كما قال عليه السلام . لكن غلبت عليه شقوته و اطمأن للترهات و المرائي التي لا يثبت بها حكم أو نسب ، فانتكس و قال : و قد كنت أتنكب الانتساب و أتحرج منه في شهادتي و كتبي لعدم تحقق ذلك حتى رأيت شيخنا (أي : البوزيدي) و شيخه (أي : الدرقاوي) يصرحان به في كتبهما لي ولأخي ، و هما يتكلمان بالله و ينظران بنور الله فعلمت صحة النسبة مع الحكاية المتقدمة قبل . والرؤيا التي رآها الشريف العلمي و غيرها ، فقوي اليقين بصحة النسبة ، و الله تعالى أعلم . و هذا لا قيمة له في الميزان العلمي ، و الله المستعان على ما يصفون .

و بالمناسبة نقول عن نسب شيخ عزنان الأثير أبي الفتوح بأنه شديد التمسك بالنسب النبوي لما يتوهمه فيه من النفع و المجد كمشايخه الغماريين ، و إن كان شيخه أبو البيض لم ينعته في فواتح رسائله بهذا الوصف على خلاف عادته مع الأشراف ، فهذا رصيفه البقالي ذو اللحية الحمراء ، وعدوه اللدود يصفه شيخهما أبو البيض بالشرف في رسائله إليه و هي كثيرة وقفت عليها ، و هذه رسائل الشيخ إليّ و هي تناهز المائة و كلها كما يعلم أبو الفتوح متوّجة ! بهذا الوصف الفَضْلة الذي لا يسمن و لا يغني من جوع ، و إنما أتكلم الآن بلسانهم مجاراة لهم ، و من الوقاحة بمكان و اقتحام عقبة الباطل دعوى أبي الفتوح النسب النبوي و إثباته سلسلته –و هي قطعا مما عملت أيديهم- نقلا عن رجل سماه (ابن الحوات ) ذكره في تقييده الشهير !؟ و الواقع أن ابن الحوات هذا هَيَّان بن بَيّان ، أو صلمعة بن قلمعة ، أو عوج بن عنق ، لا وجود له بين الخلائق ، و تقييده (الشهير) لم يسمع به ، فهو كأوراق الكنوز و الجداول و كتابة العطف و المحبة الموجودة بكثرة عند الفقهاء المشارطين في البادية ، و عهدي بأبي الفتوح يُعْنى بها ، و يبحث عنها ، و يُجَربها ، و يجيز بها ، لما كان يُعانيه من فقر و حاجة ، و المعروف بعلم الأنساب هو النسابة الأديب أبو الربيع سليمان الحوات العلمي ، وله عدة كتب في الأنساب ، و لا يعرف أنه تناول هؤلاء بكلمة ، فهل يثبت النسب الشريف برجل نكرة غير مقصودة ، يُسمى (ابن الحوات) في تقييد مجهول لا خطام له و لا زمام ، و لكن لا غرو ممن يفتات على الله و رسوله ، و يعيش عمره في الترويج للرؤى و المنامات ، و دعوى رؤية الأنبياء و الرسل ؛ بل رؤية رب العالمين ، و جمع الناس على السماع المذموم و الرقص اليهودي ، و هو في نفس الوقت يزعم أنه خادم الحديث بالمغرب ، و أنه يدعو إلى العمل بالسنة ، و هذا لعمر الله الدَّجل و البُهتان ، فكيف تستوي الظلمات و النور ؟

الطرة 2 : حول (تقديم) أبي الفتوح لكتاب عزنان ، فإنه يتضمن مغالطات ، و فيه كذب مفضوح ، و هو يعرض بي بالدرجة الأولى و يمزج ذلك تلبيسا و تدليسا بمؤلف (تنبيه القاري) و شيخه المغراوي، و من العجب أن يصف الشيخ و تلميذه فواقر أبي البيض بهفوات اجتهادية مغفورة له ، والتي لا يخلو منها عالم في كل زمان و مكان على حد تعبيره [ص : ب] ، فهل اعتقاد وحدة الوجود، و اعتقاد أنها ما انطوت عليه ضمائر الأنبياء و المرسلين ، و الأولياء و الصالحين ، من عهد آدم إلى النفخ في الصور ، و من لم يعتقدها فإيمانه مدخول ، مع أن العلماء المحققين بحثوا عن تلك الموبقة فوجدوها عريقة في الوثنية ، و أنها لم تظهر في الإسلام إلا في القرن الثالث ، و من يعتقد إيمان فرعون (حشره الله معه) ، و أن إبليس كان على حق لما امتنع من السجود لآدم ؛ لأنه –أي : إبليس- هو الله تعالى ، فكيف يسجد لنفسه ؟ و من يرجح فناء النار ، و أن عذابها قبل فنائها عذب لذيذ ، و أن جماهير العلماء و الأولياء في مختلف العصور لم يفهموا التصوف الحق أي الباطني الوثني ؛ لأنه لا يدرك إلا بالذوق ، كما زعم اتباعا لأسلافه الزنادقة ، و هل من زعم أن نبوة التشريف ما زالت مستمرة و أن النبي بل و الأولياء يعلمون الغيب حتى الخمس التي استأثر الله بها ، ... إلى غير ذلك من المصائب و البوائق التي لا تمحوها البحار ، و من آخرها و قد مات و هو يلهج بها : المطاعن في عدد من الصحابة و الوقيعة في بعض أفاضلهم كخال المومنين ، و كاتب وحي رب العالمين ، سيدنا معاوية بن أبي سفيان ، و إنكار عدالة الصحابة ، و تسجيل أن أغلبهم كانوا يبغضون علي بن أبي طالب (هكذا بخطه : أغلب الصحابة) ، فيلزم عليه أنهم منافقون للحديث المعروف : "لا يحبك إلا مومن و لا يبغضك إلا منافق" ، فهل هذا و غيره هفوات اجتهادية (مغفورة له) ، و هذه جرأة على الله تعالى ، فمن أنبأ أبا الفتوح بأنها مغفورة له ، و كيف تكون لا يخلو منها عالم في كل زمان ومكان ، و قد حكم الفقهاء في باب الردة من الفقه في جميع المذاهب بردة من يرتكب أقل منها كما يعلم من مراجعتها ، فما نقول في هذا الفدم الغبي الدعي ؟ على أنني أعترف بعلم الشيخ و فضله ، ولكن هذا لا يحول بيني و بين الشهادة بالحق و الجهر به ، عملا بقاعدة الولاء و البراء ، و أنها من أوثق عرى الإيمان ، و لا يحصى من العلماء من حذّروا من آبائهم و مشايخهم لما علموا أنهم غير ثقات ، و كلامهم في الجرح و التعديل مدوّن مشهور ، و لولاهم لدخل الوهن باكرا في الإسلام ، وما أظن هذا يخفى على أبي الفتوح ، و لكنها الأهواء تعمي و تصم .


الطرة 3 :

فاتحة الرسالة و ما حشاها به من سباب و شتائم و أكاذيب سيعيدها و يكررها مرارا إلى حد الإملال ، لأنها كلُّ ما في جعبته ، و المضحك أنه عزا ذلك إلى أننا نأخذ العلم من الكتب والمجلات ، بينما هو زاحم الشيوخ بالركب و السماعات ، و هو في نفس الصفحة 3 لم يقم بيتا سائرا من الشعر ، و له من هذا الكثير من اللحن الفاحش ، و كسر أبيات الشعر مما يدل على إفلاسه، و قد أحصى الأخ (بدر) في (وقفاته) بعضا منها ، و مع هذا لم يستح من مهاجمة الشيخ المغراوي على خطإ وقع منه في أول تقديمه ، فكان كما يقول المغاربة في أمثالهم (عْجُوزَهْ قْبْضْتْ سارقْ) .


الطرة 4 : قوله : إنه لما أعاد قراءة رسالة "تنبيه القاري" بعد ذهاب الغضب ، ازداد يقينا ، أن الفاري –بالفاء من الفَري و هو القطع- قطع الله أوداجه- ليس له من تلك الرسالة إلا النقل عني ، وأنا الذي كتبتها ، و جزم بأن الأخ أبا سفيان لم ير كتب الشيخ لا المطبوع منها و لا المخطوط ، (هكذا ، كأن كتب أبي البيض بالمرّيخ حتى المطبوع منها) ، ثم صَبَّ جام غضبه على شيخه العلامة الأديب الشريف أبي أويس –بالأمس- و الخائن الكذاب الذي قلب ظهر المجن لشيخه ، و مُوجده من العدم ، و المنعم عليه بكل شيء ، كما يقوله أشقاء الشيخ و أعداؤه عليّ ، عاملهم الله بما يستحقون ، ثم ما هذه الأسرار التي ائتمنني عليها الشيخ أيها الجهول الإمّعة ؟ و الحق أن الأسرار التي كان الشيخ يأتمن عليها ذنبه الأجرب و وارث شره –بالشين المعجمة- هي ما كان يراسل به شيخك أبو الفتوح أبا البيض من فضائح رشّحه لها و أوصاه بالإخلاص فيها و إخباره بكل شاذة و فاذة مما يتعلق بإخوته الثلاثة ، و قد قام أبو الفتوح بهذه المهمة شر قيام –كما هو موجود عندي بخط الشيخ- متجاهلا أنها نميمة ، و أن صاحبها لا يدخل الجنة ، و قد حذرته أنا منها و هو معي في بيتي فصارحني بأنه لن يتخلى عنها ، و أخبرني الدكتور إبراهيم أخو الشيخ أن رسائل أبي الفتوح عندما كانت تصله و هو بالقاهرة يُعاني من مرض القلب و السكري و الضغط ، كان ينتكس في مرضه ، والأطباء يُوصونه بأن لا ينفعل ، و هكذا كان أبو الفتوح يسعى في هلاك شيخه ليخلو له الجو لدعوى المشيخة ، و هكذا كان ، فما مضى على وفاة شيخه إلا قليل حتى قام (بثورته الروحية) ، وأعلن وراثة الشيخ ، و صاح و تحامق : (جددوا عليّ) ، فنجح بدجله و شعْوذته في وسط معروف بالغفلة و الحمق بشهادة المؤرخين ؛ إلا أنه بعد قضاء غرضه ، عدّل من سلوكه ، و أنكر كثيرا مما كان يمارسه ، و وجّه وجهته نحو السعودية ، و هذا كما قال شيخنا الألباني طيب الله ثراه عن الشيخ عبد الفتاح أبي غُدة : (تغيير شكل ، من أجل الأكل) ، ألا يستحيي من هذه حاله أن يصف الناس بما هم براء منه .

ثم استسمح المؤلف عزنان سادته أن يُولّوه سَرَف (بالسين المهملة) الرد ، و يؤثروه بفضيلة الكذب و البهتان ، و العدوان و الطغيان !! ففعلوا ، و واصل القراءة .


ثم استسمح عزنان القاري على ما في رسالته من الفسوة ؛ بل القذف بالباطل و البهت والزُّور ، و أنه ارتكبه عملاً بآية : (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ، و هو يعلم أن الاستدلال بهذه الآية على عدوانه و وقاحته هو ، لا يصح ، لأنها تتعلق بمن ظُلم بالبناء للمجهول و هو أبو البيض ، إن كان هناك ظُلْمٌ لغة و شرعا ، و الحق أنه جهاد في سبيل الله و تجريح من لا يجوز السكوت عنه ، و قد ألف شيخ أبي الفتوح و شقيق المؤلف و عدوُّه الألد ، الذي كتب عليه ما يستحيى من ذكره ، و ربما أذكر بعض ذلك ، عبد العزيز : (وثبة الظافر ، بصحة حديث "أَتَرِعُون عن ذكر الفاجر) و تمامه : هَتِّكُوه يحذره الناس ، و هو حديث ضعيف ، لا كما زعم عبد العزيز ، و هو لم يؤلفه ذبا عن الحديث و إنما فعل ليتكئ عليه في ثلب عرض أخيه و شقيقه و ولي نعمته ، و كنيته بأبي الغيظ –بالغين المعجمة و الظاء المشالة- ، و نسبته إلى بني سعيد ، و وصفه بفرعون التجكانيين ، بل حمله الغيظ و البغض إلى وصف والده بالغفلة في حكاية مع (بوحمارة) عندما زار طنجة ، و قد أودع هذه الفضائح و غيرها كتابه (السفينة المشحونة) التي جمعها مضاهاة لشقيقه مؤلف (جؤنة العطار) كما نفسها عليه شقيقه الآخر عبد الحي ، فألف (المجتبى) في مجلد ، وعندما وقفت على هذه الكتب استعذت بالله من الشيطان الرجيم ، و أنشدت قول الشاعر : [البسيط]

لقد حَكَيْتَ ولكنْ فاتَكَ الشَّنَبُ


ثم ذكر عزنان أنه سمى رسالته (نهج السداد و التوفيق ، في دحض افتراآت المفترين على الشيخ أحمد ابن الصديق) ، و لكن شيخه و قدوته غيّر اسمها إلى (دفاع عن كرامة و عرض ...) . قلت : و حقه أن يسميها (نهج الحِداد و التلفيق ...) حتى يكون هناك انسجام بين المحتوى و العنوان.


الطرة 6 :

في ص 6-7 ذكر عزنان ترجمة الشيخ ، و قد ضخم بها حجم الرسالة ، لأن ترجمته معروفة على بلايا فيها ، من ذلك نقل عزنان عن شيخه –و أًكْرِمْ به من شيخ- الزنيم المقبوح ، الأنوك المتعالي ، محمود سعيد ممدوح ، و هو من أسماء الأضداد ، أنه -أي أبا البيض- حافظ بشهادة جمع ، و أنه امتاز عن الحفاظ بالأمالي الحديثية ، و المستخرجات ، و أنه كان يملي بجامع طنجة ثمانين حديثا هكذا بالضبط الخ . و أقول : بأن محمودا المصري و تلميذه عزنان لا يعرفان الشيخ و لم يرياه، فكيف ينقلون عنه ما لا علم لهم به عمن لا يعرفونه ، و الواقع أن أبا البيض لم يكن كذلك تماما ، ولكثرة مخالطته لكتب الحديث كان كغيره من علماء الحديث المعاصرين يستحضر متونا متداولة من أحاديث الأحكام ، و من الطرائف ما كنت أسمعه بمصر و الشام و الحرمين من بعض الأغرار الذين لا علم لهم كمحمود و عزنان أن أبا البيض كان يستظهر الصحيحين معاً ، و بعضهم يقتصر على صحيح البخاري ، فكنت أرد عليهم بأنه لو كُلف سرد كتاب واحد من كتب الصحيح عرضا لما استطاع ، و أماليه كان يتكلّف لها و يعاني حفظ أسانيده النازلة ، و لا يبلغ هذا نحو عشرة أحاديث إلى عشرين ، أما ثمانون فأجزم جزما قاطعا أنه لم يفعل و لا يستطيع ، و أحسن الإخوة إلقاءً وأكثرهم حفظا الشيخ الزمزمي رحمه الله ، أما الثلاثة الآخرون ، فعبد الله كان ألثغ تقريبا يشق عليه الحفظ و الكتابة ، و عبد العزيز لم يستطع قراءة حديث أبي مسلم الخولاني و هو من أحاديث الأربعين النووية ، و أنا معه بدار الحراق بتطوان ؛ بل لم يكن يحفظ القرآن و لا نصفه ، و أعجز منه في هذه الناحية الأصولي المنطقي !! عبد الحي ، ثم إن الأمالي و المستخرجات لا فائدة كبيرة فيها ، وإن كان لها اعتبار فقبل ظهور المطابع كحفظ الأسانيد ، و المستخرجات إيراد أسانيد نازلة جداً من المؤلف إلى شيخ المستخرج عليه بطريقة مملة جداً ، و قد فُرغ من هذا النوع من الحديث بما أُلف فيه من مستخرجات على الكتب الأمهات ، فهذه لقدمها يستفاد منها في تقوية الحديث و جمع ألفاظه ، و قد أطلعني الشيخ على (وشي الإهاب) عشية قدومه طنجة قادما من سلا بعد خروجه من الاعتقال، فإذا هو في ثلاث مجلدات ضخمة كلها أسانيد لا تتخللها فوائد و لا علم إلا نادرا ، أما عن سلوكه و أخلاقه و وطنيته و ثورته ضد الإسبان ، فالحاضر (كبوخبزة) يرى ما لا يرى الغائب ، فإن الشيخ كان منقلبا ، فهو مع الإسبان كغالب أقاربه ما داموا يُعطونه ، و قد ذهب إلى إسبانيا ولقي الجنرال فرانكو مهنئا بعد الحرب الأهلية فأهداه هذا سيارة ، باعها بسبتة ، و قد حدثتني حَماتي و هي شقيقته ، أنه أقام مأدبة كبرى للحكام الإسبانيين اشترى لها خمسين صحنا من الخزف الصيني الرفيع ، و ظل النساء يصنعن الحلويات أياما عدة لإطعام الكفرة المستعمرين ، و الغريب أنه لم يحضر لمأدبته المقيم العام ، و إنما حضر الحكام المدنيون ، و قد تمخضت تلك الحماقة التي زعمها جهاداً وحرب عصابات عن مآسي ذهب ضحيتها ناس ، و عُذب ناس ، و نالني من رشاشها ، و لم يرض الشيخ الزمزمي بما يفعل شقيقه فهاجر إلى تطوان ، أما حرصه على إحياء السنة ، و منها خُروجه حافياً بطنجة فهو من آثار عين (برقان) التي ذكر المؤرخون أن من شرب منها اختل عقله ، و هذا كثير في تصرفات الشيخ ، و مما لا يعرفه عزنان و شيخه مقبوح أن الكتانيين –وهم أصدقاؤه الخُلَّص- كانوا يقولون عنه بأن علمه أكثر من عقله ، أما ما ذكره المؤلف من خصائص الشيخ التي لم يتصف بها أحد من (المتمسلفين) يعني أدعياء السلفية : أنه لم يأخذ أجرا على الإملاء و التدريس ، ولا أدري مستنده في هذا التعميم ، و أنا أعرف الشيخ ناصرا الألباني طيب الله ثراه يسافر للدعوة إلى السنة و التوحيد إلى عدد من المدن بسورية و لبنان و الأردن و السعودية ، و يعقد دائما جلسات للحديث و التفقه سُجل كثير منها في مآت الأشرطة ، ستُفرغ قريبا و تطبع إن شاء الله ، و كل هذا حسبة لله ، و هذا خصمك و شيخك و مجيزك و مفيدك رغم أنفك (بوخبزة ، لا بونبزة) كما سأحاسبك عليه قريبا ، سعى مع إخوانه في بناء معهد الشاطبي لتحفيظ القرآن و تدريس علومه بتطوان ، و منذ ثلاث عشرة سنة و نحن نُدرس أنا و أبنائي أويس و المعافى حسبة لله تعالى ، فلماذا تهرف بما لا تعرف ، على أنه من الحلال الطيب أن يتقاضى الإنسان مساعدة قليلة من الأحباس للخطابة و الوعظ ، بدل (الفتوحات و الزيارات) التي يستولي عليها شيوخ الزوايا ، و أرباب المصائب و الرزايا ، بطرق الكذب و الشعوذة ، و دعوى الولاية و الكرامات المزعومة ، و المنامات المعدومة ، على أنه ما أسِّست الزوايا و بنيت إلا لابتزاز ضعفاء العقول ، و استغفال الأبرياء ، و هذا الشيخ الزمزمي و هو من أبناء الزاوية ألف كتابا مثيرا سماه : (الزاوية و ما فيها من البدع و الأعمال المنكرة) و هو مطبوع ، و أنصح عزنان بقراءته ، و فيها حكاية الشيخ الزمزمي عن شقيقه أبي البيض أنه رقص مرة في الزاوية و تواجد حتى سقطت عمامته التي بيعت بعد الفراغ من (العمارة) بخمس مائة ريال حسنية، اشترى بها الشيخ دارين ، و العمامة لا تساوي (بصلة) ، لأن صاحبها ليس بأهل للمشيخة و لا أن يكون مقدما للزاوية ... و لكن المتصوفة جهال لا يعلمون ، على حد تعبيره ، فهل هذا حلال أيها الأفاك الإمعة ؟ و هذا شيخك الأثير أبو الفتوح بُعيد وفاة شيخه أبي البيض خرج مع ثلة من مريديه من أنعام البشر للسياحة و زيارة الأضرحة ، و الدعوة إلى نفسه ، فكان يُقيم (العمارة) في كل ضريح مشهور و يجتمع الناس و يشرع في الدعاء لكل من يقدم (فتوحا و زيارة للشيخ) ، و حدثني الحاج عبد السلام الذيب الخمسي و كان معهم أنه اتصل به رجل و معه زوجته بضريح (بوسلهام أو بويعزى) و طلب منه أن يأذن الشيخ في تخطي الفقراء على امرأته العروس لأجل أن تحمل مقابل هدية مغربية ، قال : فاستأذنت أبا الفتوح فأذن ، و تمدّدت المرأة على بطنها ، و أخذ البهائم يتخطونها ، و أخذ الشيخ الفلوس ، و ذهب الرجل الديوث ، و هكذا استمر الشيخ في دجله و شعوذته إلى أن استوى على عرش المشيخة ، و تزاحم الفقراء على التمسح به و تقبيل يديه ورجليه، فهل هذه حال سنية ربانية أم شيطانية ؟ و هل ما يجنيه هو و مشايخه من المال بهذه الوسائل حلال !؟

  • يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ*

الطرة 7 :

ثم عقد عزنان فصلا ص 9 في ذكر أقوال العلماء في الشيخ ، و معلوم أن الجم الغفير من الأئمة و العلماء قديما و حديثا يتعرضون للمدح و القدح ، و لا تكاد تجد واحداً منهم أجمع الناس على مدحه ، و الشيخ ليس بدعا من الناس ، فقد غلا في مدحه بالحق و بالباطل من أخذ بظاهره ، واغتر بكلامه و مؤلفاته ، و منهم من اعتدل و توسط ، و منهم من أفرط و ظلم ، و الدكتور الهلالي رحمه الله كان يثني على علمه و سعة اطلاعه ، و قد تحدث عن هذا في كتابه (الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة) ، أما عقيدة الشيخ و سلوكه فقد سئل عنها عقب رجوعه من مأدبته التي أقامها الشيخ له بطنجة إلى تطوان ، فقال كلمته الشهيرة بمدرسة لُوقَش عنه : عالم الدنيا أفسدته السُّبحة .. أي : التصوف ، و صدق رحمه الله على ما في قوله من مبالغة ، و ما نقله عزنان عن عبد الباري بن الزمزمي أنه سمع الهلالي يقول : بلغ أحمد بن الصديق في علم الحديث درجة الإمام أحمد بن حنبل ، كذبة صلعاء لا يقولها عاقل ، و كيف يقول الهلالي هذا و هو يعلم أن الإمام أحمد جمع مسنده الإمام و طوّف عليه الأرض حتى بلغت أحاديثه قرابة ثلاثين ألف حديث ، كما هو في الطبعات الحديثة المرقمة ، و أن تلك الأحاديث كلها كانت نُصْبَ عينه ، و أن الإمام الشافعي و هو إمام أبي البيض ومختاره من الأئمة عقودا من السنين ، كان يرجع إلى الإمام أحمد و يسأله عن الحديث و يقول : إذا صح عندكم فأعلموني به لأذهب إليه ، فهو و الحالة هذه بالنسبة لأبي البيض وجود مع العدم ، ولكن لا غرو ، فإن أبا البيض ولغ في عرض الإمام و وصمه بالبلادة ، و عداوة الصوفية ، و النصب كما ستراه إن شاء الله في فصول (الصحيفة) ، أما كلمة السيد عبد الرحمن بن الباقر الكتاني فيكفي في ردها قراءتها ، و هو كسائر الكتانيين يُلقون الكلام على عواهنه ، و شعارهم في ذلك كما يقول أهل فاس : (اللِّي ما فيهْ صايَرْ كْثَّرْ منه) هذا بالعامية ، و مقصودهم بالفصحى : (كَثِّرْ مما لا نفقة ترجى من ورائه) ، و قد سمعت من بعضهم أن أبا البيض علمه أكثر من عقله ، و الواقع أنهم لم يكونوا يعتقدون فضله بهذه الدرجة ، و إنما كانوا يجاملون لحاجة في أنفسهم ، و الألفاظ العربية تفقد مدلولها الصحيح عندهم كما تراه في كتب أبي البيض في تراجم والده و جده ، و كلمة فَنيدة (بشرى الحديوي) التي حققت بَلْ شَوَّهَتْ (حُصول التفريج) أنها سمعت بلا فْريج ينقل عن شيخه الألباني أنه ما كان يصف أحدا بالحافظ إلا أبا البيض ، فالسند ضعيف ؛ بل منكر ، و أنا تلميذ الألباني ، و قد ذاكرته طويلا في شأن الغماريين ، و قد تعرض في كتابه الممتع (تحذير الساجد عن اتخاذ القبور مساجد) لأبي البيض و وصفه وصفا صادقا فهو المعتمد ، ثم لماذا لا يعتمد عزنان زُحار شهادة أبي البيض للألباني بأنه من الأفراد في علوم الحديث ، و أنه كان يتقنه جداً جداً كما كتبه بخطه إليَّ على قلة إنصافه مع معاصريه ، و العجب من وصف شيخه إمام السَّقا له بالمهارة في النحو، و فرط ذكائه و سرعة إدراكه له ، و هو مع ذلك لُحَنَة ، و ربما جمعت من لحنه المتكاثر ما يُغَبِّر في وجه هذه الشهادة ، و يُلغي بركة والده ، و من الإنصاف الاعتراف بتقدم شقيقه عبد الله عليه في هذا المجال ، فلا تجده يلحن أبدا ، مما يؤكد أنه مؤلف شرح الجرومية "تشيد المباني" المطبوع الذي نازعه فيه أبو البيض ، و ليس له فيه إلا الإسم ، ثم ذكر عزنان أبياتا من الشعر ، و منها أبيات لي مدحته قبل أن أتوب إلى الله ، قال : و قال درقاوي خائب . كما سبق أن قال أيضا عند الإشارة إلى الرائية التي أعلنت فيها توبتي من الزاوية ، و نشرها مصطفى أبو سفيان في طليعة كتابه العُجاب (تنبيه القاري) ، و أنا أسجل اعترافي بمدحي لأبي البيض قبل أن أعرفه ، و أقف على فواقره ، لا كما قال عزنان الخائب بحق ، خَيَّب الله سعيه ، و عجل نعيه ، بأنني قلت هذا قبل وثبتي على الشيخ لا لداع ، و الحق أن الوثبة المسدّدة كانت لدواع عدة ، و هي البوائق التي أفردت لها هذه (الصحيفة) .


الطرة 8 :


ثم أفرد عزنان زُحار فصلا لكلام غير العلماء في الشيخ ، و هو فصل (لا محل له من الإعراب) لأنه لا علاقة له بالترجمة ، بل أولئك الذين نظّر عزنان بهم في الموضوع هم في الواقع أعداء لُدّ للشيخ ، و لو كان حيا لبَسَرَ و عَبَس في وجه عزنان الإمعة لذكرهم معه ، و طرده من بيته ، وبصق عليه ، و إلا فكيف يذكر الكوثري ، و هو و تلميذه أحمد خيري باشا المصري و عزت العطار الحسيْني نشروا بالقاهرة مناشير يلمزون فيها أبا البيض بالأُبنة و اللواط و السّكر و ما إلى ذلك، و قد وقعت بيدي هذه المناشير ، و أخذها الأخ بدر العمراني ، و كتب عليها ردّا سماه : كشف المستور ، عما تضمنه هذا المنشور . و القرضاوي ، و محمد سعيد رمضان البوطي الكُردي (لا رمضان فقط فإنه أبوه) ، و متولي الشعراوي ، و عبد الفتاح أبو غدة ، يحسن أن يراجع عزنان فيهم شيخه أبا الفتوح لنعرف موقفه منهم ، فإنهم بلا شك من دعاة الضلال ، و كلمات أبي غدة في نقد الألباني أرسلها إليّ و اعتذر عما فيها ، و رجا مني أن لا أشيعها ، و قد رد عليها الألباني برسالة مطبوعة سجل فيها حقائق ينبغي الاطلاع عليها عن صوفية الشام ، و أحنافه ، و فرط جهلهم، و بالغ عدائهم للسلفيين ، حفظهم الله و وفّر جمعهم ، و كبت أعداءهم ، و أشار عزنان قبل ذلك إلى أن (تنبيه القاري) من إملائي على مصطفى ، و هو ترديد لكذب فارغ فرغنا منه ، كما أشار إلى وطنية أبي البيض و أبيه ، و لا أحب أن أتناول هذا الموضوع و عندي فيه وثائق تدفع المنكر، و تُفحم المعاند ، و كذلك جاسوسية الشيخ عبد الله التي ورط فيها نفسه و اعترف بها ، وكانت سببا في محنته ، و لنا فيها مواقف يعرفها أبو الفتوح نتركها الآن ، و قد سجلها التاريخ الذي لا يرحم ، نسأل الله العافية .

الطرة 9 : ثم عقد عزنان فصلا في أقوال العلماء في التحذير من الكلام في أعراض العلماء ، و هو كالفصل السابق لا داعي إليه إلا تضخيم حجم الرسالة ، و لا نزاع في تحريم الغيبة و أنها من الكبائر، إلا أن العلماء ذكروا لها مُسوّغات معلومة ، منها جرح من يستحق التجريح نصحا و ذبا عن الدين ، قالوا : و ربما كان ذلك واجبا حياطة للدين ، و ذبا عن السنة و انتصارا للحق ، و قد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكثر من الصلاة و الصوم و الحج و غيره من نوافل الخيرات ، و غيره لا يفعل من ذلك شيئا إلا أنه ينصر الحق و يحارب البدعة و أهلها ، فأجاب الإمام : أن فعل الأول لنفسه ، و هذا للمسلمين نصيحة . و قد نقل عزنان عن ابن رجب كلاما طيبا في الموضوع ، و كذلك عن ابن عبد البر ، و قال بعده ص 16 : فكيف بربك لو سمع ابن رجب بهُراء الفاري ، في الحافظ الغماري ؟ فكتبت أنا عليه بالهامش رداً عليه : و كيف لو سمع ابن رجب كلام الغماري فيه ، و في شيخه ابن القيم ، و شيخه ابن تيمية ، و تلاميذه الأبرار ، كالذهبي ، و المزي ، و ابن كثير ، و ابن عبد الهادي، و أضرابهم ، و تصريحه بضلالهم ، و أنهم أصابوا الإسلام في مقاتله ، و أنه ما ضل من ضل إلا بقراءة كتبهم ، و لا سيما إمامهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه قاء ما في صدره من القيح والصديد ذما و سبا و شتما ، لم أعرف عن غير أبي البيض أنه بلغ من الكراهية و البغض ما بلغه حتى لليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا ، و هو يكرر ذلك التذاذا و تشبعا بمناسبة و بدونها ، ويدعو عليهم بقوله : قبحها الله من عصابة ، ما عدا المزي فإنه غلا في حبه فجأة و هو يعلم أنه من كبار تلاميذ ابن تيمية ، و هكذا الرجل ذو أحوال شيطانية ، و أهواء إبليسية ، و قد بسطت في فصول (النصيحة) شتائمه و مطاعنه في ابن تيمية ، و لم أستوعبها فراجعها لتعرف أي جريمة اقترفها أبو البيض في حق أولياء الله حقا الذين جاهدوا في الله بالكلام و القلم و السيف و السنان ، و أوذوا في نصرة الحق على يد متعصبة الفقهاء ، و مبتدعة الصوفية المسؤولين عن ضياع دولة الإسلام و مجده، و نشر الضلال و الابتداع و حمايته في ربوع العالم الإسلامي يومئذ . و من ذلك التاريخ والمسلمون يخبطون خبط عشواء في ضلالة عمياء ، لا يرفعون للحق رأسا و لا يهتدون سبيلا . إن هي إلا الزوايا و السماع و الرقص و الشطحات ، و صحبة المردان ، و مخادنة النسوان ، و مشايخ الفتنة و الضلال يخبون و يوضعون في نشر الخرافات ، و اعتماد المنامات و لم يفيقوا إلا و أمم الغرب الكافر تطرق أبوابهم ، و تستولي على أوطانهم ، و تذيقهم ألوانا من الذل و الصغار ، و لم ينفعهم معها أقطابهم و لا أغواثهم المتصرفون في الكون ، و قد تعامى عزنان عن هذا كله ، و راح يتكلم عن التكفير و أحكامه ، و هو في هذا يهرف بما لا يعرف ، لأن تلك المسائل معروفة و لا علاقة لها بالرد على الغماريين الضالين المضلين ، الذين أفرزتهم عصور الظلام الدامس الذي أطبق على المسلمين ، والتاريخ لا يرحم ، و قد سجل بمنتهى البسط و البيان ما جرى خلاله من الحروب المذهبية بين الحنفية و الشافعية ، و كم سفكت فيها من دماء ، بَلْهَ السنة و الشيعة ، فإن العداء المستحكم والقتال بينهم كان و ما زال مستحرا بالعراق و باكستان و إيران إلى الآن ، و ما يجري الساعة في العراق من حرب إبادة للسنة ، و هدم مساجدهم ، و هتك أعراضهم ، و قطع رؤوسهم ، مستعينين بالصليبيين من دول التحالف و على رأسهم أمريكا ، و الأكراد المجرمون ، لا يكاد يجهله أحد ، و مع هذا فإن إمامكم أبا البيض كان يضمر للروافض كلّ حب و تقدير ، و لا أعرفه تعرض لهم بنقد أو بسب ، بل كان يشيد بمذهبهم ، و يقرظ كتبهم المنتنة كشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، و كتاب الألفيْن ، الفارقة بين الشك و المَيْن للحلي صاحب منهاج الكرامة الذي دمّره ابن تيمية رضي الله عنه بمنهاج السنة ، الذي يُعد غرة في جبين كتب العقيدة و الانتصار لها ، و الذي يسميه الغماريان أحمد و عبد الله : منهاج البدعة .


الطرة 10 :

ثم ذكر زعنان فصلا في نقد تقريظ المغراوي لكتاب (تنبيه القاري) و أشار إلى خطأ نحوي وقع من الشيخ سبق قلم ، لأنه لا يقع في مثله صغار الطلبة فضلا عن مثل الشيخ ، و أطال في النقد كما أشرنا قبل غافلا عما يقع منه من لحن فاحش متكرر ، و أخطاء في التركيب ، و ركاكة في الأسلوب ، و جهالة بالنظم ، حتى إنه لا يكاد يُقيم بيتا ، و هو في هذا كشيخه أبي الفتوح الذي بشره شيخه أبو البيض في تعبير رؤياه ، التي هي من الأضغاث ، أنه سيفوق الحراق شعرا و زجلا ، وأذكر عزنان بأن أبا البيض كان لحّانة ، و قد عثرت في كلامه على الكثير من ذلك ، فهو الأولى بالنقد من رجل فرطت منه لحنة ، و ألفت نظر البْريجي إلى (وقفات) بدر ، و قد لاحقه معدّدا عليه أغلاطا و أخطاءًا ؛ بلْه أكاذيب و فضائح جره إليها حظه السيء معنا .

الطرة 11 :

لم أشأ أن أتعقب مُحْدِث البيضاء و البْريجة في كل أخطائه ، لأن ذلك يطول ، و لا تخلو صفحة من صفحاته 172 من نبز و نبز بمناسبة و بدونها ، و لكني سأقتصر على بعضها ، فبعد أن شفى جواه من المغراوي التفت إليّ بوجهه الجهم الوَقاح ، و حمل علي لأني وصفت أبا البيض بالرفض ، و عني أخذ ذلك أبو سفيان و شيخه ، و أنا لم أصف أبا البيض بالرفض ، و إنما قلت في رسالتي للشيخ حمدي عبد المجيد حفظه الله ، و قد طلب مني ترجمة موجزة لأبي البيض ، بأنه كان غاليا في القول بوحدة الوجود ، (و كل الشر فيه ، كما يقول الذهبي) و أنه يتشيع ، و يقف على عتبة الرفض الخ ، هذا ما قلته ، و أنا و الإخوان ننطلق في هذا من قول ابن أبي حاتم و الإمام أحمد وغيرهم من أئمة السلف من أن الوقيعة في صحابي واحد كالوقيعة فيهم جميعا ، و أنهم يعتبرون من فعل ذلك رافضيا ، و معلوم أن أبا البيض كان يُعلن بتكفير معاوية ، و أبيه ، و عمرو بن العاص ، و المغيرة بن شعبة ، و سمرة بن جندب ، و عبد الله بن الزبير ، و غيرهم ممن نسيتهم ، و لم يكن بالتالي يقول بعدالة الصحابة كما أجمع المسلمون ، بل سجل بيده ، و خطه تحت يدي : أن أغلب الصحابة كانوا يبغضون عليا ، و هم بدلالة اللزوم منافقون لحديث (لا يحبك إلا مومن و لا يبغضك إلا منافق) ، و قد نقل أبو البيض عن ابن حجر نقلا أساء فهمه ، و زاد فيه أن العلماء حكموا بنفاق ابن تيمية –و حاشاه منه- لهذا الحديث ، و قد حاول أبو الفتوح إنكار ذلك عن شيخه، و زعم –دفعا بالصدر- أنه لم يكن كذلك ، و أطال في ذلك كذبا و تدليسا في رسالته التي كتبها لمريده الودراسي الذي هو أحد ضحاياه ، كما هو أحد ضحايا شيخه ، و لا لوم على الودراسي الذي صرح بأنه يتبع شيخه في الرفض ، و أنه إنما أخذ ذلك عنه و عن كتب أبي البيض ، و هذه رسالة الرافضي ابن عقيل (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) و هبها أبو البيض لذنبه الذي صرح مؤخرا بأنه تخلص منها بالحرق ، و لكن بعد خراب البصرة . و عبثا يحاول أبو الفتوح وزعنان التملص من هذا البلاء ، اللهم إلا بالتوبة النصوح و إعلان البراءة الواضحة من هذا الفكر الموبوء وأصحابه عملا بآية (..إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم) و لا يكفي في هذا نقل عن أبي البيض ناقض فيه نفسه ، و تظاهر بالاعتدال ، كما أنه لا يشفع لأبي الفتوح إخفاؤه لرسائله في المبشرات و ترجمة شيخه بدعوى أنه لا يرضى عن بعض ما فيها ، بل الواجب المحتم العيني أن يبادر إلى إعلان توبته بمنتهى الشجاعة الأدبية ، و يكتب ذلك في رسائل و بغاية البيان ، و يصارح الأنعام البشرية الذين ما زال يعيش على عرق جبينهم وبالتدليس و التلبيس ، و يوقف هرطقة السماع و الرقص اليهودي ، و يكف يديه و رجليه عن تقبيلهما و السجود له ، و يقتصر على التعليم و التفقه في الدين ، و لعله يفعل و نتمنى له ذلك ، وندعو له بالهداية ، و إن كنا نستبعد ذلك لرسوخ قدمه في الضلال ، و أن عروق الشرك مازالت تعاوده و تبض في عقله ، نسأل الله العافية .

الطرة 12 :

قال مُحْدِث (بضم الميم و كسر الدال مع التسهيل) البيضاء و البْريجة ، العلامة الرويبضة (ص20) : و أين وجد المراكشي و (أبو نبزة) و الفاري هذا –يعني الرفض- في كلام الشيخ الغماري الخ . و قد بينا مستندنا في وصفه بالرفض بكلام الأئمة ، و لكني سأترك هذا الساعة لمنازلة هذا القاذف الرقيع الذي نبزني بتغيير كنيتي (بوخُبزة) إلى (بونبزة) و قد تكرر هذا منه ، و هو يعلم –فض الله فاه ، و سعد من جفاه ، و حرمه نعمة الخبز ، و ضاعف عليه إثم النبز- أن هذا حرام لقوله تعالى : (.. و لا تنابزوا بالألقاب) ، و لكنه حين ارتكب هذه الجريرة مستحلا لها ، جعل لي السبيل للانتصاف منه ، و الرد بالمثل ، امتثالا لآية (و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) و آية (و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) و قد أباح عرضه وتجريحه بما تبناه من نصرة البدع و اعتناق الضلالة ، و الذب عن المبتدعة الضالين من الغماريين وغيرهم من العقلانيين ، و الروافض ، و الاتحادية ، و الأشاعرة ، و ليعلم أنني عمدت إلى اسمه (عدنان) فحوّلته إلى (عزنان أو زعنان ) ، و إلى (زُهار) فقلبته إلى (زُحار) بالحاء المهملة ، و هو اسم مرض خبيث من أمراض البطن ، و معلوم أن الأفارقة السود ينطقون الحاء هاءً فيقولون عن زُحار : زُهار ، ثم إن كنية (بوخبزة) قديمة جداً ، لأنها كنية جدي الأعلى أبي الحسن علي بن محمد العمراني الحسني دفين مجشر (أغبالو) بقبيلة بني عروس ، و قبره به مشهور معبود من دون الله ، و هو من أحفاد سيدي عمران بن خالد بن صفوان بن يزيد بن عبد الله بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و قد فر من وجه الطاغية موسى بن أبي العافية عامل الأمويين بالمغرب الذي كان يتتبع الأشراف الأدارسة ، بالقتل و التصفية ، و تردد مستخفيا بقبائل الهبط إلى أن توفي بقبيلة بني حسان ، و قبره معروف قرب (الجامع البيضا) كما ذكره الكتاني في ترجمته من "سلوة الأنفاس" ، و سلسلة نسبنا معروفة محفوظة برسوم الأنكحة وغيرها ، هذا هو المكنّى (بوخبزة) و أبناؤه منتشرون بقائل بني عروس ، و بني يدر ، و جبل حبيب، و غيرها ، و قد نص النسابون : ابن عرضون ، و سليمان الحوات ، و المسناوي ، و القادري ، والفضيلي ، و ابن الصادق الريسوني ، و ابن رحمون ، و أثبت نسبهم النقيب أحمد ابن عبد الوهاب في الكناش الإسماعيلي ، و كناش المولى محمد بن عبد الله ، و لم يشر أحد من هؤلاء إلى مطعن فيه ، بخلاف نسب شيوخك الغماريين ، و نسب شيخك الذي شحنك حقدا و بغضا للأبرياء من الأشراف الخُلّص ، أبي الفتوح لا فتح الله عليه إلا أبواب الشر و الفتن ، هذا نسبي من جهة الأب ، أما الأم ، فهي شريفة علمية من بني عبد الوهاب التيديين ، فأنا -رُغم أنوفكم- شريف النسبتين ، و شيخ الطريقتين ، كما كان يوصف إدريس الحراق و غيره من الأدعياء كذبا ، و لست –يعلم الله- أقول هذا اعتدادا به ، و اعتزازا بالنسب ، و للعلم : إنني لا أولي هذا اهتماما ؛ بل كل اهتمامي و اهتبالي بالعقيدة السلفية الصحيحة التي تلمزونها ب (الوهابية) حرمكم الله خيرها و نفعها ، لأنكم ناصبتم أهلها العداء . و صرح زعنان زُحار أنه أشعري ، و نوّه برموز الأشاعرة المعاصرين كأبي غدة، و البوطي ، و الشعراوي ، و عبد الله الغماري ، و من إليهم ، و لا أدري شيخه أبا الفتوح على أي دين هو الآن ، و لنسأل المُحْدِث البْريجي عن تأويل الصفات الخبرية و تحريفها المسمى "التأويل" ، إلا الصفات السبع ، و اعتقاد الكلام النفسي الذي لا يُقبل ، و لم يأت به عقل و لا نقل، و اعتبار السؤال عن الله ب (أين) كفرا ، و عن كون الله تعالى لا داخل العالم و لا خارجه ، و لا هو العالم ، و هذا وصف المعدوم كما قال أحد أساطين المماليك ، و قد سمعهم : هؤلاء القوم أضاعوا ربهم ! و عن اعتقادهم خلق القرآن ، و تصريحهم بأن هذا الذي نقرأه و نحفظه و نتعبد ربنا به ، و المحفوظ بين الدفتين ، و المقروء بالألسنة و المسموع المتلو ، و ليس هو القرآن المُوحى ، و إنما هو عبارة عنه ، و أن هذا الموجود مُحدث ، و أنه من إنشاء محمد أو جبريل ، هذه مسألة كلام الله تعالى التي لأهميتها أُريقت الدماء و انتهكت الأعراض ، و تفاقمت المحن ، و سُمي بها (علم الكلام) وهذه عقيدة الأشاعرة و الماتريدية ، لا الأشعري رحمه الله فقد ألهمه الله التوبة ، و أعلنها في كتبه (مقالات الإسلاميين و اختلاف المصلين) و (الإبانة عن أصول الديانة) و (رسالة إلى أهل الثغر) ، و هي كلها مطبوعة ، و تتضمن عقيدة السلف الصالح التي تمسك بها أبو الحسن ، إلا بقايا قليلة من رواسب الماضي ، و لا تثق بأبي البيض الذي ضرب عُرض الحائط بكل هذا ، و أصر على نعت أبي الحسن بالتجهم و الاعتزال عنادا و جهلا .

ثم تكلم زعنان عن مسألة التفضيل ، و أنكر أن يكون أبو البيض ردّ قاعدة عدالة الصحابة وأنه يطعن في كوكبة شريفة منهم ، و يعلن كُفْرهم و لعنهم ، و يدعو إلى ذلك باللسان و القلم ، ولذلك نعتناه بالرفض اعتمادا على حكم أئمة كبار السلف ، و هو يستقي في هذا من شيخه و مُضلّه أبي الفتوح الذي حاول ستر الشمس بالغربال ، نعم نحن لا نقول بأن أبا البيض كان يقع في الخلفاء الثلاثة أبي بكر و عمر و عثمان ؛ بل كان يترضى عليهم ، و يؤمن بخلافتهم ، و لكن شيطان التصوف و التشيع و التقية لم يمهله حتى أفسد عليه عقيدته فزعم أن تلك الخلافة سياسية ظاهرة ، وخلافة باطنية عرفانية ؟ ثم إنه مع اعترفه بالخلافة السياسية الظاهرية ، كان يعتقد فضل علي عليهم وعلى سائر الصحابة ، و يؤمن بالوصية و ينعت عليا بالوصي كأسلافه الروافض ، و هذا مثبت في كتابيه (جؤنة العطار و البرهان الجلي) و غيرهما ، و هنا كلمة حكيمة هي كفيلة بتنبيه من انحرف مع توفيق الله و عنايته ، و هي قول غير واحد من علماء السلف (كأيوب و الدارقطني) : "من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ". على عثمان فقط فكيف إذا تجاوزه إلى الشيخين !؟ و هي –كما ترى- كلمة فصل أصابت كبد الحقيقة ، لأنها عقيدة الصحابة كلهم ، و من اعتقد غيرها فقد عاب الصحابة و رماهم بما لا يجوز من العناد ، و مخالفة الحق ، و الاجتماع على الباطل ، و حاشاهم رضي الله عنهم و أرضاهم ، و قمع من وقع فيهم و قلاهم ، ثم أفاض عزنان زحار في الكلام على عقيدة أبي البيض ، و أنها سلفية صرفة ، و احتج بفصول من كلامه في بعض رسائله ، ومنها رسالة –قال خيب الله ظنه ، و أبكى سنّه : في رسالة خاصة إلى بعض تلامذته الخائبين –يعنيني- ما مفاده أنه يشيد بما أشار إليه الهلالي من قراءة اجتماع الجيوش لابن القيم الخ ، و هذا تأييد أعرج ، لأنه كان يؤمن ببعض الصفات الخبرية ، و يذهب إلى التفويض ، و لم يكن على علم بمعناه تماماً ، و هو مناف لمذهب السلف المؤمنين بمعاني الصفات كلها ، و إنما كانوا يفوضون في الكيفية فقط ، علاوة على إيمان أبي البيض بأن المعية ليست بالعلم ، بل بالذات ، يعني –عامله الله بما يستحق- أن الله تعالى عما يقول موجود بذاته في كل مكان كيفما كان ، حتى الحُشوش و المزابل ، و أنه لا يخلو منه زمان و لا مكان ؛ بل يعتقد أنه سبحانه عن افتراء المفترين ، و جهالة الجاهلين ، عين المخلوقات ؛ بل كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم حاضر بنفسه في كل زمان ومكان ، و لا يخلوان منه ، و نسخ بيده رسالة للحلبي ما زالت بين كتبه التي باعها للإسبان بخزانة تطوان ، و قد طبعت في ملزمة صغيرة بمصر يذهب صاحبها الملقب بنور الدين أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم هو الإنسان الكامل كما يقول عبد الكريم الجيلي أحد غلاة الاتحادية ، الذي أغوى أبا البيض فتورط في هذا الوحل الوثني ، و هو اعتقاد أن النبي هو أكبر مظهر إلاهي في الأرض ، و لعل زعنان سمع من إمامه الدّعي أن أبا البيض كان من المهووسين المستهترين بوحدة الوجود ، الدعاة إليها، و الراقصين على أنغامها ، الهائمين بتذوقها !؟ و سنبين هذا في فصله ، فهل هذه عقيدة السلف الصالح ، أم عقيدة إبليس و حزبه الذين يكيدون الإسلام ، و يعملون على تخريبه من الداخل .

الطرة 13 :

ثم خلص مُحْدِث البيضاء زَعنان إلى مسألة بناء القباب على القبور ، و رسالة أبي البيض المسمّاة (إحياء المقبور ، بأدلة استحباب بناء المساجد و القباب على القبور) و قد تكفل الشيخ الألباني رحمه الله و رضي الله عنه بالرد عليها رداً غير مباشر ، و نسف مبانيها المنهارة من قواعدها ، و قد ألهمني صدورها منذ سنين إلى جمع اثنتين و أربعين حديثا و بعض الآثار الموقوفة في لعن البناء على القبور ، و الصلاة إليها و عليها ، و بطلان الصلاة فيها ، و ذيلتها بكلمة مركزة في الرد على الشيخين أحمد و عبد الله ، مع قصيدة في الموضوع ، و قد طبعت الأربعون بالبيضاء مع تصحيف كثير ، للأسف !! فلعل عزنان وقف عليها ، و هو يغضب و يثور ، حتى إذا سكت عنه الغضب أخرج من بين فرث الكفر و دم الإلحاد رسالة يُحاد بها الله و رسوله ، و لعله يراجع شيخه أبا الفتوح فقد تغير اجتهاده فيها و فاء إلى أمر الله ، و قد حاول عزنان أن يهون من المسألة ، و يجعلها مسألة اجتهادية لا علاقة لها بالعقيدة ، و لكنه لبلادته لم يفهم العلاقة ، و هي كالشمس في رابعة النهار ، لأن النهي و اللعن و الوعيد بِشَريّة الخلق ، مُعَل بالفتنة بالمقبور ، و التعلق به و الاستغاثة به ، كما هو واقع ملموس في مشارق الأرض و مغاربها ، و لعله قرأ في إحياء مقبوره قول أبي البيض : إن الصلاة في الزوايا و المقابر أفضل من الصلاة في المساجد الخالية من القبور لافتقادها الشبه بالمسجد النبوي ؟ و هذا بلا شك من إلهام الشيطان له و لا يعرف عن غيره ، و زاد أنه قال عن حديث أبي الهياج الأسدي المروي في صحيح مسلم أنه لا يصح أو أنه مؤول ، هكذا ، و جاء بعده شقيقه عبد الله فألّف أوراقا سماها (إعلام الساجد ، بمعنى اتخاذ القبور مساجد) زعم فيها أن الأحاديث المتواترة الواردة في الموضوع كلها غير صحيحة لمخالفتها للواقع ، يعني أن اليهود و النصارى لا يبنون القباب و المباني على القبور ، و هذا تكذيب علني منه للرسول صلى الله عليه و آله و سلم دون حياء و لا دين ، و إنكار للمحسوس ، و هذه كنائس اليهود و بِيَع النصارى منذ قُرون مبنية على أنبيائهم وصالحيهم : بإسبانيا على قبر الحواري يعقوب ، و قبة الفاتيكان تبعث السهام لعينيْ المبتدع الوقح ، و هي مبنية على قبر الحواري بُطْرس ، و كنائس روما و اليونان و فرنسا و غيرها من مدن أوربا القديمة ، تقوم على سراديب تحتها مشحونة بالجثث و القبور للقديسين ، و في المغرب ثلاثة قبور لأولياء اليهود بوزان و خارجها و الرشيدية ما زال اليهود يحجون إليها لعنهم الله و أخزاهم ، فأين ذهب عقل الشيخ وعد الله عن هذا ؟

الطرة 14 :

ثم أشار عزنان ، خيّب الله سعْيه ، إلى مؤلفات أبي البيض و أشاد ببعضها ، و من نشرها من أثافي الضلال ، و منها (بيان تلبيس المفتري) الذي زعم أن الأخ علي بن حسن الحلبي ، من أنبغ تلاميذ الألباني سطا عليه و نهبه (هكذا) ، و ادّعى أن شقيق المؤلف و عدوه اللدود أهداه للشيخ بكر أبي زيد الذي دفعه لعلي حسن فنشره ، و لله دره ، و عزنان هنا يهرف بما لا يعرف ، لأنه لصغر سنه لا يعرف جلية الأمر ، و هل في نشر كتاب من نسخة مهداة من شقيق المؤلف سطو و نهب ؟ من قال هذا لا يعرف معنى السطو الذي هو ديدن الغماريين إلا الشيخ الزمزمي ، و عليه


درج ذنبهم الأبتر أبو الفتوح ، و أهمس في أُذُن عزنان –رماها الله بالصّمم- أن الأخ عليا الحلبي أعلم من الغماريين ، و أرسخ قدما ، و أعلا كعبا ، و هذه آثاره مبثوثة بالعشرات رافعة عقيرتها بقول القائل : [الخفيف]

ِتلْكَ آثارنا تدلُّ علينا ** فانظروا بعدَنا إلى الآثارِ

مع اختلاف الغرض ، و أن رصيفه المحدث المحقق مشهور حسن سلمان ، يجر ذيول النسيان ، على الغماريين و أذنابهم في هذا الشان ، بلْه إمام المحدثين في ربوع مصر أبا إسحاق الحُويني سَلّمه الله وأيده ، و قد أحيا الله به رسوم الحديث و الإسناد و ذكرى الحافظ ابن حجر و تلميذه السخاوي رغم أنف المعاندين ، فبعد وفاة أبي الأشبال الشيخ أحمد بن محمد شاكر لم يأت من يخلفه حتى أنجبت (حُوَّين) بالقرب من مدينة كفر الشيخ هذا العلامة الأحوذي الذي ثافن الشيخ الألباني و نفض كتبه، و سار على دربه ، حتى شهد الشيخ بقوته ، و اعترف بإمامته ، و أصغى إلى تعقباته ، و هذه كتبه وتحقيقاته بالعشرات تشهد بشفوفه ، و علو كعبه ، و لو اجتمع الغماريون و مريدوهم كأبي الفتوح و السقاف السخاف ، و المقبوح المصري ، و المسخوط المغربي ، لم يستطيعوا الإتيان بغوث المكدود، أو بذل الإحسان ، أو تنبيه الهاجد في ست مجلدات في التعقب على الحفاظ ، و لو قارن زعنان وشيخه بإنصاف بين هذا الكتاب و رسالة (ليس كذلك) للمسا البون الشاسع بين الرجلين ، و فضل الله لا يحجر ، و قد كان أبو البيض وحيدا بالمغرب يصول و يجول ، و لكن الله آذن بنسخ آيته ، وظهور جماعة من أهل الحديث على رأسهم الإمام ناصر الدين الألباني ، أنسوا ذكره ، و عفوا على أثره باعترافه هو ، و أحسن كتبه في هذا المجال (المداوي) ، و قد قرأت بعضه مخطوطا بمنزل الشيخ بطنجة ، و استنكرت حملته الظالمة على المناوي التي تجاوز فيها الحد ، حتى إن شقيقه المغفّل عبد الله اعترف كما في مقدمة الطبعة أنه حذف منها أشياء ، و الجدير بالذكر أن الكتاب وصل الشيخ الألباني و هو مريض ، فلم يستطع مع الأسف تتبع أوهامه و أخطائه العلمية الكثيرة ، و نبه على بعضها في مجلداته الأربعة الأخيرة من موسوعته الفريدة الرائعة (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة و أثرها السيء على الأمة) و نقد صنيع أبي البيض نقدا علميا مسدّدا دون شتم و لا تجهيل ، و قد كنت

نبهت عزنان في آخر رسالة مني إليه أن يُعنى بكتب الألباني و يدرسها بجد حتى يعرف علوم الحديث و يتذوقها إن كان أهلا لها ، لو أراد الله به خيرا ، و لكنه أصغى إلى الأبالسة ، و جرفه تيارهم فاتخذوه بوقا يُجاحش عنهم ، و يُحامي ، و لكن الله تعالى قيضنا له ، فنحن له بالمرصاد ، نعيده إلى جُحره ، و نعرفه قدرَه ، و أنا أحمد الله كثيرا أن ألهمه حذف اسمي من قائمة شيوخه و مجيزيه ، فأنا لا أحب و الله أن أذكر مع الغماريين ، فكيف مع مقبوح ، و السقاف ، والكرفطي ، و من يبصق على أسمائهم التاريخ ، و يُعلن بالتنديد و التوبيخ ؟ و قد ذكرت بالمناسبة قول عزنان في إحدى رسائله إلى أن شيخه الدكتور الزنيفي البيضاوي قال له عن أبي البيض : من لم يعرف أحمد ابن الصديق فلا يلومنّ إلا نفسه ، و قد ضحكت كثيرا لسماع هذه الأفكوهة ، وأجبت قائلها في رسالة لزعنان بأن القائل لو عكس لأصاب ، و أعني لو عرف إنسان أبا البيض و مذهبه وعقيدته و تابعه عليها فلا يلومن إلا نفسه ، و قد أشار زعنان في أثناء كلامه عن رسائل أبي البيض أن شيخه الكرفطي جمع رسائل شيخه أبي البيض (إليه خاصة) و طبعها باسم (در الغمام الرقيق) ، وهذا دليل على جهله و تسرعه و أنه لم يقرأ كتاب شيخه الذي نص في مقدمته أنه جمع معها رسائل لبعض الناس الخ ، و الواقع أنه سطا –أصاب الله يده بالشلل ، و عقله بالعِلَل- على أكثر من عشرين رسالة علمية، دون استئذان و لا شكران ، و زاد على ذلك تهديدي أخزاه الله و رد كيده في نحر

الطرة 15 :

و هذه أخلاق الصوفية ، و تربية الزاوية ، قطع الله دابرها (وَكْرُ الفُجور ، و نَبْعُ زُور) كما قلت في قصيدة من الشعر الحُر نشرت قديما في جريدة (النور) بتطوان ،و إليك نصها :

في البيت أربع نسوة و الخادمات .. و الزائرات .. يا هل ترى يسلمن من فحشائه ؟ شيخ الطريقة عندنا ، لص بشوش .. و المسبحة شباك صيد رؤيا المنام سبيله نحو الجيوب سمسار أدنى و أهون ما يبيع إذا انتشى جنات عدن و الزاوية وكر الفجور ، و نبع زور مأوى المخانيث الشاطحين على المكا و التصدية لا يعرفون سوى الغناء و الخمر تحسى و الحشيش قرآنهم للبيع و لـ (فدية) يتلى على القبور هم يكتبون … و يشعرون كذب و تضليل و زور هم يكتبون .. شيخ الطريقة علة شقيت بها الأديان و كذلك الأوطان رمد بعين الدين


سرطان في كبد اليقين لا ينهض الإسلام من كبوته

و بجسمه هذا المخدر من غفوته هذا الوباء المنتزي (شيخ الطريقة)

ثم أشار في نهاية الفصل إلى الرد على المغراوي الذي أشار إلى ميل المستشرقين و المبشرين إلى تأييد الصوفية و الطرقيين ، و أنهم مازالوا يُولونهم اهتماما خاصا الخ . و هي حقيقة لا ينكرها إلا جاهل غِرّ ، و معروف أن المراكز الثقافية في أوربا و العالم العربي لا تهتم غالبا إلا بكتب الصوفية العريقة في الكُفر و الشطح ، و قد طبعوا من ذلك العشرات ؛ بل لا تكاد تجد كتابا بهذا الشكل إلا و تجدهم طبعوه بأوربا ، و يطول بنا القول إذا أردنا بسط الكلام فيها ، أما كتب الحديث و العقيدة السّلفية ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، و تلاميذه ، فإنهم يُولونها خبالا و إعراضا و يحذرون منها ، يساعدهم في ذلك غلاة الصوفية المجرمون ، و هذا أميرهم عبد القادر محيي الدين الجزائري الذي كان يسعى لنفسه ، و هاجم المغاربة مرارا أيام الملك محمد الرابع ، و لكنهم دحروه ، و هزموه ، كما شرحه الناصري في الاستقصا (الجزء الأخير) ، و هو صاحب كتاب (المواقف) الذي استقاه من (الفتوحات المكية) ؛ بل (القبوحات الهلكية) على حد تعبير الحافظ البلقيني . و ذكر المؤرخون أنه كان يبحث عن كتب ابن تيمية بالخصوص بالشراء أو السرقة و يحرقها ، أحرق الله شِلْوَه ، كما أشار إليه الألباني في مقدمة (الكلم الطيب) لابن تيمية ، و قد خيب الله سعي الأمير و من لَفَّ لَفّه من مُخرفي الصوفية ، فقيض لمؤلفات شيخ الإسلام من تتبعها من خزائن العالم و جمع منها المآت ، و طبع منها ما تقر به أعين الموحدين ، و تثلج صدور المومنين ، و ما زال البحث جاريا ، و يظهر منها بين الفينة و الفينة ما ينشرح له الصدر و يستنير العقل ، و لكن خفافيش الظلام من الصوفية يتأذون من رُؤيتها ، و قد قال أبو البيض -كما تقدم- بأنها سبب الضلال ، و ما ضل من ضل إلا بقراءتها ، والهُدى و النور عنده في قراءة : الإبريز ، و طبقات الشعراني ، و جامع كرامات الأولياء ، و جواهر المعاني ، و نحوها ، (و إن كان يكره هذه ، و يعتقد كفر صاحبها التجاني) ، و بالمناسبة أقول بأن أبا الفتوح رجع عن تكفير التجاني الذي قال به زمنا تبعا لشيخه ، و أثبته في ترجمته (الأنيس و الرفيق) ، و ربما فعل هذا عناداً لخصمه الشيخ الزمزمي ، و أخبرني من سمعه يُثني على التجاني و يقول عن كُفْرياته بأن مثلها معهود عن الأولياء ، و نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر .


الطرة 16 :

ثم تكلم متعالما ناقلا عن الغزالي في موضوع الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، والورع ، و ما يتعلق بذلك مما لا علاقة له بجرائم أبي البيض ، ثم أشار [ص 27] إلى أن أبا سفيان مصطفى رمى الشيخ أبا البيض بالزنى و اللواط [ص2] من (تنبيه القاري) ، و لما رجعت إلى الموضع الذي أحال عليه من الرسالة لم أجد شيئا ! و الواقع أن الذي رمى الشيخ بذلك و بغيره هو شقيقه الزمزمي في رسالته (تعريف المسلم بمن يدّعي السنة و هو كذاب مجرم) ، الذي أحرقه بعد وفاة شقيقه كما أخبرني بذلك ولده أبي ، و قد كذّبني في ذلك المسْخوط عزنان بدون حجة و وصفني بالخيانة ، كما سيأتي تفصيله قريبا ، كما رماه بذلك أحمد خيري باشا المصري تلميذ الكوثري وصاحبه عزت العطار في بيانين أسودين ، نعوذ بالله مما اشتملا عليه ، و الله أعلم به ، و قد ردّ عليهما الأخ بدر ، وبعد أسطر قليلة عاد هائجا مزمجرا مدفوعا من شيطانه ، فأطلق لسانه ، قطّعه الله و أصابه بسرطان ، فرماني بالكذب ، و الخيانة ، و الفسق ، (و من أشراط الساعة كما ورد : أن يُخوّن الأمين ، ويُؤتمن الخائن) فأنكر أن يكون للشيخ الزمزمي رحمه الله كتاب بهذا الإسم ، و أن (بونبزة) يعنيني اخترع هذه الأكـذوبـة ، و زعم أن الزمزمي أحرق الكتـاب ، و قال بأنه سأل عبد الباري الإبن الأكبر للزمزمي فأنكر هذا جملة و تفصيلا ، و قد أحسن الأخ بدر العمراني فنقل في (وقفاته) كلام الشيخ الزمزمي نفسه نقلا عن كتابه الجديد (رسائل في الصيام) المطبوع حديثا ، وفيه تصريح الشيخ بأنه ألف الكتاب ، و تبقى مسألة حرقه فليُسأل عنها ناشره الأخ أُبي حفظه الله ، كما نقل بدر عن أبي البيض أنه كان على علم بتعريف المسلم ، و زاد معرفته بالبلاء الأزرق ، و المتوقع من الكذوب الوقح المتعالم المغرور ، أن يسارع إلى التكذيب ، لأنه فاقد الحياء (و إذا لم تستح فاصنع ما شئت) كما ورد ، ثم عاد إلى الكلام على شروط الأمر بالمعروف ، نقلا عن الإحياء ، والمراد النفخ في الرسالة حتى يمتلئ بطنها ، ثم لفت الأنظار إلى جرائم المجتمع ، و المحرمات المعلنة ، وأن الأولى كان بالسُّفياني و شيخيْه أن يتوجها لتغيير ذلك ، في كلام بارد فاشل ممجوج ، و كأننا لا نعلم شيئا من ذلك ، و قد تركنا له القيام بذلك لأنه الواعظ المتميز !! ألا تراه أعلن نفسه في صورته الملونة بغلاف رسالته أسفل صورة شيخه أبي البيض ، و هو متعمم بالصفرة ، و فاتح يديه يتلقى الوحْي من إبليس ، و الميكرفون نصب فمه ، و العلم المغربي خلفه كما ذكرنا سابقا ، و نقلنا عن الإمام أحمد أنه فضّل من يقوم بالتنبيه على البدع في الدين و محاربتها ، على من يقوم الليل و يصوم النهار ، و قال : هذا يعمل لنفسه ، و الأول لنفع الناس ، كما أن سفيان الثوري رضي الله عنه قال : إن إبليس يفرح بالبدعة و أهلها ما لا يفرح للعصاة المنحرفين ، قال : لأن العاصي يعصي و هو يعلم أنه يعصي فتُتوقع منه التوبة و الإقلاع قريبا ، بينما المبتدع يُخرب الدين و العقيدة و هو فرح مسرور، و يعتقد أنه يجاهد و يعبد الله كما تراه عند الطرقيين ، و إتماما للفائدة ، و إرغاما لزعنان الأفاك الدّجال المتوقح ، ننقل نصاً مهما مثيراً كتبه الشيخ الزمزمي رحمه الله بقلمه في طليعة رسالته (رفع الستار ، عن أغلاط توجيه الأنظار ، لتوحيد المسلمين في الصوم و الإفطار) [ص57] ، وهذا ننقله مع التعليق على فقراته بين قوسين ، من باب (وشهد شاهد من أهلها) ، قال : [و بعد : ففي هذه الأيام وقع بيدي كتاب مكتوب على ظاهره ما يأتي "توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم و الإفطار . تأليف الشيخ محيي السنة و مميت البدعة أبي الفيض أحمد بن الشيخ سيدي محمد بن الصديق" . هذا ما كتب على ظاهر ذلك الكتاب .. و أظنك إذا قرأت هذا العنوان .. اعتقدت أن صاحب الكتاب حريص على اتحاد المسلمين و اجتماع كلمتهم في كل شيء .. حتى في الصوم والفطر ! و لكن الحقيقة بخلاف ذلك .. فإنه لا رغبة له في اتحاد المسلمين في الصوم و الإفطار ، و لا في الحج و الصلاة ، و إنما ألف هذا الكتاب عنادا و غراما بالجدال الذي هو دأبه و ديدنه ، و مجاراة لأهواء أبناء هذا الوقت الذين يحبون التشبه بالفرنج في كل شيء .. حتى في الصيام و الأعياد ؛ فهم لأجل ذلك يحرصون على أن يكون العيد عند المسلمين كلهم في يوم واحد كما يكون عند الأوربيين كلهم في يوم واحد (قال أبو أويس : هذا فهم غريب لم يخطر بالبال) . و كما أنك قد تعتقد ما ذكر اغترارا بعنوان الكتاب .. كذلك قد تغتر بما حلي به مؤلفه من إحياء السنة و إماتة البدعة ؛ فتظن أنه محيي السنة حقيقة ، مع أنه ليس كذلك ! و كيف يكون محييا للسنة و هو يرد الأحاديث الصحيحة الصريحة بالتأويل البعيد ، و التعسف البارد .. انتصارا لهواه و اتباعا لشهواته ؛ الأمر الذي أنكره على المقلدة و كفرهم لأجله !؟ فقد خالف الحديث الصحيح الصريح الذي حدث به رسول الله صلى الله عليه و سلم- قبل وفاته بخمس ليال ، و نهى فيه عن اتخاذ القبور مساجد .. بتأويلات باطلة ، وتعسفات مضحكة ، و مكابرة ظاهرة !


(قال أبـو أويس : زعم أبو البيض في إحياء مقبوره أن حديث أبي الهياج الأسدي –و هو في صحيح مسلم- لا يصح أو مؤول ، و لم يخالف هذين الحديثين فقط ؛ بل جمهرة الأحاديث المتواترة معنويا ، و قد جمعت منها نيفا و أربعين و هي مطبوعة ، كل هذا لأجل الزاوية دمّرها الله) و خالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم تشبه النساء بالرجال و الكفار .. و أعرض عن العمل بها بلا عذر و لا دليل مقبول ؛ بل بالتأويل البعيد والتعسف البارد و ملاحظة المعنى الباطل الذي هو الشهوة و اتباع الهوى و مجاراة النساء في أهوائهن ! (قال أبو أويس : و لعله يعني ما كان أبو البيض يأمر به أزواجه الأربع من صبغ شفاههن ، و قص شعورهن ، و نتف حواجبهن ، و نحو ذلك) و خالف الحديث الصحيح الوارد في النهي عن الصلاة إلى القبور بلا علم و لا هدى و لا كتاب منير ؛ بل بالتأويل الذي كفر به المقلدة و جعلهم لأجله مشركين ! (قال أبو أويس : يعني إذنه بدفن الأموات في زاوية أبيه قرب المحراب ، و بيع القبور بأموال طائلة ، مع نصه في إحياء مقبوره ، أن الصلاة في المقبرة و إلى القبور و عليها أفضل من الصلاة في المساجد الخالية من القبور لافتقادها التأسي بالمسجد النبوي ، و من العجائب أنه ناقض نفسه –و لا بد لكل مبطل أن يقع في التناقض- في رسالة "الاستنفار لغزو التشبه بالكفار" فعقد بابا في تحريم اتخاذ القبور مساجد لما فيه من التشبه بالكفار ، فاعتبروا يا أولي الأبصار) . و خالف القرآن و السنة و الإجماع و القياس في إتيانه الكهان .. و تصديقهم ، بالتأويل الباطل ، و المغالطة المفضوحة التي هي إلى الزندقة أقرب منها إلى التأويل !! (قال أبو أويس : و هذا معروف عن أبي البيض و استمر عليه إلى وفاته ، و في رسائله الأخيرة إليّ إخباره بأقوال المجاذيب و الحمقى (و أهل الحساب) و تبشيرهم بقرب الفرج العام و أنه في سنة 79-80 ، و قد تبخر ذلك كله ، و توفي الرجل و توالت الكوارث على المسلمين إلى الآن ، و كان بطنجة مجنون قصري يقال له : أحمد الطرداني ، يعتقده أبو البيض و يغشى منزله ويفعل فيه ما يشاء ، و حدثني بعض الثقات أنه كان يخرج لزيارته بمكان بضواحي طنجة ، فإن وجد باب البيت مفتوحاً استأذن و دخل ، و إلا بقي في انتظاره منكس الرأس حافيا ، و ذكر في (الجؤنة) أنه كان يتردد إليه بمنزله بالقاهرة مجنون أحمق فاسي سماه و نسيته و هو لابس قميصاً فقط ، و مُدمن خمر يشرب منه ما يُسمى الزبيب ، فإذا هاج مزق قميصه فيمشي مكشوف العورة ، و يأتيه النساء بمناديلهن فينظر فيها ، و يخبر بما سيقع لهن ، و الشيخ مؤمن بذلك ، و من أخبار الطرداني هذا أنه أخبر عن دار أبي البيض بسوق البقر بطنجة أنها لا تُباع ، و تَعَثَّرَ بيعُها بعد وفاته ، فقال المغفلون (و منهم بعض إخوته) : إنها نبوءة فلان ، و لكنها بيعت أخيرا ، و بلغ زوجي نصيبها منها) . وخالف السنة في تزويق المسجد و زخرفته ، و تفريشه بالزرابي .. بالتأويل الذي شنع به على المقلدة و كفرهم لأجله ؛ فقال في (إحياء مقبوره) : "و أجازوا –يعني المقلدة- تزويق المساجد و فرشها بالحصر و الزرابي ، لأنه أدعى للاحترام ، و لما فيه من مصلحة المصلين .. مع أنه ورد النهي بل الوعيد على ذلك" انتهى بلفظه!! (قال أبو أويس : و قد ذكر المؤلف –أعني : الشيخ الزمزمي-في كتابه الفاضح (الزاوية) ما جرى في بناء الزاوية بعد وفاة والدهم ، و كيف جمع أبو البيض الملايين من أهل طنجة المساكين ، و صرفها في تجديد الزاوية و زخرفتها ، و بنى على قبر والده قبتين اثنتين ، و هو محدث سلفي أثري خادم الحديث يعرف حديث : "ما أمرت بتشييد المساجد " ، و أثر "إذا زخرفتم مساجدكم فالدمار عليكم " ، و أذكر أنني قرأت منذ عقود من السنين في كتابه (تشنيف الآذان) الذي نصر به البدعة : أنه يحب أن تكون المساجد أعلا و أجمل و أبهى من قصور الملوك والأثرياء لأن الله تعالى أمر برفعها (في بيوت أذن الله أن ترفع) ، و هو يفسر الرفع بالزخرفة و التشييد و المرمر و الزليج ، و هذا ما يذهب إليه فقهاء فاس الذين يكفرهم أبو البيض) . وخالف السنة والإجماع و القياس و الاستحسان ؛ بل و الملل كلها في بيعه المساجد وأحباسها .. بالتأويل الذي هو في الحقيقة تلاعب بالدين ، و استهزاء بآيات الله تعالى !! (قال أبو أويس : و خلاصة ذلك أن جد أبي البيض أحمد بن عبد المؤمن (مول اللحية الطويلة ، السّبع الأصفر ) فتح زاوية بحي (رأس الرخامة بتطوان) و هو من كبار تلاميذ العربي الدرقاوي ، و كان وقتها بتطوان محمد الحراق ، وعلي الريسوني ، و قد فتحا زاويتين و أغلب مريديهم من أهل البلد ، و لا سيما الريسوني ، فقد استقطب رجال المخزن و السلطة و الثراء و الجاه ، و لما لم تقبل على التجكاني إلا فلول من البدو ، كر راجعا إلى بلده ، و بعد وفاته جاء ولده الحاج الصديق –و هو من الأولياء الكُمّل عند حفيده أبي البيض- إلى تطوان ، و باع الزاوية –و فيها قبور- إلى يهودي ، و قد غيّر معالمها ، و أخرج منها محلات للكراء ، و لما رأى ذلك (زِيوْزِيوْ) الدرقاوي أدركته الغيرة فاشترى ما تبقى من الزاوية ، و وهبها لوالد أبي البيض الذي سلمها لفقرائه فبنوها زاوية ، و عمروها بالسماع و الرقص ، و كان أهل الشيخ إذا قدموا من البادية نزلوا في الزاوية ، فوقعت الشكوى منهم مرارا ، فلم يكن من أبي البيض إلا أن باعها للريحاني ، و باع أرضا موقوفة عليها ، و استقال الريحاني أبا البيض فأقاله ، و باعها لغماري خباز يقال له : أكَعْرير ، و بعد ثورة الشيخ على الإسبان التي كانت حماقة ، و نفيه ، انتهز الفرصة صهره و ابن عمته ، و رفع عليه دعوى مستعينا بالإسبان فحكم له القاضي أحمد الشدادي الذي كان يُكِنّ للشيخ أشد العداء لنكفيره إياه من أجل استسقائه بذبح فرس و كتابة آيات على جمجمته ، و رميه في بئر ، و سكن الصهر الدار التي فوق الزاوية ، و بعد وفاته باع ولده الدار ، وأكرى الزاوية ، و هكذا تفعل الزاوية بأهلها ، نسأل الله العافية) في مسائل أخرى .. ذكرتها برمتها في كتابي (تحذير المسلم ممن يدعي العمل بالسنة و هو كذاب مجرم) . انتهت كلمة الزمزمي التي نقل منها الأخ بدر تصريحه بكتاب (تحذير المسلم) ، و كنا أخطأنا في تسميته ب (تعريف المسلم) والخطب سهل ، و نقل بدر في مواقفه عبارة لأبي البيض يشير فيها إلى الكتاب و كتاب آخر سماه (البلاء الأزرق) و قد حاولت مرة السعي بين الإخوة الغماريين في الصلح و إصلاح ما أفسده القتّات أبو الفتوح طيلة سنوات بالتجسس و الكذب و النميمة عامله الله بما يستحق ، و وجدت ذات البين مختلفة بينهم لا يمكن إصلاحها ، و قد أبدى أبو البيض تجاوبا مشكورا معي ، و صرح لي بأنه على استعداد للذهاب معي إلى الشيخ الزمزمي حافيا إذا قبله ، قال : أما عبد العزيز فلا يمكن الصلح معه لما فرط منه مما يمس العرض ، و ينافي الأخلاق ، علاوة على الجاسوسية و كشف أسراره للإدارة الفرنسية ، كما أجاب إلى الصلح مع عبد الحي ، و لما ذهبت إلى الشيخ الزمزمي لمنزله الأول بالقصبة ، و ذاكرته في الأمر ، غضب و ثار و صاح ، و علا صوته ، و تمعّر وجهه ، حتى رحمته ، وجاءني برسائل ثلاث (تحذير المسلم) و لعل الأخريين : (البلاء الأزرق) و نسيت الثالثة ، وقرأ علي فهرس الأولى ، و قال لي : لن أعيركها ، و ما زلت أذكر : باب في عقوقه ، باب في زناه ، باب في قطعه للرحم ، باب في لواطه الخ ، هذه الرسائل هي التي أخرجها إلى صحن الدار ، و أضرم فيها النار ، قائلا : إن المقصود بها كان أبا البيض و قد توفي ، هذا ملخص ما جرى حول الرسائل التي أنكر وجودها ، و زعم أنه سأل عنها عبد الباري فأنكرها ، و ها هو والده يعترف بها ، و كذلك أبو البيض ، فمن تصدق إن صح اتهام الزنديق زعنان زُحار ، ردّ الله كيده في نحره ، و أولاه الفشل في جميع أمره .

الطرة 17 :

و في ص 29 : عاد الخائب إلى عادته في التكذيب المجرد ، و ما أسهله على من رق دينه ، و ذهب يقينه ، و استمرأ الدعوى ، في الجهر و النجوى ، و كرر تأكيده أن مصطفى السفياني لم ير من كتب أبي البيض شيئا ، و أن جميع ما حوته الرسالة هو من بنات أفكار (بونبزة) ، و ليس له فيها إلا قبول وضع اسمه عليها ! هذا لفظه كرره مرارا حتى أملّ ، و لكن ما العمل فيمن فقد الحياء و الخوف من الله ، و لجّ في الصفاقة و الحماقة حتى استحق أن يُنشد فيه ما قيل في مثله : [الكامل]

لو أن لي من جلد وجهك رقعة ** فَأَقُدُّ منها حافراً للأشهب

و قديما قيل في الحمقى : [البسيط]

لكل داء دواء يستطب به ** إلا الحماقة أعيت من يداويها

فمن يسارع إلى التكذيب المجرد ، و الدفع بالصدر ، و المكابرة الفاضحة ، لا ينفع معه الدليل ، و لا تجدي البينة ، و لله در من قال : [الخفيف]


والدَّعاوَى ما لم تُقيموا عليها ** بَيِّنَاتٍ أبناؤُها أَدْعِياءُ و هو القائل : [الخفيف]

وإذا البيِّنَاتُ لَمْ تُغْنِ شيئاً ** فَالتماسُ الهُدَى بِهِنَّ عَناءُ

ثم أخذ على مؤلف (تنبيه القاري) اعتبار نفسه حكماً بين الأئمة ، كالكوثري و أفاض في الثناء عليه و إطرائه ، و نقل كلام مادحيه ، و عمي عن ذاميه ، و على رأسهم و من هو أبلغهم في القدح والتجريح و التجريم : الشيخ أبو البيض الذي أفرد في تناقضات الكوثري فقط مجلدا طبع ، و هو (بيان تلبيس المفتري ، محمد زاهد الكوثري) و قبله الإمام النقادة النفاعة ذهبي العصر : الشيخ عبد الرحمن المعلِّمي اليماني في كتابه الرائد (التنكيل ، لما أورده الكوثري في تأنيب الخطيب من الأباطيل) و كتاب الشيخ الواعية المطلع بكر أبو زيد القضاعي في كتابه (تحريف النصوص) ، وغيرهم، و هذه الكتب في متناول يد عزنان البائس ، لو أراد الله به خيرا ، ثم ألا يكفي العاقل المنصف في إثبات ضلال الكوثري و انحرافه الشديد : تصريحه في مقالاته بتكفير الإمام المجتهد الشوكاني الذي ملأ الفضاء بمؤلفاته في الفقه و الحديث و التفسير و العقيدة ، و كفره الطافح و ردته الصارخة بإعلانه البراءة من الإسلام إن كان ابن تيمية شيخ الإسلام ، ألا قبح الله التعصب المُردي ، و الشعوبية القاتلة ، فإن كل ما صدر من الكوثري من هذه الموبقات ، و الفواقر المهلكات ، كان انتصارا بالباطل لأبي حنيفة الذي يقدمه على جميع أئمة المسلمين ، و في سبيل الذب عنه ولغ في أعراض مالك و الشافعي و أضرابهما من أئمة السلف الهادين المهتدين ، بلْه الإمام أحمد الذي ما كان يعده من الفقهاء و لا العلماء المعتبرين عنده ، و قد أفضى به تعصبه المقيت إلى النيل من بعض الصحابة كأنس بن مالك رضي الله عنه و غيره ، أمثل هذا الدعي الخبيث يستحق التقريظ ؟ ألا قبح الله من لا يستحي .

الطرة 18 :

ثم ذكر زعنان مذهب الأشاعرة ، و أفاض في مدحهم ، و الثناء عليهم ، و تجاهل مذهب إمامه أبي البيض فيهم ، و وصفهم بأقبح النعوت كقوله عنهم بأنهم أفراخ المعتزلة ، و أنهم ضالون مضلون ، و هذا موجود في : جؤنة أبي البيض ، و الإقليد ، و غيرها ، و لأخينا الأستاذ الدكتور صادق سليم صادق كتاب "الرد على الأشاعرة و المتكلمين و الفلاسفة" ، قصره على كلام أبي البيض و شقيقه فيهم ، و قد قدمته له . لكن الخائب الخائن أعمى الله بصره ، بعد أن أعمى بصيرته ، ينكر هذا و يدفعه ، و كلامنا عن الأشاعرة المنكرين لصفات الله ، و المعتقدين أن القرآن مخلوق ، كقول سلفهم المعتزلة ، لأن هذا القرآن الموجود بين أظهرنا ، و المتلو و المقروء و المسموع ليس كلام الله ، و إنما هو دليل عليه لأن كلام الله نفسي منزه عن الحرف و الصوت ، و ليس له أول و آخر الخ هذيانهم الفلسفي الدخيل على الإسلام ، و إذا بلغ بهم الضلال منتهاه ، و سئلوا عن هذا النظم المعجز ، كلام من هو ؟ تحيروا و اضطربوا فمن قائل إنه كلام جبريل ، و أعلن أحدهم أنه كلام محمد ، و لا حول و لا قوة إلا بالله (و ما يومن أكثرهم إلا و هم مشركون) ، و قد تخبط مُحْدِث البيضاء البريجي في الدفاع عنهم بأسلوب آية في الفسولة والتكرار و اللحن ، و إيراد أبيات من الشعر مكسورة ، و قد قوّم له كثيرا منها الأخ بدر في (وقفاته) و نبّهه على لحن قبيح صدر منه مرارا ، و مع هذا لا يرعوي عن عيب سيده و شيخه (بوخبزة) الذي ندم على اتصاله به ، و ما كان يظن به أن يبلغ به العقوق و الجحود إلى القذف و اللعن ، و التجهيل و التفسيق .


ألا لعن الرحمن من يكفر النعم

الطرة 19 :

ثم نقل زعنان عن السفياني نقله من كتاب (سوط الأقدار) للشيخ عبد الحي الكتاني الذي ضمنه من فضائح أبي البيض ما يصك المسامع ، و يذرف المدامع ، و ردّه بأنه من كلام الأقران بعضهم في بعض ، و أنه يجب أن يطوى و لا يُروى ، و أطال في نقل كلام العلماء في الموضوع مما هو معروف لا داعي إليه إلا تضخيم حجم الرسالة ، و إظهار التعالم و الاطلاع ، و فاته أن لخصمه السفياني كتابا جيدا في الموضوع و هو مطبوع ، و ينبغي أن يُعلم أن أبا البيض هو السابق إلى تجريح عبد الحي الكتاني و تجريمه ، و رسالته في ذلك مطبوعة مشهورة ، و هي (كشف الأستار المسبلة ، وتبيين الأوهام المسلسلة ، الكائنة في رسالة عبد الحي الكتاني المسماة بالرحمة المرسلة ، في شأن حديث البسملة) طبعها أبو البيض باسم مستعار ، و هو بكلّ تأكيد صاحبها كما سمعناه من إخوانه، و الدافع له لكتابتها و طبعها الحسد ، و الشيخ المنتصر الذي كان يلازم أبا البيض و يطلعه على أسْرار خصمهم جميعا ، و قد سفل أبو البيض و هبط إلى الحضيض في شتائمه لخصمه ، و عد مساويه ، مما يصعب على العاقل تصديقه ، حتى رماه بالكفر ، و أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي كان يؤلف القرآن بغار حراء ، و عليه فكيف يُلام الشيخ عبد الحي عن انتصاره لنفسه ، وهو المظلوم المنتهك عرضه ؟ و قد نسب هو الآخر (سوط الأقدار) إلى اسم مستعار ، و من أخلاق الرجل و حلمه ، أنه ألغى رسالته و لم يتمها ، كما أنه لم ينشرها ، و إنما وُجدت في كتبه المنقولة إلى الخزانة العامة بالرباط و هي هناك بخطه ، و قد كان الأستاذ عبد الله كنون رحمه الله حدثني أن عبد الحي كتب إليه يرجوه أن يُوافيه بمساوي أبي البيض و مواقفه في العمالة و التعاون مع النصارى ، ليضمنها ردّه الذي هو بصدد كتابته ، قال كنون : فكتبت إليه أرجوه أن يكف عن هذه المهاترات ، و تبادل الاتهامات ، و يشتغل بما ينفع الناس و يمكث في الأرض ، فكف الشيخ عن ذلك ، و لو كان كنون كتب إلى أبي البيض بمثل هذا لما لقي منه تجاوبا ، و لما رفع له رأسا ، لما فطر عليه من العناد البليغ ، و اللجاج في الباطل ، و قد وقفت له على تائيته : (بعر النعجة ، في ذم أهل طنجة) في مآت من الأبيات من الطويل أتى فيها بما يصح أن يُعدّ قاموس الشتائم و اللعائن ، و لم يشذ عنها شيء منها ، و لم يكتف بذلك حتى عكف على شرحها و هو معتقل بمدينة أزمور ، فوضع شرحا نعوذ بالله مما أورده فيه مما يعجز عنه إبليس ، و مع ذلك سماه (صدق اللهجة ، في التحدث عن تاريخ طنجة) و نسب المتن و الشرح إلى اسمين مستعارين لم يخلقهما الله تعالى ، هذا مع العلم بأن أهل طنجة هم الذين آووا والده و نصروه ، و أنفقوا عليه و غلوا في حبه و مدحه ، و أنفقوا –مأزورين- الأموال الطائلة على بناء الزاوية و الضريح ، فلم يجد أبو البيض ما يكافئهم به سوى الطعن الجارح ، و الكشف الفاضح عن أسرارهم التي لا يخلو منها بشر ، فهل هذا مما يحسن السكوت عليه ؟ و قد تقدم أن عزنان مدح أولياءه و أئمته و قرظهم و سمّى منهم : محمد سعيد رمضان البوطي –و لم يعرف اسمه- و هو عميل للنُصَيْريين خُرافي شهير ، رأيته في القناة السورية يصلي على جيفة حافظ الأسد و يبكي بكاءً حارا ، و يدعو الله أن يُعوض المسلمين عن فقده خيرا ؟ و هو يعلم ما فعل الميت و نظامه بالمسلمين ، و كيف كان أخوه رِفْعَت يدفن شباب المسلمين أحياءً ، و كارثة مدينة حماة وما فعل فيها معروفة ، ألفت فيها كتب ، و شيخك البوطي سعى حثيثا في أذية السلفيين والمسلمين، فقد تسبب في سجن العلامة عيد عبّاسي قُرابة عشرين سنة ، لأنه رد عليه رسالته "اللامذهبية" . وذكر عزنان من شيوخه المختارين : القرضاوي الذي نصب نفسه أمينا عاما للتنظيم العالمي لعلماء المسلمين !! و بالأمس القريب أفتى المغاربة بجواز الاقتراض من البنوك الربوية لشراء السكن بدعوى الضرورة أسوة بإخوانهم بأوربا ، و فتواه بوجوب ذهاب الجنود المسلمين الأمريكيين إلى الأفغان والعراق لمحاربة إخوانهم المسلمين ، إطاعة لرؤسائهم و نظامهم ، و بناءً عليه أرسل بوش المآت منهم انتقاما منهم لإسلامهم ، و هو الصليبي الأخرق ، إلى الأفغان و العراق ، و قد مات بعضهم ثمة ، وذهابه بقامته الفارعة ، و وجهه العريض ، و عمامته المكورة ضمن وفد من العُلفاء إلى الأفغان ليحولوا دون هدم تماثيل بوذا ما زال صداه يرن في الآذان ، و تصريحه بأننا لا نقاتل اليهود لأنهم يهود؛ بل لاحتلالهم فلسطين ، و مثلهم الأقباط ، و أنا على يقين بأنه و شيخ الأزهر و جمهور علماء السلطة في العالم لا يستطيعون أن يعلنوا أن اليهودية و النصرانية دينان باطلان ، و أن الدين الحق هو الإسلام وحده ، عملا بقوله تعالى : (إن الدين عند الله الإسلام) ، و قوله : (و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين) ، و إلى الله نشكو غربة الإسلام و أهله في وطنه ، إن علماءنا إلا السلفيين –و قليل ما هم- لا يستطيعون الجهر بهذا في النوادي العامة، و البرلمانات ، و يطول بنا الحديث عن فواجع هؤلاء الأئمة قادة عزنان و مقلَّديه ، دفعه الله بهم و حشره في زمرتهم .


الطرة 20 :

ثم تناول المُحْدِث البريجي ، الكلام عن موقف أبي البيض من الصحابة ، و إعلانه تكفير ستة منهم – و تبعه على ذلك أشقاؤه الثلاثة ، و اضطرب فكره و عقله ، فحاول الدفاع عنه في جرائمه هذه بتأويل أحاديث المثالب ؛ بل و إثباتها إغراقا في الضلال ، و استجلابا لسخط الكبير المتعال ، و ترديدا لقول من قال : لم يصح في فضل معاوية حديث ، مع أن شيخه و مقدِّم كتابه هذا لحاجة في نفسه ، صرح في كتابه (جواهر البحار) أن حديث أم حرام يتضمن منقبة لمعاوية ، و سبب ضلال شيخه و شيخه : الزيدية ، و الروافض الذين أغووا أبا البيض و هو غرّ شاب بمصر ، فقدم المغرب بكتبهم الكثيرة المطبوعة على الحجر ، و التي باع الكثير منها للنصارى ، و هي بخزانة تطوان، و احتفظ لنفسه بنسخة من (النصائح الكافية ، لمن يتولى معاوية) لمحمد بن عقيل الحضرمي المطبوع بسنغافورة ، و العجب أن عزنان شكك في قضية ترويج أبي البيض لكتاب ابن عقيل و لا أدري لماذا، و قد حثنا أبو البيض على قراءة الكتاب ، و أعارنيه ، كما أن أبا الفتوح كان مهتبلا به ، داعيا لما فيه ، و قد عيره به تلميذه الأثيم المغفل الودراسي ، لما أرسل يعظه بعدما تشيع و ترفض ، و كم من الأغبياء و العامة وقعوا في التشيع و الرفض بسبب موقف أبي البيض ، و إعلانه لعن الصحابة ، وحكمه على ضمائرهم ، بأنهم كانوا أعداءً لعلي و كانوا يبغضونه إلا قليلا منهم ، و نسي أنه بهذا يحكم بنفاقهم ، نعوذ بالله من ذلك ، و قد نالنا من هذا الشر المستطير فتناولنا بعضهم بما يؤلم الفؤاد تذكره ، و نرجو الله مخلصين أن يغفر لنا حُوبنا و خطايانا ، و إسرافنا في أمرنا ، فعلى أبي البيض وِزْرُنا و وزرُ من عمل بزُوره و تضليله إلى يوم القيامة ، و ليحمل أوزاره و أوزار من أضلهم بغير علم إلى يوم الدين ، و كلام عزنان في هذا الميدان مُمِل جداً لتكراره و ركاكة أسلوبه ، و قد فاتني أن أنبه قبلُ إلى أنني إذا قرأت صفحة من كلامه و أردت تلخيصها شقّ علي ذلك لافتقاد التبيين ، و وحدة الموضوع ، و تداخل المعاني ، و سوء الاستطراد ، فأعاني من ذلك ما أرجو ثوابه من الله تعالى لكشف عواره ، و فضح جهالاته ، و في موضوع الصحابة و موقف أبي البيض كان يكفيه عن تمحلاته أن يقرر أولا أنني على دينه ، و أعتقد عقيدته ، فلا داعي للبحث عن الأحاديث الواهية ، و تتبع الأخبار من (النصائح الكافية) ، و تاريخ الطبري ، دون أن يعرف أن معظم تلك الأخبار هو من رواية المتروكين و الكذابين كالواقدي و سيف بن عمر و أبي مخنف لوط، و أضرابهم ، و أن مهمة الطبري و نظرائه رواية التاريخ بالسند ، و هو يحيلك في نفس الوقت على البحث و النقد ، و لْتحاول أيها المخذول زادك الله حذلانا و ضلالا ، أن تجد مثل تلك الأخبار في الصحيحين و مثلهما ممن يتحرى الصحيح ، و لكنك لجهلك و غرضك تميل إلى إثبات تلك الأخبار، و تُشيح بوجهك عما يناقضها ، و تتبع كلامه الخبيث يطول ، و لذلك نحيله على كتاب جميل يُعتبر نقضا مسدّدا إن شاء الله لنقائص و تلبيسات (النصائح الكافية) التي برم بها أبو الفتوح فأحرقها ، وكأنه تاب مما فيها و عسى و لعلّ ، و اسمه (إسكات الكلاب العاوية ، بفضائل خال المؤمنين معاوية) للأخ محمود بن إمام بن منصور من علماء نجد ، و قد طبع بالمدينة المنورة ، فندعو عزنان أن يقرأه بإنصاف و تجرد من الهوى و الغرض ، و من العجائب و العجائب جمة ، تعرض المُحْدِث البْريجي الفَدْم لنقد ابن الجوزي و الألباني و الحط عليهما ، و لا عجب فإنه إذا اقتضى الأمر يشتط فيتناول ابن تيمية و ابن القيم و الذهبي ، و ربما الحافظ ابن حجر و نحوهم من جبال العلم و الحفظ ، و لْيُعلم أننا نعيش الآن زمن المسخ ، و هذه مظاهره ، و العلم ليس له محتسب ، و ها هو عزنان زُحار المحاسب بالعمالة (كونطبلي) نبغ في علوم الحديث ، و أتقنها و صار بين عشية و ضحاها يتعقب كبار الحفاظ ، و رموز الأمة في العلم منتهجا في ذلك نهج شيْخيه المتنافريْن حسن السقاف ، و محمود سعيد ، المتمثل في الرد و التعقب كيفما تيسر ، و إلا فصنيعهما لا يكِع عنه إلا من يستحيي من تصيد الكلام في الرواة –و لا يكاد يخلو راو من عيب- فيطير به و يصحح و يضعف دون حسيب و لا رقيب ، و عمل عزنان و من وراءه من أثافي الضلال ، و دعاة الفتنة ، ضرب في حديد بارد ؛ لأن الناس في الشرق و الغرب يرجعون إلى الألباني و أصحابه ، و يعتمدون أحكامه على الأحاديث ، و كتبهم و أبحاثهم تزدحم بها المكاتب ، و قديما قال حكيم : [البسيط]

النّاس أكيس من أن يمدحوا رجلاً *** ما لم يروا عنده آثار إحسان سبق لعزنان أن التفت إليّ و سلقني بلسانه الطاغي [ص 36] ، و ردد تهمته الداحضة لمؤلف (تنبيه القاري) أنه لم يكتبه ، و إنما نقله عني ، و ليس له فيه إلا اسمه ، ثم رماني بالكذب ، و خوّنني ، وأنني غيرُ مؤتمن في كلامي عن أبي البيض لانحرافي عنه ، و هذا غريب ، كأنني أتكلم من عندي ، أفلا يرى الأعمى زاده الله عمى ، و أضاف إليه صمما و بكما ، أن مؤلف (تنبيه القاري) ما أخلى فصلا من فصوله من الاحتجاج بكلام أبي البيض بنصه و فصه دون تصرف نقلا عن خطه من رسائله الكثيرة التي أطلعته عليها ، و لم تكن رسائل الكُرفطي طبعت ، و فيها و لا سيما ما لم يُطبع منها فواقر وبوائق ، و كذلك بعض مؤلفات أبي البيض غير المطبوعة ، و طرره و هوامشه التي كتبها على بعض الكتب ، فكيف تنكر هذا أيّها الإمعة المفتون زادك الله فتنة ؟ و قد عاب عليّ زعنون إفشاء أسرار أبي البيض ، و هي كلمة قديمة سمعتها من الشيخ عبد الله ، و ناقشته فيها قائلا : إنها مسائل علمية كان أبو البيض يوصيني بحفظها و طبعها ، و هو الذي اقترح الاسم إن تيسّر الطبع : (الجواب المفيد ، للسائل المستفيد) ، و هذا ما فعل الأخ بدر بإذني ، و المنشور منها ما سلم من سرقة و سطو أبي الفتوح فتح الله عليه أبواب الشر ، و زعمه أنني انقلبت ضد الشيخ بعد اتصالي بجماعة الوهابية الذين غرّروا بي الخ ، فليت شعري من هؤلاء الوهابية ؟ لماذا لم تفصح عنهم أيها الجبان ، و هذا اتهام رخيص بارد كسائر اتهاماتك ، و الوهابية لا وجود لهم في المغرب ، و الغريب أنني لم أسمع هذه النسبة في الحجاز و النجد ، و علمت من علمائهم الحنابلة أنها تسمية سياسية من فعل الاستعمار الإنجليزي ، و عزنان يعلم عني أنني لم أدرُس بالحرمين ، و ليس لي علاقة بالنوادي و المعاهد العلمية هناك ، و أنا حججت مرتين ، و اعتمرت أربعا بمالي ، و لم أتملق أحدا ، و لا طلبت رفدا لا بالحال و لا بالمقال ، لا كما يفعل شيخه أبو الفتوح الذي يعتمر كل سنة لجمع الفتوح ، و التسول بالأكاذيب ، و لم لا يفعل ، و قد شاهدت شيخيْه عبد الله و عبد العزيز ، و كيف يترددون بعد أن مكثوا سنين لا يعرفون أحداً ، فمن الله عليهما بالفداني ، و هو عجمي و منزله بمثابة الزاوية يقصده العجم من بلده و غيرها ، و قد أوحى إليهم أن الشيخين من آل البيت و من المحدثين و الصوفية ، فأقبلوا عليهما يلتمسون بركتهما ! و يستجيزونهما في الطريقة الصوفية و الحديث ، و قد حصدوا من ذلك الملايين ، و تبحبحوا في الرزق و توسعوا في غيبة من تأنيب الضمير و موت الورع ، ناسين أن هذا جزما من أكل الدنيا بالدين ، و ما نقمه علي عزنان من أن سبب انحرافي عن الشيخ و الزاوية الهاوية ، هو ما اطلعت عليه بعد وفاة الشيخ مما لم أكن أعرفه ، هو الواقع بلا تردد ، و قد أشرت إليه فيما تقدم ، و يرجع الأمر بعد عناية الله تعالى و لطفه ، و له الحمد و المنة إلى كتابي (الإقليد) و(البرهان الجلي) ، و قد كنت استعرت من الشيخ كتابه (البرهان) فاعتذر بوجوده عند شقيقه عبد الله بقصد الطبع ، و لم يتيسر طبعه في حياته رغم سعيه ، و لا أشك في أن لشقيقه يدا في ذلك لما يعلمه في الكتاب من تُرَّهات و خزعبلات ينزه عنها العاقل ، و بعد وفاته طبعه مَريده البكباشي ، وقدم له بمقدمة آية في الفسولة و الركاكة و العجمة مع أبيات في مدح الشيخ لو سمعها المتنبي لمات حسرة و كمدا ، و لما سألت عنه أخاه الطركتور إبراهيم ، قال : هو عنده ، فاستعرته فأعارنيه مساءً، و في الصباح التالي استرده مني بإلحاح معتذرا بما لا يقبل ، و بعد أن وقعت بيدي نسخة منه وقرأته ، عرفت السبب الحق ، و هو ما تضمنه الكتاب من فضائح ، أما الكتاب الأول (الإقليد) ، فقد رأيت أصله بخط المؤلف بطنجة في مجلد و نظرت فيه و لم أستطع قراءته فضلا عن نسخه لكبر حجمه ، و لم تكن آلة التصوير السريع ظهرت ، و بعد مدة وقعت بيدي نسخة بخط أبي الفتوح ، ولم أر كتابا أردأ خطا منه ، فصورته و قرأته و تيقنت أن المؤلف يكيد للإسلام بعبثه بالقرآن وتفسيره بالرأي المحض ، ناهيك من رجل سلخ شهورا و أياما يقرأ القرآن في المصحف ، و يراجع لمعاني المفردات تسهيل ابن جزي كما أخبر في رسالة إلي ، و كلما مر بآية من سورة البقرة إلى سورة الناس ، تتعلق بالمنافقين و النصارى و اليهود و الصابئين و المشركين و نحوهم إلا طبقها على المقلدين المسلمين دون قيد و لا استثناء زاعما أنه المعنى الصحيح المراد لله تعالى كما أقسم بالله تعالى في (مطابقة الاختراعات العصرية) أن الله تعالى ما أراد بالآيات النازلة في المنافقين في أوائل البقرة إلا الوطنيين من حزب الاستقلال و حزب الإصلاح الوطني ، فاعجب لهذا الرجل الذي بلغت به الجرأة على الله و الاستهانة بحرماته إلى هذا الحد ، و لما وعيت هذا و عرضته على أصول الدين الإسلامي وقواعده و فقه سنته ، و علمت أنه ينافيه كل المنافاة ، و أن الأمر لا يحتمل التأويل فنفضت يدي منه، و تبرأت من نحلته و أعلنت منابذته ، و لا بأس علي إن قضيت الأعوام و السنين في الرد عليه و كشف عوراته لاعتقادي أنها أفضل الجهاد ، لأن أبا البيض و حزبه يخربون حصوننا من الداخل ، والاغترار بهم قاتل ، و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، و ما أخبرت به زعنان في رسالة مني إليه من عزمي على كتابة (صحيفة سوابق) أسجل فيها نحو خمس عشرة موبقة، صحيح ، و قد زدت عليها فبلغت الآن عشرين موبقة بين مكفرة و مفسقة ، و يطيب لي أن أعلمه أن كتابه (دفاع عن كرامة أبي البيض) كان أكبر حافز و أقوى باعث لي لنفض الغبار عنها والتعجيل بكتابتها ليهلك من هلك عن بينة ، و يحيا من حيي عن بينة ، و ما كتبت هذه الطرر والمواقف –و قد بلغت العشرين- إلا مدخلا لها ، و سأوافيك بها بعد قليل ، و أذكرك بكلمة الإمام المجاهد الصابر المحتسب أحمد بن حنبل المتقدمة التي فضل بها من يحارب المبتدعة ، و يكشف للناس ضرهم على الصائم القانت المخبت المنقطع ، لأن نفع هذا قاصر عليه ، و الأول يعمل لأجل حماية الدين و المعتقد ، و سلوك مُحْدِث البيضاء و البْريجة اللعين المخزي معي عجيب ، فإنه زارني و تتلمذ على رسائلي و استجازني فأجزته ، فوجد في صيغة الإجازة وصف أبي البيض : إمام العصر ، و نادرة الدهر ، في حين أنني أكفره و أحكم بردته بأدلة تبلغ خمسة عشر دليلا باعترافه ، مع أن واحدا منها يكفي ، و الوصف المذكور صحيح ، ما زلت أعتقده بأن أبا البيض كان وقته بالمغرب إماما فريدا لا نعلم له نظيرا ، و ليس هذا خاصا به ؛ بل هو موقفي من الكتاني و الفاسي الفهري ، فإنني أعتقد فضلهم العلمي ، و أبرأ إلى الله من انحرافهم و عمالتهم ، و لكن حصة أبي البيض كانت حصة الأسد؛ لأنه شذ عنهم ، و تظاهر بمصائب لا تُعرف عنهم ، و الحق أن انحرافي عنه بدأ برسالة فرعون، فقد دهشت لجوابه عن سؤالي عن فرعون بأنه مؤمن ، و لا شك أنه يقول زيادة على إيمانه بولايته كما قال قدوته الكبرى ابن العربي الزنديق الملحد في (فتوحاته) ؛ بل مسوخاته التي مسخت عقول الغماريين حتى نَعَق أبو العُسر جمال الطين بنعته مُحيي الدين و الإيمان ، و دعا : أعاد الله عليه من أنفاسه الزكية ، و ملأ كتابه (السوانح) من فضائحه ، و حين اطلعت عليها وجدتها من موجبات الكفر و الردة ، و لم أستبح السكوت عليها فكتبت عليها ردودا موفقة إن شاء الله ، ثم إن صيغة تلك الإجازة كانت قديمة ، و مع اعترافي بمشيخته لي كغيره ، فإني أبرأ منه و أحذر منه ، و أكشف للناس جرائمه عملا بأصل الولاء و البراء في الإسلام ، و إحياءً لسنة خليل الله عليه السلام ، والشهادة بالحق واجبة كما قال تعالى : (... على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين) ، و مسألة التكفير و التفسيق أنا أعلم خطورتها ، و ما كنت لأجرأ عليها لولا ما توفر لدي من دلائل و براهين جمعت أقوى وسائل الردة كما يعلم من أبواب الردة في جميع مذاهب الفقه ، على أن كثيرا من العلماء و الدعاة في الحرمين الشريفين و مصر لما وقفوا على رسالة أبي البيض في إثبات إيمان فرعون ، استعاذوا بالله منها ، و اعتبروها محادة لله و رسوله ، فكيف لو اطلعوا على سائر موبقاته التي ستتولى (الصحيفة) ببيانها بإذن الله ، و يعلم الله أنني لم أكتب حرفا فيها بدافع الهوى أو الانتصار للنفس ، فإنني لم ألق من أبي البيض إلاالجميل ، و قد أهدى إلي من كتبه الكثير و مدحني بقصيدة ميمية أوردها بدر في "الجواب المفيد" ، و ما أحسبه مدح غيري بالشعر ، و قد كانت ردا على مدائحي التي لم أكن فيها كاذبا ؛ بل معتقدا مغترا جاهلا بالحقائق ، و قد اعتذرت من هذا ، و صرحت به في رائيتي التي نشرها أبو سفيان ، في طليعة (تنبيه القاري) و هذه أبياتها الأولى ، و كلها مهمة في نقد صوفية طنجة و ما هم عليه من الإفك و البهتان : [الطويل]

قضيت زمـانا صوفيـا ومقلــدا *** لمن كنت أرجو منهمُ صالح الأثرْ فما نلت منهم غير زور و بدعة التـ *** ـشيّع ، يا ويحي لما حلّ و انتشرْ فقلت مقـالا مستقيـلا و معلنـا *** إلى القوم : إني تائب للذي فَطَرْ مدحتكمْ غِـرّاً و لم أكُ عـارفـاً *** بتاريخكم ، يا مصدر اللُؤْمِ و الخَوَرْ

و قد صارحت بهذا الشيخ عبد الله بمكتبة الناصر بتطوان لما لامني على تأخري عن جنازة أخته زكية، فأخبرته بأنني لا أدخل الزاوية ، فرد علي و أساء الأدب ، فأخبرته بأنني أسلمت لله و تبرأت من الزاوية و أهلها ، فغضب الرجل و علا صوته ، فسببته و انصرف مسرعا و ذهب إلى صهره وشكاني إليه . هذا الرجل الخرافي رقم 1 كما كان علماء الأزهر يلقبونه ، و الجحود لكل يد ، و قد نفعته لما كان بالسجن ماديا و أدبيا ، و شرح ذلك يطول ، و لما عاد إلى المغرب مختل العقل و زارني وأخبرني بأنه بصدد تأليف كتاب في الرؤيا رجوته أن يتعرض لأبي الفتوح و كَلَفِه بالرؤى ، و استهتاره إلى حد الردة ؛ إذ زعم أخزاه الله أن أحد أنعامه رأى الله -سبحانه و تعالى عن إفك الأفاكين- على صورته (الجميلة الساحرة المنورة !!) فشاركني عبد الله في الاستنكار و الاستهجان ، و لما صدر الكتاب لم أره فعل ، و قد حصل لي معه مناظرة في الزاوية في مسألة تتعلق بالتشهد في الصلاة ، بادر فيها إلى تكذيب الألباني في نسبة رواية إلى البخاري ، و لما راجعت (صفة الصلاة له) وجدت العزو صحيحا ، فكتبت إليه ، فأشار إلى القصة في كتابه (الرؤيا) و ذكرها على غير وجهها ، و الرجل كان كثير الخلف للوعد ، فقد حدثني الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله أن علماء المدينة أكرموا الشيخ عبد الله و أخذوه معهم إلى العوالي ، و هو أكول و القوم لا يقصرون في أنواع الأطعمة و الحلويات، فناظروه و أوقفوه على مطاعنه في شيخ الإسلام ابن تيمية و تلاميذه ، فأجابهم بأن ذلك كان قديما ، و قد غير رأيه الآن ، فألزموه التوبة و الكتابة ، مع الوعد بالرجوع عن ذلك ، فكتب مؤكدا وعده ، و لما عاد إلى طنجة و الزاوية ، وكر الفجور "عادت حليمة إلى قواعدها القديمة" كما وعدني بالرد على أبي الفتوح و كشف أكاذيبه في رؤاه الشيطانية ، و أخلف الوعد ، و كنت مترددا في وفائه علما بأن الرجلين معا و من معهما من أبناء الزاوية ، يعيشون من رَيع الزاوية (الحلال الطيب!!) من النذور و الصدقات و (الوعْدات) و هم يعلمون ، و زادوا بعد ذلك التهافت على موائد تجار المخدرات بطنجة و نواحيها فكانوا يذهبون إليهم زرافات و وحدانا و يتقبّلون بغاية السرور صدقاتهم و يسمونها هدايا ، و حدثني بعض الثقات أن أحد أباطرتهم كان له مسجد بطنجة رتّب فيه طلبة ينفق عليهم و يشتري لهم الكتب ، و يرسل سائقه بسيارته (المِرْسديس) الفارهة إلى الزاوية لتحمل الشيخ إلى المسجد لدراسة (الأصـول في محاربـة الرسول) ، و مصطلح الحديث ، (و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ، ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون) هذا و شعارهم المعروف عن أهل الزوايا : الحلال ما حل باليد ، و الحرام ما حُرِمْنا منه، إذا عرفت هذا علمت أنني غير ملوم على ما صنعت لأنه الواجب على كل من عرفه ، و قد قامت الحجة على مُحْدِث البيضاء فاطلع على مصائب القوم و مثالبهم خصوصا أبا البيض ، و بَدَل أن يُسارع إلى الإسلام و التوبة ، ركب رأسه ، و أصر على ضلاله ، و دافع عن رجل بما لا يجديه نفعا، و قد اعتذر عني و أدركته رِقة على شيخه فرحمه بسبب ملازمته الفراش و طعنه في السن !؟ و هذا إفك مبين ، و لعل إبليس ألهمه هذا الخبر ، و الواقع أنني بحمد الله معافى أقوم بواجبي في الكتابة والتدريس ، و الإجابة عن أسئلة السائلين التي تتجاوز العشرات في أغلب الأيام ، و نرجو الله تعالى أن يُطيل عمري في طاعته (و خيركم من طال عُمُره و حسن عمله) كما ورد ، و و الله ما أحب أن يُنسأ في أجلي إلا لأُنشقكم الخَرْدَل ، و أطعنكم في السويداء بسهام السنة و الحق ، يا حزب إبليس ، و جنده المخلصين .


يا من بُليتُ بهمْ و العقل في نَكَدٍ *** مما أرى من ضُروب المسْخ ألوانا هذا حليف ضلال في البَريجَة قدْ ***أَبدى من الجهل و الإشراك أفنانا (عَزْنانُ) نَجْلُ (زُحارٍ) نَغْمَةٌ نَشَزَتْ *** من طِبْل إبليس أَوْلاها تَلاحينا أبو الفتوح ترامى راقصا فَرِحاً ***يصيح فيهم ، و يُبْدي الحُمْقَ أَحْيانا أشكو إلى الله طُرْقاً للتصوف ما *** زالتْ تُخَرِّبُ في الإسلام إِمْعانا أَبْدَوْهُ للناس تخريفا و زندقةً *** و وَحْدَةً ، تَحْسِبُ الرحمن إنسانا لَعائِنُ الله تَتْرى بُكْرةً و مَسا **** على زواياهُم خِزْياً و خُسْرانا و من شُيوخ ضلال قد طغوا و بغوا*** و بدّلوا ديننا ظلما و عُدوانا و ذكرهمْ قبل رقصٌ لليهود نُمي *** و الزّمر و الطبل إحسانا و إيمانا يا ربّ واحْمِ حِمى الإسلام من دَدِهِمْ*** فقدْ طمى السيلُ بالأخطار إيذانا

أما أبو العسر و جمال الطين ، فحكايتي معه طويلة ، و سأذكر بعض مواقفه و مزاياه ليعرف القارئ طبيعة القوم في اللؤم و التلون ، و الخبث و الوقاحة : استدعاني مرة إلى بيته و أطلعني على مؤلفاته فرأيت منها (السفينة المشحونة) قد أنجز منها المجلد الأول و بعض الثاني ، و استعرتها منه فأعارني الأول لمدة أسبوع ، و تصفحت الكتاب فإذا هو كتبه حسداً لشيخه أبي البيض على (جؤنة العطار) ، و أخذ منها الكثير ، و تجرد لهتك عرضه بما يستحيى من ذكره ، و لما خرجت من عنده ولم أشرب عنده حتى الماء ، لقيني أخوه الحسن و كان على علم بالكتاب ، فاستعاره مني و ألح وبالغ، فدفعته إليه على أن أرجع بعد أسبوع لرده إلى صاحبه ، و هكذا رجعت و تسلمت الكتاب ، و لم أجد مؤلفه ، فذهبت إلى الزاوية فلم أجد شقيقه عبد الحي ، فدفعت الكتاب لابنته الكبرى وأوصيتها أن لا تدفعه إلا لأبيها ، و رجعت إلى بلدي و كان معي الأخ عبد السلام ابن تامة الحُسيني رحمه الله ، و بعد أيام بعث إلى صهري التجكاني و دفع إلي رسالة من أبي العُسر بمحضر حاملها من طنجة أحمد بن عجيبة الذي حمل أربع رسائل إلى بعض الناس للإيذاء و التشهير ، و قد قاء ما في صدره علي ، و وصفني بالطالب الخائن (الذي أكل طعامنا) ، و أخبر أنني أخذت الكتاب إلى عدوهم الأول (فرعون التجكانيين) أبي البيض ، و أن هذا لما وقف على فضائحه في الكتاب عزم على حرقه ، فتوسلت إليه و بكيت –و في رواية عبد الحي- أنني سجدت على قدميه أقبلها و أبكي و أرغب ، فما كان منه إلا أن انتزع منه الأوراق المتعلقة به و رجع إلي الكتاب ، و هذا كله بهتان وافتراء و قذف ، و قد طلبت ممن أرسل إليهم الرسائل أن يمكنوني منها لأرفع عليه دعوى بالقذف ، فلم يساعفوني ، و أخبروني أنهم أحرقوها ، و لما علم أبو البيض كتب إلي يهدئني و يشرح لي أخلاق القوم و سوء معاملتهم ، و يخبرني بأنهم و سائر أقاربه من تجكان قوم مفسدون ، فُطروا على الأذى والشر ، و أنهم أمة حاقدة حاسدة طبعا ، و قال : إياك أن تطلعهم حتى على شرب الماء البارد ، والرسالة تحت اليد بخطه ، و آسفني أنني كتبت إلى أبي العُسر أعتذر إليه و أبرئ نفسي مما رماني به، و أحلف له بالأيمان المغلظة أنني لم أفعل شيئا مما توهم ، و لم أكن أعلم أخلاق القوم ، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حمت حولهم ، و لا أمررت على خاطري ذكرهم ، و ذكرت بوصف أبي العسر إياي بأكل طعامهم أنني حضرت مرة بمرتيل غذاءً ، و جرى ذكر الشيخ عرفة الحراق فذكرت بعض أقواله و أعماله القبيحة ، و لما خرجت قال لي الصهر التجكاني : إن سيدي عبد العزيز عاب عليّ وقيعتي في الحراق و أنا كنت آكل طعامه ، فعلمت أن البائس الفقير مهووس بالطعام يمن به ويؤذي ، مما يدل على لؤمه و سوء تربيته ، و ليته كان حقا فإني لا أذكر أنني شربت الماء عنده كما أشرت إليه آنفا ، و لم يدر اللئيم أنني أعلم دين الزاوية و أنها إنما بنيت للسلب و أكل أموال الناس بالباطل ، و لذلك كنت و أنا ما زلت أغشاها و من روادها أدفع للشيخ الزيارة و أعدها ثمنا لما آكل و إعدادا للمستقبل إذا حاسبني لئيم من أهل الزاوية طالبته بالحساب ، و قد حدثني بعض الناس الثقات أنه كان يجد في نفسه من قول أحد أبنائهم الفساق له أمام الناس بقصد الاحتقار : إنكم من فقرائنا ، فقلت له : و لِمِ لَمْ تقل له أنت : و أنتم من (سُعْياننا) . و مسألة أخرى من أخلاق أبي العسر أنه كان يستحل أموال الناس ، فقد حدثني كتبيان بطنجة أنهم كانوا إذا باعوا له كتابا أتعبهم غاية في الأداء ، و اشترى مرة من الكتبي الناصر بتطوان سنن البيهقي الكبرى بستمائة درهم أدى منها ثلاثمائة و جحد الباقي ، و كتب إليه الكتبي بمحضري يطالبه بحقه فأجابه بأنني لست الحسن الثاني ، و لا أدري ماذا يريد !؟ و تأمل ورع الرجل المحدث شيخ الطريقة ، و ربيب الزاوية ، المولع بالرقص و التصفيق ، و قد أورث هذه الخصلة مَريده الدعي الكرفطي فاستباح أموال الناس بالباطل ، و حدثني غير واحد من أنعامه أنه زار دمشق و عزم أن يرزأ الإمام الهمام ، الورع بحق ، الذي كان يأكل من كد يده ناصر الدين الألباني طيب الله ثراه : ماله و كسبه ، فاستأذن عليه في بيته و أمر بهائمه أن يجعلوا مسابحهم من أعناقهم لأن الرجل –الألباني- وهابي لا يحب السبحة ، و لما دخلوا عليه اقترض منه أبو الفتوح بضع مآت من الليرة لنفقة السفر ، فأقرضه إياها ، فكان آخر العهد بها ، و لما زار الألباني طنجة لقيته بها و سألته : هل زارك أبو الفتوح ؟ فقال : لا ، و لعله من أجل الدّين الذي مرت عليه سنوات ، و هكذا القوم و أخلاقهم و معاملاتهم غريبة عن أخلاق الإسلام والإيمان، و السنة عندهم في كحل العينين و خضاب اللحية و تربية الوفرة و العمامة و العذبة ، و نحو هذه الشكليات ، أما الصدق و الأمانة و الورع و اتباع السنة بحق فهم لا يعيرونها اهتماما اعتمادا على شفاعة شيوخهم ، و قد ذكر أبو الفتوح في كرامات الشيخ محمد بن الصديق أنه سينصب نفسه على متن جهنم ليمر أصحابه عليه ، فليهنأوا بهذه الكرامة ، و عندي من أخبار القوم و مصائبهم الأخلاقية و المالية و العقدية ما لا داعي إلى ذكره لخروجه أولا عن الموضوع و طوله ثانيا ، و قد رأيت هذه الطرر طالت و استطالت و بلغت العشرين ، فرأيت الاقتصار عليها و التوجه إلى الفصول العشرين من (الصحيفة) وفاءً بالوعد ، و إعلانا للواجب ، و قبل الشروع فيها أنبه إلى ما يلي تنبيه :

أولا :

لم أرد مما أثبت من الطرر العشرين السابقة استيفاء الرد على [(دفاع عن كرامة و عرض سليل الأشراف الحافظ الإمام سِيدي أحمد بن الصديق رحمه الله تعالى) تأليف الفقير إلى الله تعالى عدنان بن عبد الله زُهار عفا الله عنه ، قدم له المُحْدِث السريف أبو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي حفظه الله] ، و ذلك لأن مجال البحث فيه واسع لكثرة أخطاء الرجل و جهله ، و قد استوفى المهم من الرد قبلي الأخ الأستاذ الفاضل بدر العمراني الطنجي في كتابه (وقفات مع عدنان زهار في دفاعه عن الشيخ أحمد بن الصديق الغماري) ، و هو مرقون في 35 صفحة بالحرف الصغير ، و لعله يوفق لتخزينه و عرضه على شبكة الإنترنيت ليعم النفع به .

ثانيا : يلاحظ أنني منذ الطرة الأولى غيّرت كنية السِّيخ أحمد -و أرى أن تُقرأ كلمة الشيخ بالسين المهملة- أبا الفيض بالفاء أخت القاف ، إلى أبي البيض بالباء الموحدة جمع بيضة ، و أنا أعلم أن الشيخ كنى نفسه بأبي الفيض ، و لقبها بشهاب الدين ، و قد زوحم في الكنية و اللقب ، فمن القدماء الصوفي ذي النون المصري النوبي ، و من المتأخرين الشيخ مرتضى الزبيدي شارح القاموس والإحياء ، و عصريه الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني ، و انظر ماذا يعنون بالفيض ، و لا شك أن أحمد الغماري يعني : الفيض الفلسفي من العقل الأول طبق الأفلاطونية الحديثة التي تنحو نحو الوحدة، و قد حرفها أخوه عبد العزيز فكان يكنيه أبا الغيظ بالغين المعجمة و الظاء المشالة ، و لما سمعني بعض الطلبة أحدث ببعض فواقر السيخ الغماري ، قال لي : أنا لا أكنيه إلا بأبي البيض فصادف مني استحسانا فاستعملتها لإعرابها عن الصواب الواقع .

ثالثا :

إنني أنصح عَزْنان زُحار الذي أماط قناع الحياء عن وجهه ، أن يراجع نفسه ، و أن لا يثق بمن دفعوه للوقيعة برموز العلم و الإيمان ، و الذين يقال فيهم بحق ، لحوم العلماء مسمومة ، و ليعتبر بمن يدافع عنه فقد عانى من المصائب و الويلات طيلة حياته القصيرة ، و لا أرى ذلك إلا من استطالته في أعراض الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين ، و وقيعته في عرض شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه و تلاميذه ، و قد مات و هو بين الناس دون شهادة ، كما أنصح له بقراءة كتاب "الزاوية" و"رسائل الصيام" للشيخ الزمزمي ، و الله يتولى هدانا أجمعين ، و لا حول و لا قوة إلا بالله ، اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلا ، و ارزقنا اجتنابه ، آمين


و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و صحبه و التابعين

كتبه: علامة تطوان أبو أويس محمد بوخبزة الحسني

إلى هنا ينتهي الجزء الأول ويليه الجزء الثاني

الجزء الثاني[عدل]

صحيفة سوابق وجريدة بوائق

الجزء الثاني

تأليف علامة تطوان الشيخ أبي أويس محمد بن الأمين بوخبزة الحسني.


الفصل الأول في قوله بوحدة الوجود, ووجوب اعتقادها, وأنها محض الإيمان,ومن لم يؤمن بها ففي إيمانه خلل. هذه بائقة تستتبع بوائق ثلاثا: فالبائقة الأم (1) وحدة الوجود, يليها (2) وجوب اعتقادها (3) أنها محض الإيمان (4)من لم يؤمن بها ففي إيمانه خلل عياذا بالله.

وقبل استعراض أقوال أبي البيض في هذا المجال, نقدم كلمة في معنى وحدة الوجود, وبعض أقوال أربابها, وأصلها, ونقتصر في الغالب على أقوال صوفية المغرب, وبلدنا على الخصوص, وقد سبق لي أن كتبت فصلا مهما في هذا الموضوع أودعته الجزء الثاني من موسوعتي (جراب السائح ), وهذا نصه تحت عنوان (فائدة مهمة) :

يرى القارئ أن فلسفة ابن العربي الحاتمي في كتابيه (الفتوحات المكية) و(فصوص الحِكم) مبنية على وحدة الوجود وأن هذه الكلمة مع كلمتي (الاتحاد) و(الحلول) تشيع في كتب هذا القبيل من متصوفة الفلاسفة, وقد كثر الخوض فيها, والسؤال عن معانيها,واختلفت أقوال شارحيها, حتى أفردت بالتأليف, من عبد الغني النابلسي إلى البهاء العاملي وغيرهما, وقد انتهى المطاف بجمهورهم تهويلا وتعمية, إلى أنها لا تفهم بالعبارة, وإنما بالذوق, فأحالوا عباد الله على مجهول غير معين, كما ترى عند النابلسي في (بذل المجهود) والتيجاني في (جواهر المعاني) وأبي البيض في (جؤنة العطار ) وأشار إليه أحمد ابن عجيبة في كتبه, وخصوصا (إيقاظ الهمم لشرح الحكم).وتفسيره (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد).وأكده من المعاصرين أبو البيض أحمد بن الصديق كما أشرنا, والحق أن كلامهم تهويل, وينطوي على إرهاب فكري, يتمثل في تهديد من يحاول الرد عليهم, وتسفيه رأيهم الأجنبي عن الإسلام .

و لنبدأ بشرح هذه المصطلحات فنقول :

حصر ابن العربي في (الفتوحات) المعلومات في أربعة لا خامس لها :

1ـ الوجود المطلق, يعني أن وجود الله عين ذاته وليس معلولا لشيء. 2ـ الحقيقة الكلية, التي بمعرفتها يعرف سائر المعلومات كلها, فإن وُصِفت بها الموجود فهي القِدم غير المسبوق بالعدم.كوجود الله, وإن وصفت بها الحادث وهو الموجود بعد العدم فهي ما سوى الله. 3ـ العالم الأكبر كله ما عدا الإنسان. 4ـ الإنسان هو العالم الأصغر.

وأصول فكرة وحدة الوجود قديمة, تلقفها ابن العربي ومن قبله عن فلاسفة الهند, كما تراها عند أبي الريحان البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة , مقبولة في العقل أو مرذولة) , و مؤداه أن البراهمة الوثنيين في الهند, يعتقدون أن طريق التأمل و الاعتبار تجعلهم يقربون من الله, حتى أن الله بذاته يحضر في قلوبهم وضمائرهم, فتتوق النفس إلى الاتحاد به, فيحصل الاتحاد, وتذهب الإثنينية والبينية . و يستحيل الذاكر والمذكور شيئا واحدا . وقد أكد لي هذا المعنى الأخوان الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ، وأخوه محمد العربي العارفان بعقائد الهند وحضارتها . إلا أن ابن العربي انفرد بأسماء خاصة تعمية وتلبيسا , فسمى أصل العالم هباء , أخذا من كلمة تنسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى في سورة الواقعة: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً) (الواقعة:6) . بينما الفلاسفة القدامى يسمونها (الهَيُولَى), ومنه تصدر جميع الصور والتعينات حسب استعدادها للتأثر بالنور الإلاهي, كالسراج في بيت تضيء زواياه حسب قربها من نوره, وكان أقرب الأشياء إلى نور الله في ذلك الهباء حقيقة محمد صلى الله عليه و آله و سلم المسماة بالحقيقة المحمدية ، و العقل و النفس الكلية ، فكان سيد العالم بأسره ، و أول ظاهر في الوجود كما في الفتوحات ، و أكمل مظاهر الحق في الخلق , لأن الخلق أكثر كامل للقدرة الكاملة المنزهة عن النقص, فلا يكون أكمل منه, كما قال تعالى : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طـه:50) . و(خلق آدم على صورته), والضمير عنده يعود على الله, اعتماداً على رواية ضعيفة, وليس في الإمكان أبدع مما كان ـ كما قال الغزالي ـ لأن العالم مظهر الحق على الكمال, وقد يتوهم الواقف على كلام ابن العربي أن فيه تناقضاً, وذلك ناشئ من سوء فهمه, وتعديد أساليبه في التعبير عن رأيه, لأنه يصرح أحيانا, ويجمجم أكثر لخطورة الحال, ولما رأى الأشاعرة يقولون أخذا من مذهب الإغريق: إن العالم واحد بعينه, مختلف بصُوَره ونِسَبه, وهم يرونه شيئا آخر غير الله تعالى, وهو يرى الوجود واحدا, قال بأن الجوهر العام المنبث في العالم ، والذي جعل منه الوحدة هو الذات الإلهية . ومن المهم التنبيه على تنوع أساليب ابن العربي في التعبير عن وحدته, وتسميتها بأسماء مختلفة, فكثرة الأسماء لا تدل على تعدد المسميات, لأن الحقيقة الكلية واحدة وهي الوجود الأول والأخير, والإنسان الكامل , وحقيقة الحقائق, والمادة الأولى ... إلى نحو عشرين اسما تطلق بعبارات مختلفة , والأصل واحد كما قال شاعرهم : [الطويل]

عباراتنا شتى وحسنك واحد ** وكل إلى ذاك الجمال يشير

وكما قال الشيخ محمد الحراق التطواني : [الخفيف] حكمة الشرع أثبتتنيَّ لما ** سمَّتِ الكون كله بأسامي ونفى جملتي انفرادُك بالذات ** والأسماء والنعوت العظام.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه لا فرق بين هذه الأفكار والنظريات الثلاث : وحدة الوجود, والاتحاد ، والحلول , والحق أن بينهما فرقا واضحا ؛ لأن ما عدا الوحدة يقتضي الإثنينية, فالاتحاد لا بد فيه من متحِد ومتحَد به, والحلول لا بد فيه من حالٍّ ومَحَلًّ, ولكنه رغم هذا, إذا تأمل الباحث أقوال أصحابها, وجدها تنتهي إلى الوحدة, وهي أن الحق هو الخلق والعكس . وأصحاب الحلول قالوا : إن السالك إذا وصل إلى درجة خاصة في الصفاء, حل الله فيه, كالماء في العود الأخضر, دون تشابه أو تغاير, وصح أن يقول : [الرمل]

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا

كما قال الحلاج , ويقول الحراق في التعبير عن هذا الاتحاد, وفيه معنى الحلول : [الوافر]

به صار التعدد ذا اتحاد ** بلا مزج وذا شيء أحارا

وهذا كما ترى شديد الصلة بعقيدة الحلول النصرانية, وقد أفصح عن هذا أبو منصور الحلاج من كبار فلاسفة الصوفية , المقتول بسبب فكرته هذه فقال : [السريع] سبحان من أظهر ناسوته ** سر سنا لاهوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهرا ** في صورة الآكل والشارب حتى لقد عاينه خلقه ** كلحظة الحاجب بالحاجب والناسوت طبيعة الإنسان, واللاهوت معنى الإلهية, والفرق بين الاتحاد والحلول بعد الاعتراف بالإثنينية صغير, وهو أن يتنازل الله ـ تعالى عن إفك الحلوليين ـ فيحل في بعض المصطفين من عباده عند بلوغ درجة خاصة في الصفاء كما سبق, بينما الاتحاديون يزعمون أنهم يرتفعون بأنفسهم, وتسمو أرواحهم إلى لقاء الله تعالى, حتى تفنى فيه, أو تتحد به, ومن أجل هذا الخلط والالتباس مع وحدة الهوى في نهاية المطاف, وتنوع أساليب دعاة الوحدة والحلول والاتحاد في شرحه, والدعوة إليه, اعتبرها شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه شيئا واحدا, وألغى هذا الفرق النظري الطفيف في ردوده المتعددة على أهل الوحدة والاتحاد والحلول , ولا حق لمن اعترض على صنيعه, هذا مع أن الهدف ظاهر, وهو المقصود الأهم عند ابن تيمية بالرد, وبيان خطره على الدين والفطرة, وتعجبني عبارة البهاء العاملي الشيعي في رسالته (الوحدة الوجودية), في بيانها حيث يقول : (خلاصة المذهب, أن لا وجود إلا الوجود الواحد, ومع ذلك يتعدد بتعدد التَّعَيُّنَات تعينا حقيقيا واقعا في نفس الأمر, ولكن ذلك التعدد لا يوجب تعددا في ذات الوجود, كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعددا في حقيقة الإنسان) . وقد كثرت أقوال هؤلاء جدا في بيان معتقدهم هذا, والدعوة إليه بشتى الأساليب شعرا ونثرا, وأشدهم إيغالا في هذا عمر ابن الفارض المصري, لا سيما في تائيته الكبرى المسماة "تائية السلوك" . ومعظم شعره في هذا , ولرقته المتناهية ، وجمال شعره ، وصوره البلاغية ، ومحسناته البديعية ، انتشر شعره انتشار النار في الهشيم ، وتغنى به المنشدون ، ورقص على إيقاعه الراقصون في الزوايا الصوفية في الشرق والغرب, ويليه أبو الحسن الشُشتَري الأندلسي في أشعاره وأزجاله ، ويحاكيه من بعيد محمد الحراق التطواني ، مع وضوح الفكرة وتقريبها للأذهان, وأغلب شعره الموزون والملحون ينعق بها, مع أنه في الملحون والزجل أشعر وأمكن , فلنستمع إليه يقول : [مجزوء الرمل] كنت ما بيني وبيني ** غائبا عني بأيني والذي أهواه حقا ** لم يزل ذاتي وعيني فانظروني تبصروه ** إنه والله أني وقد سئل مرة وهو في درس التفسير بالجامع الكبير بتطوان عن الدليل على وجود الله, فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال ارتجالا : [الخفيف]

نحن في مذهب الغرام أذله ** إن أقمنا على الحبيب أَدِلَّهْ كيف يظهر للعقول سواه ** وسناه كسا العوالم جملهْ فتراه في كل شيء تراه ** فهو الكل دائما ما أجَلّهْ فافن فيه صبابة وهياما ** إنما الصب من يعيش مُوَلَّهْ

فتراه في كلمته هذه يخلط وحدة الشهود بوحدة الوجود تلبيسا وتدليسا, وهدفه واحد , وهو قوله: (فهو الكل دائما ما أجله) , وقد زعم مريدوه أنه لما أنشأ هذه الأبيات وأملاها على السامعين , انشق الكرسي الخشبي الذي كان جالسا عليه , قالوا : وهو الكرسي الموجود إلى الآن بالجامع, والشق فيه ظاهر, ولكن هذه خرافة . ومن أزجاله المعبرة :

نِلْتُ ما نَوَيْتْ * لمّا رأيتُ حِبِّي وذاتي رأيتْ مُدَّهْ لي وَ نَا مَهْجُورْ * وأنا الحبيبْ وَسِرِّي عَنِّي مَسْتُورْ *و هو قريبْ لله يا صاحِ وَانْظُرْ * ذا الأمر العجيبْ عنِّي قدْ خَفيتْ * وشمسي مني تطْلُعْ وَنَا ما دَرَيْتْ هذا المحبوبْ إذا رْضا * يْرضى كل شِيءْ وْاللِّي يْهْوى وْصالُو *ذاتُو يْطْوِي طَيْ وْعْلى جِهاتُو دَايِمْ * ما يْبْقى لُو رَايْ أَنَا مَنْ هَوِيتْ * وَ خَمْري مِنِّي اشْرَبْتْ وَعَنِّي رَوَيْتْ يا طَالِبَ الْحَقِيقا * اِسْمَعْ ما أَقُولْ مِنْكَ هِيَ الطَّرِيقَا * وَ لَكَ الْوُصُولْ فَزُلْ تَرَاكَ حَقَّا * بَعْدَ مَا تَزُولْ إِلَيْكَ انْتَهَيْتْ * وَ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُكْ وَ بِكَ بَقَيْتْ ويقول في زجل آخر :

مَا يْلِي في غْرَامَكْ جِهَاتْ * كُلْ شِي هُوَ عَيْنْ الذَّاتْ غَيْرْ سِرَّكْ يْظْهَرْ في قْوَالْبْ الْمْعانِي * مَعْرُوفْ بِعْلاَيْمْ الرّْضَا

وله من هذا الكثير , و في شعره العربي تائية مشهورة , وهي التي يتغنى بها القوالون فيما يسمى حلق الذكر, أو( العمارة ) , أي : الرقص , و قد شرحها المكي ابن سودة , وشرحه مطبوع على الحجر , كما شرحها بعده ابن القاضي العباسي الفاسي في مجلدين , و هو مخطوط , و قد نحى فيها منحى ابن الفارض على قصور في المبنى و المعنى , و في مطلعها يقول : [الطويل] أتطلب ليلى و هْي فيك تجلّتِ * و تحسبها غيرا و غيركَ لَيْسَتِ فَذَا بَلَهٌ في مِلَّةِ الحُبِّ ظَاهِرٌ * فَكُنْ فَطِناً فـ(الغير) عَيْنُ القَطِيعَةِ

ومن تأمل ديوانه وهو مطبوع ، وجده يدور كله حول وحدة الوجود والاتحاد ، و هو في شعره الموزون عالة على ابن الفارض و الششتري , فتراه إذا قرأ قطعة لهما و أعجبته حاول موازنتها , يُعرف هذا بالمقارنة .

ومن أقران الحراق في هذا المجال , أحمد بن عجيبة التطواني , إلا أنه لم يستطع مجاراته في النظم , وأتى بأنظام كثيرة , إلا أنها ركيكة مختلة الوزن , ضعيفة النسج , وإنما له القدح المعلى في النثر ، فقد ملأ كتبه كلها إلا القليل من هذا البلاء , وأبدأ وأعاد بأساليب متنوعة , يتخللها التكرار والألفاظ الاصطلاحية المملة ، و لا سيما في تفسيره (البحر المديد) , الذي من قرأه ـ وهو مؤمن موحد ـ جزم بأنه تفسير باطني محض , وأنه من التفسير بالرأي حتما , وأنه عبث بالقرآن , نسأل الله العافية . و له عبارة واحدة منظومة تطوي فكرته كلها حول هذا الموضوع , و هي قوله في كتابه (الفتوحات الإلهية , شرح المباحث الأصلية) :

إياك أن تقول أَناهْ * واحْذرْ أن تكون سِواهْ

وممن أدلى من المعاصرين بدلوه , الشيخ محمد بن الصديق الغماري , فنظم قصيدة رائية ليس له غيرها ، و خمسها لنجله الأكبر أبو البيض أحمد , وهي غاية في الركاكة والاختلال والضعف , ومع هذا فمريدوه يتغنون بها ومنها : [الطويل]

شربنا مع ذكر الحبيب حلاوة * فهمنا بها عن كل ما يشغل الفِكْرا و نزّهنا أفكار العقول عن (السِوَى) *و تِهْنا دلالا عند سماعنا الذِّكْرا ومالت منا الأطراف شوقا إلى اللِقا * ففاضت دموع العين والقلب في البُشْرى و َبَدا لنا سرّ جَمْعِ قلوبنا * فغبنا بها عن كل مَن يزعم النُّكْرا ذهبت عنا الأكدار فلم يبق لنا * مع الذكر شيء يؤلم سرّا اَوْ جَهْرا

و بقيتها أحطُّ وأركّ , وأنزل منه درجة نظم أحمد بن عليوة المستغانمي , ففي ديوانه وهو مطبوع سخافات لا تتزن بعروض ولا ميزان , إلا النغم و الغناء عندهم .

و بالجملة فإن مفاهيم هذه العقائد الضالة بينة , تدرك بأدنى تأمل , و لاسيما من خالط القوم وقرأ كتبهم وأشعارهم , ومن تصفح كتابي: ابن العربي : الفتوحات المكية , و فصوص الحِكم , أدرك بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل , أعني : أبا البيض غال وغارق إلى ذقنه في وحل هذا البلاء الماحق , وأنه أفنى عمره في (أن لا موجود إلا الله) تعالى , وأن جميع الممكنات مظاهر له , يتجلى فيها جميعِها , لا في بعضها دون بعض , فهي ليست إلا مظاهر للحق الظاهر فيها , ولولاه لكانت عدما , ولقد أكثر ابن العربي في الاحتجاج بآيات قرآنية , وأحاديث نبوية كثير منها لا أصل له , وإن زعم أنها صحيحة من طريق الكشف , يتصدى لتفسيرها تفسيرا باطنيا يبرأ منه الله و رسوله واللغة العربية , و لا يكترث بلي أعناق الآيات وبترها عن سياقها , ليتم له الاستدلال الآثم ، ويطول بنا القول لو أردنا الإتيان بأمثلة .

و قد ترسم خُطى ابن العربي , ولكن مع ضَلََع ظاهر , وسخف بارد , شقيق أبي البيض : أبو العسر جمال الطين في كتاب له مخطوط سماه (السوانح) , قرأته متعوذا بالله من ضلالاته , وكتبت على هوامشه تعليقات سميتها : "تحصين الجوانح من سموم السوانح" كما أشرنا .

و المقصود بيان ما ينطوي عليه هذا المذهب العريق في الضلال والسوء , من مخاطر وآثار تنعكس على قلب المرء وسلوكه , فلا يحرم حراما , و لا يرعوي عن ذنب , لأنه يعتبر نفسه مَظهراً إلاهيا في الوجود كما قال الششتري : أنا بالله أنطقْ * ومن الله أسمعْ

وقد سمعت أحد غلاتهم بتطوان ، و كان ممن يعرف الفتوحات , و يستحضر كثيرا مما فيها , يقول عن الصلاة ـ وقد كان لا يوقعها إلا على مرأى من الفقراء في الزاوية الحراقية ودون وضوء ـ ولما سألته عن هذا قال بالدارجة : (حَتَّى يُوجّدْهُمْ عَادْ يْكَلْفْهُمْ) ، يعني : أنه لا وجود لسوى الله,

وقد كان الملقب العفيف -وهو الفاجر- التلمساني من الغلاة في الوحدة , يلوط بابنه , ولما أنكر عليه مرة قال له : (يا بني أنا وأنت شيء واحد) . نسأل الله السلامة والعافية, وحسن الخاتمة .

ومن الجدير بالذكر حول التلمساني هذا , ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن الصوفية القائلين بوحدة الوجود قال : (حدثني الثقة الذي رجع عنهم ، لما انكشفت له أسرارهم, أنه (يعني التلمساني) قرأ عليه فصوص الحكم لابن العربي قال : فقلت له : هذا الكلام يخالف القرآن, فقال القرآن : كله شرك , وإنما التوحيد في كلامنا , قال : فقلت له : فإذا كان الكل واحدا , فلماذا تحرم عليَّ ابنتي وتحل لي زوجتي ؟ فقال : لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت , الجميع حلال , لكنِ المحجوبون قالوا : حرام ، فقلت : حرام عليكم) .

وقد ذكر السخاوي رحمه الله في كتابه الحافل (القول المنبي , عن ترجمة ابن العربي) عن هؤلاء الاتحادية عجائب , وجلب فيه أكثر من مائة وأربعين فتوى بتضليل أو تكفير ابن العربي, والكتاب مخطوط وقد قرأته, وعندي منه صورة , وأخبرني أبو البيض أنه قرأه , وأن أولئك المفتين كلهم لم يعرفوا التصوف, ولم يشموا له رائحة , وذكرت الساعة ـ والكتاب لا تطوله يدي الآن ـ أنه ذكر عن الحافظ ابن حجر أنه سأل شيخه ابن الملقن أو البلقيني عنه فقال : هم إن كانوا يعتقدون ذلك كفار, قال : و ابن الفارض ؟ قال : لا أحب ذكره , قال ابن حجر: ولِمَ ؟ والكل والهدف واحد , قال : وشرعت أذكر له أبياتا من تائية ابن الفارض , فقاطعني قائلا : هذا كفر , هذا كفر .

ومعلوم أن ابن حجر باهل أحد طواغيتهم بالقاهرة , و بعد المباهلة بشهر واحد هلك الاتحادي .

وهذه أقوال الشيخ أبي البيض في الموضوع , وأنبه إلى أنني لا أورد منها ما ذكره الأخ الأستاذ الفاضل مصطفى السفياني باحو , في كتابه المستطاب (تنبيه القاري إلى فضائح أحمد ابن الصديق الغماري ) : 1 ـ قال في جؤنة العطار من منسوختي في جواب من سأله عن قولهم : ( لا يكون الصديق صديقا, حتى يشهد فيه سبعون صديقا بأنه زنديق) , بعد كلام : (والصديق المشهود عليه بالزندقة هو الصديق الحقيقي , وهو الصديق الكامل , العارف بالله تعالى , الغريق في بحر الوحدة , فإنه لا يصل إلى مقام الصديقية حتى يفنى عن الوجود , و عما فيه , و لا يرى إلا الله تعالى , و تظهر عليه أنوار الوحدة ، و أسرار المعرفة , ومقامات الفناء , فعند ذلك يبوح لا محالة بما في آنيته , أحب أم كره ، لغلبة حال السكر عليه , فإذا دام على ذلك و اشتهر به , و شاع عنه , شهد عليه الفقهاء والعباد الصالحون بالزندقة , لبعدهم عن هذا المقام , و جهلهم به و بالله تعالى تمام الجهل , كما هو حالهم مع كبار العارفين ,كالحلاج ، و ابن العربي , و ابن سبعين ، و ابن الفارض , و الششتري ، وأمثالهم , فإن جل الفقهاء يشهدون عليهم بالإلحاد والزندقة ، و القول بالحلول و الاتحاد . و قد ألف الحافظ السخاوي مجلدا حافلا في إكفار الشيخ محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه , سماه : (القول المنبي, في ترجمة ابن العربي) , لم يورد فيه إلا فتاوى كبار العلماء , من عصر الشيخ الأكبر كالعز ابن عبد السلام ومعاصريه ، إلى طبقة شيوخه وشيوخهم , كالبلقيني و العراقي و الحافظ ابن حجر و أمثالهم , و كلهم حكموا بكفره و زندقته , فهم صديقو أهل القرن السابع و الثامن والتاسع, و هم نحو السبعين (قلت : بل هم أكثر من مائة وأربعين) , و ما حصلت له رضي الله عنه الصديقية الكبرى , إلا بعد شهادة هؤلاء الصديقين رحمهم الله وغفر لهم , و جعلنا من حزبه المشهود عليهم , ولو كان الشاهدون ألف ألف صديق .

وكتبت أنا على هامش نسختي تعليقا على هذا القول ما نصه : (لازم هذا أنهم جاهلون بالله تعالى , لا يفهمون عن الله , ولو بلغوا مليونا من العلماء , والمؤلف ومن على شاكلته , عالمون بهذا , مدركون له بالذوق , كأن أولئك لا أذواق لهم , والعجب أن من أولئك أولياء حكيت لهم كرامات, و زعمت لهم "القطبانية" ؛ كابن حجر وغيره , كما في "الجواهر" و"الدرر".

2 ـ قال في رسالة بدون تاريخ إلى ذنبه الكرفطي المدعو التليدي : (وجوده صلى الله عليه وسلم في كل مكان, بل هو الكون كله ) .

قلت: تأمل قوله : (بل هو الكون كله) , فإنه يعني ما يدعونه "الإنسان الكامل" ، و يقصدون أنه أكبر مظهر للإله في الأرض , تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .

3 ـ وفي رسالة له إليه مؤرخة بـ (12 ربيع الثاني عام 1374) قال بعد كلام : (أما وحدة الوجود فوالله ما أوجد الله عارفا به تعالى من عهد آدم إلى النفخ في الصور , إلا و هو قائل بها , ذائق لها , لأنها عين المعرفة , فمن لا وحدة له , لا معرفة له أصلا , ثم ذكر أن العارفين عنده قسمان: قسم يلزم الصمت ولا يبوح بالسر , و قسم غلبهم الحال , فباحوا أو أُذِنَ لهم بالبَوْحِ فصرحوا ) , إلى أن قال : ( ولله در القائل : [الكامل]

أهل الهوى قسمان قسم منهمُ * كتموا وقسم بالمحبة باحوا فالكاتمون لسرهمْ شربوا الهوى * ممزوجة فحمتهمُ الأقداح والبائحون بسرهم شربوا الهوى * صرفا فهزهمُ الغرام فباحوا

والعارف الششتري رضي الله عنه من أكثرهم بوحا بذلك في أشعاره وأزجاله , و من أفصحها في ذلك قوله :

محبوبي قد عم الوجودْ * وقد ظهر في بيض وسودْ وفي النصارى واليهودْ *وفي الخنازير والقرودْ الخ ما لست أنا على يقين من لفظه) .

قلت : تأمل قوله : (وقد ظهر في بيض وسود الخ) لتدرك ما فيه من معنى الحلول الذي ينكره أبو البيض , و قوله : (وفي الخنازير والقرود) منسجم تمام الانسجام مع قول ابن العربي :

وما القرد والخنزير إلا إلاهنا * و ما الله إلا راهب في كنيسة

وقد أنكر أبو البيض هذا البيت , وكذب من نسبه إلى ابن العربي بدون دليل ، وهو مذكور في كتب الصوفية منسوبا إليه . 4 ـ وفي رسالة منه إليه بتاريخ (3 ذي القعدة 1379) ، (و يلاحظ أنها من أواخر ما كتب لأنه توفي بعدها ببضعة أشهر , الشيء الذي يدل على عدم توبته من فواقره) ، ما نصه : (و قول العارف الحراق : [الوافر]

فذا شيء دقيق ليس تدري * لدقته المشيرَ و لا المُشارَا به صار التعدد ذا اتحــــاد * بلا مزج فذا شيء أحارا

ومن أحسن ما عبر به عن وحدة الوجود التي من ذاقها وتحققها فهو العارف بالله , ومن أنكرها فهو الجاهل المغرور البعيد عن حقيقة التوحيد و الإيمان , ومن آمن بها وسَلَّم أمرها لأهلها , فهو المؤمن الكامل ، الذي يُرجى له كل خير من الله ؛ بل هو إن شاء الله من أولياء الله , و إن كان ليس عارفا به) .

قلت : تأمل هذا الكلام , لتعرف ما يلزم عليه من تجهيل بل و تكفير الصحابة و التابعين , و الأئمة المجتهدين , و الجماهير الغفيرة من الأولياء و الصالحين ، الذين درجوا و هم لا يعرفون حرفا واحدا من هذه الجراثيم المبيدة للدين والأخلاق , لأن من خصائص هذه العقيدة الخطيرة أن صاحبها لابد أن يكون إباحيا لا يعرف حلالا ولا حراما ، و ليكن منك على ذكر , قول العفيف ـ بل الفاجر ـ التلمساني المشار إليه آنفا , فاعلم هذا واستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

5ـ وفي رسالة منه إليه بتاريخ ( 27 محرم عام 1380 ) (يلاحظ أنه كتبها قبل موته بنحو شهرين) , قال يخاطب بِرْذَوْنَهُ , و وارث شَرِّه : (وكذلك اقتصارك على من ذكرت في التصريح بوحدة الوجود مع أنك لو حكيت الإجماع المحقق المقطوع به , لكان أولى من ذلك , لأن المعرفة هي التحقق من وحدة الوجود , ذوقا لا علما و إيمانا , فمن لم يقل بها , فوالله ما شم للمعرفة رائحة) .

قلت: هكذا يصرح أبو البيض بانعقاد الإجماع على وحدة الوجود , ولا أدري إجماع من !؟ فلعله إجماع الزنادقة ومن لا دين لهم , ولعل مصدر تلقيه الشيطان , وإلا فقل لي بربك كيف يُتَصَوَّرُ إسلامٌ وإيمانٌ دون علم ولا تعليم ولا درس إلا الذوق , وهذا القرآن و السنة بين أيدينا , يدعوان الناس إلى التوحيد الظاهر من معنى لا إله إلا الله ، و عليه جردت السيوف , وفتحت الأمصار , وتفتحت الأبصار , دون أن يعرف الفاتحون من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الآن ذوقا ولا حالا , سبحانك هذا بهتان عظيم .

6 ـ وفي رسالة منه إليه بتاريخ ( 6 صفر عام 1379 ) , تحدث عن معية الله تعالى ، و حمل على أئمة السلف , وخصوصا الإمام أحمد فقال عنه : (هكذا فعل أحمد بن حنبل في العلو , فآمن به وكفر بالمعية , هو و من على طريقته ، أما نحن فنؤمن بكل ما جاء عن الله من : يد ويدين وأيد وعين وعينين وأعين , و نومن بأنه سبحانه على عرشه بذاته كما ورد فيه النص ، وكذلك نؤمن بأنه تعالى معنا بهوية المعية ، و هي ذاته المقدسة ، فهو معنا بذاته في حين كونه فوق العرش بذاته ، وتحت الأرض السابعة بذاته ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو دلى أحدكم بحبل لهبط على الله الخ).

قلت: والشيخ مولع بقضية المعية , وأنها بالذات لا بالعلم , كما أجمع عليه السلف الصالح , و هو مقتضى القرآن في آية العلم : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ, مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم,ْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة:7) , فافتتح سبحانه الآية بالعلم , وختمها بالعلم , و قد عمي عن هذا واحتج بالحديث الضعيف , وفاته أن يقول عن الله تعالى وهو من لوازم إيمانه وفهمه : (إنه تعالى بذاته في الحشوش والمزابل) إلى آخر ما لا يليق بعظمته , ونتحرج من ذكره , وقد أعدى أبو البيض أشقاءه بهذا البلاء الماحق , و المقصود الأهم من الإصرار على إثبات المعية بالذات أنها مَدْرَجَة لوحدة الوجود كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه و أصحابه , و تهجم الشيخ على الإمام أحمد معهود منه , فقد وصفه بالجهل , و أنه لا يعرف طريق الجمع بين النصوص , و أنه كان يعتقد الجهة والعلو والانحياز فوق العرش , و هذا كله بهتان و افتراء , و حاشا الإمام المحتسب الصابر على الحق أن يكون كما وصف هذا الظالم لنفسه , و قد اتهمه بالنصب و معاداة الصوفية , وقد قرأت في مناقبه رضي الله عنه قول ابن أعين فيه : أضحى ابن حنبلَ محنةً مأمونةً * وبِحُبِّ أحمدَ يُعرف المتنسكُ وإذا رأيت لأحمدٍ متنقصا * فاعلم بأن ستوره سَتُهَتَّكُ

وقال الحسين الكرابيسي : (مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل, مَثَلُ قوم يجيئون إلى أبي قبيس (جبل بمكة), يريدون أن يهدموه بنعالهم) .

وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: (من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام) .

قال أبو الحسن الهمذاني : (أحمد بن حنبل محنة به يُعرف المسلم من الزنديق)

قال محمد بن فضيل : ( تناولت مرة أحمد بن حنبل, فوجدت في لساني ألما , لم أجد معه قرارا , فنمت ليلة فأتاني آت فقال : هذا بتناولك الرجل الصالح , فانتبهت , فلم أزل أتوب إلى الله تعالى حتى سكن) .

وانظر هذه الأخبار وأمثالها معها , مروية بأسانيد عدة في (مناقب أحمد) لابن الجوزي, و(تاريخ الإسلام) و(سير أعلام النبلاء) لابن الذهبي, ولم أذكرها ليعتد بها أمثال المؤلف و ينزجر, فإنه لا يؤمن بها ولا بمن رويت له , وإنما ذكرتها للعبرة لا على طريقة المتصوفة الجهلة المتربصين بأهل العلم المصائب , للتشفي والاستغفال والابتزاز , وقد عرفت بالمخالطة والاطلاع التام على الأحوال , ما جرى لأبي البيض من المحن والدواهي منذ ثورته الحمقاء على الإسبانيين إلى أن مات , فبعد الاعتقال والتغريم و الإهانة ، امتحن بأمراض السكر و القلب و الضغط , وقاسى منها الشدائد , ثم أزعج عن وطنه وأهله إلى مصر , فتلقى هناك رواجا من العسكر بسبب التقلبات السياسية , ووعدوه و مَنَّوه , فركن إليهم ، و اغتر باستدعائه إلى مجلس الأمة , و إجلاسه بشُرفة كبار الضيوف مع بعض الأمراء , و تخصيص سيارة له مع ضابط ملازم , وكان يغيظ بإظهاره ذلك موظفي سفارة المغرب , على أن هذا كله كان بواسطة من يسميه البكباشي حسن , الذي من أجل ذلك وصفه بالولي الصالح الكامل العارف بالله , ثم لم يلبث بعد ذلك إلا قليلا حتى أصيب بمحنة شقيقه عبد الله المعروفة ، التي أتت على أحلامه من القواعد , فأصيب بذبحة صدرية قضى منها وهو يهتف باسم النبي صلى الله عليه وسلم , على عادته , ولم يلفظ بكلمة الشهادة , و أمره إلى الله , و العجب أن شقيقه عبد الله أنكر بعد قدومه المغرب عقيدة وحدة الوجود جملة وتفصيلا , كما حدثني من سمعه يجادل فيها شقيقه عبد العزيز .

7ـ وفي رسالة منه له بدون تاريخ قال : (و مسألة وحدة الوجود, لا ينبغي أن تخوض معه (لشخص ناظر الكرفطي فيها) في أدلتها , و عليك بحكاية إجماع أهل الله عليها من عهد آدم ! ! إلى النفخ في الصور ، و كبار العارفين كلهم مصرحون بها ).

8ـ وفي رسالة منه إليه بتاريخ (17 محرم 1379) ، قال : (وحديث : "إن الله خلق آدم على صورته" له معنيان : أحدهما ما ذكرته في الطباق المطبوع , من أن الضمير عائد على آدم , وأنه خُلق من أول وهلة على هذه الصورة , لا كما يقوله الكفرة , من أن أصل الإنسان كان قردا ثم حصل الارتقاء , و رواية : (على صورة الرحمن) ، من تصرف الرواة على حسب فهمهم في الحديث خطأ . و المعنى الثاني : على فرض عود الضمير على الله تعالى , فالله خلق آدم على صورته المعنوية, من كونه عالما قديرا مريدا , حيا سميعا بصيرا متكلما , و إن كان الأمر فيه تجوز , لأن هذه الصفات في الله تعالى غيرها في آدم , إلا أن الله يخاطب العباد بما يفهمون . و هناك معنى ثالث : إذا ذكرت الله كثيرا , وصحبت العارفين , وفتح عليك تعرفه ، و هو الحق الذي لا مرية فيه , ولكن إذا عرفته بعد الفتح , فأنت أول من ينكر التصريح به , و يكفر من يعتقده) .

قلت: هذا واضح كما ترى, وعيد أبي البيض لتلميذه بعدم البوح بالسر , و أنه إن أدركه بـ(الذوق) يكون أول من ينكره , ويكفر من يعتقده ، بشرط الفتح , وهو يشير إلى أنه مفتوح عليه, لإعلانه بالسر ونصرته له باللسان والقلم ، ولم يصب بسوء في الدنيا لسقوط حكم الإسلام , وذهاب دولته من الأرض الآن , و لله الأمر من قبل ومن بعد .

وملاحظة أخيرة في هذا الفصل, وهي أن أبا الفتوح, لم يعرج على هذه العقيدة فيما جمعه من رسائل شيخه أبي البيض , المسمى (در الغمام الرقيق) , مع أنني نقلت أقواله فيها هنا منها ! ولعل ذلك راجع إلى أن أبا الفتوح بدا له في الأمر وغير رأيه , كما في مسألة عدالة الصحابة , وتكفير الشيخ لجماعة منهم , وعلى رأسهم معاوية رضي الله عنه , بيد أنه تبين لي أنه ما زال متأرجحا بين الإيمان والكفر , فهو يجمجم ولا يُبين , فتارة يثني على دهاقنة الاتحاد كابن العربي ، والششتري ، و ابن سبعين، وابن أضحى ، والتلمساني ، وحتى التجاني ، وابن عجيبة ، والحراق , وهلم جرا ومسخا , ويؤذن لأنعامه بالتغني بأشعارهم في طقوس (العمارة) اليهودية , بثكنته التي سماها الآن (دار القرآن) ! و القرآن بريء منها , وتارة يتظاهر بالإنكار والرد , لتحقيق المآرب , وتيسير المآدب , ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء : الآية227] .


الفصل الثاني تفسيره القرآن بالرأي وجزمه بأن رأيه المختار هو مراد الله تعالى وحلفه بالله تعالى على أنه مراده تعالى الله عن عبثه بكتابه المقدس


من المعلوم في الدين الإسلامي أن القرآن العظيم هو أصله الأول وأساسه الأصيل, وقد جمع الله فيه ما تفرق في ما قبله من الكتب والصحف المنزلة من أسمائه وصفاته , وأحكام دينه وشريعته الموصى بها من الرسل قبله, المشار إليها بقوله عز وجل: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى:13) .

وهذا الدين الأول والآخر هو توحيد الله تعالى بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى, وقضائه وقدره الكوني والشرعي, وما يتعلق بذلك ويترتب عليه من الإيمان وضده, وثوابه وجزائه, وما أعد الله للمؤمنين والكافرين من نعيم ونَكال, وما شرع لعباده على ألسنة أنبيائه ورسله, من شرائع وأحكام, وحلال وحرام, وقواعد الإسلام والإيمان, وأنباء البعث والنشور وقصص الأنبياء, وغير ذلك من التعاليم الإلهية التي ضمنها كتابه العظيم, الذي أخبر أنه جعله ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(النحل: من الآية89)) وأنبأنا بقوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام: من الآية38)) ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله : (كل ما صح عن رسوله من السنة فهو مما فهمه من القرآن) .

وقد اتفقت كلمة علماء السلف الصالح أن التصدي لتفسيره من الصعوبة بمكان, وتفاديا للخطأ فيه حددوا تفسيره بمراتب ثلاث :

تفسير القرآن بالقرآن, لأنه لا أحد أعلم بمراد الله منه, والقرآن مليء بهذا النوع من التفسير, وقد اعتمده كثير من علماء الحديث ومفسريه كابن كثير رحمه الله, وقيض الله له من المعاصرين شيخنا الإمام : محمد الأمين بن المختار الجكني الشنقيطي رحمه الله, فجمع فيه سِفره العظيم (أضواء البيان ، في إيضاح القرآن بالقرآن) وهو مطبوع, يلي هذه المرتبة:

تفسير القرآن بالسنة: لأنه لا أحد يتقدم الرسول المخاطب به من ربه , وهو كان المقصد الأول من جمع التفاسير المسندة, كتفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وعبد الرزاق وسنيد وغيرهم, وقد جمع تفاسيرهم بحذف السند مع الأسف السيوطي رحمه الله في كتابه الجامع (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) وقد طبع مرارا, والمرتبة الثالثة :

تفسير الصحابة, رضي الله عنهم: وتفاسيرهم في الغالب يكتنفها اختلاف, إلا أنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد, ويجب اعتبار هذا التفسير لأنه صدر ممن شاهد التنزيل, وعرف المناسبات وأسباب النزول, وخالط الرسول صلى الله عليه وسلم, وعلم تصرفاته وأعماله, وفهم أخلاقه التي كانت مستمدة من القرآن كما قالت زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) .

فإذا لم يوجد تفسير في هذا المراتب, وقلما يفقد, لجأ المفسر إلى اللغة العربية وأساليبها,ومعرفة سَنَن العرب في كلامها, فإنه واجد بإذن الله في ذلك ما يكفي ويشفي, إلا أنه قبل هذا وبعده, لابد من مراعاة أحكام وآداب يجب توافرها في المفسر , حتى لا يقع في المحظور إن هو أرخى العنان لهواه ونحلته, فيَضِلُّ ويُضِلُّ, وقد كان الأولون في عافية من هذا المأزق, لكونه غير معروف يومئذ, فلما تعددت المذاهب والنحل, وتكاثرت البدع والأهواء, اقتحم الضالون العقبة, فتجرأوا على تفسير القرآن بأهوائهم وعقائدهم, وكان منهم الصوفية الذين بالغوا في الافتيات على الله, وقَوَّلوه سبحانه ما لم يقل, فظهرت تفاسيرهم التي أُقسِمُ بالله بارّا غير حانث أنها عبث بالقرآن, وتلاعب بأغراضه ومعانيه,وهذه تفاسيرهم بين أيديكم, للنيسابوري والمهايني وإسماعيل حقي, والتستري والسُّلَمي والورتجيبي والقُونوي والقُشَيْري وابن عجيبة, وهي بدون شك من التفسير بالرأي المذموم, والأمر في غنى عن التحذير والنهي, فإن مجرد تصوره كاف في اجتنابه, والنفور منه, وقد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (أي سماء تظلني, وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأي أو قلت فيه بما لا أعلم) ( ) . وورد عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه مثل هذا في تساؤله عن معنى (الأب), أما في المرفوع من الحديث فلا يصح, وهو ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب بن عبد الله مرفوعا : (من قال في كتاب الله عز وجل برأيه, فأصاب فقد أخطأ)( ) وفي سنده سهيل بن أبي حازم, لا يحتج به. وعن ابن عباس مرفوعا : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)( ) . وفي رواية أخرى عنه : (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم, فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار,ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) ( ).رواه أحمد في المسند والترمذي, ومداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف .

ومزاولة أبي البيض هذا النوع من التفسير بالرأي المذموم كثير في كلامه , بل إنه أملى في منفاه تفسيرا من سورة البقرة إلى سورة الناس , سماه (الإقليد, في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد) في مجلدين ما زالا مخطوطا , ومنهجه أنه ما مر بآية في ذم المشركين والصابئين وأهل الكتاب والمنافقين إلا وأنزلها على المقلدين من المسلمين دون تمييز ولا تفصيل, في أسلوب مشعر بأنهم المراد لا غيرهم, والتقليد المبتدع ما اتصف به فريق من الفقهاء المتعصبين, لا التقليد كله, لأنه معلوم أنه لا مفر منه للعوام وأشباههم مِن مَن لا دراية لهم ولا فهم, ولست في حاجة إلى التمثيل, فإنه كما قلت تنزيل للقرآن الكريم على الأبرياء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وفيهم من يعدهم أبو البيض أولياء عارفين صالحين, وإن أنكر كونهم مقلدة, وهو بذلك يحاول ستر الشمس بالغربال .

والكتاب الآخر الذي تورط فيه في هذا الخبل هو(مطابقة الاختراعات العصرية ، لما أخبر به سيد البرية) وهو مطبوع, وقد ملأه بالأحاديث الواهية والموضوعة, يوردها أحيانا بأسانيدها ويسكت, وهو يعلم أنها كذب, وهو بذلك داخل في وعيد حديث : (من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْنِ) ، وحديث (إن كذبا عَلَيَّ ليس ككذب على أحد, فمن كذب عليَّ فليرد النار) والحديثان صحيحان.

وقد انفرد أبو البيض بقاعدة أصَّلَها في مصطلح الحديث لا علم للناس بها, وهو مجتهد في كل شيء, حتى في اللغة, والقاعدة أن الحديث إذا أورد مطابقا للواقع فهو صحيح بقطع النظر عن سنده, وقد تبعه على هذه القاعدة الغمارية شقيقه أبو العسر, فإنه كان مهووسا بهذا النوع من أحاديث الملاحم وأشراط الساعة.

وقد أورد أبو البيض طائفة من الآيات , زعم أنها مطابقة لما ظهر في هذا الوقت من المخترعات ,كالطائرة والغواصات , والسيارات والقطارات,والدراجات والقنابل الذرية, والتلغراف والتليفون إلخ, يصرح في أثناء ذلك بأن المعنى الذي فسَّرها به هو الصحيح الواقع, ومن زعم غيره من مفسري السلف فهو جاهل معذور, وقد استولى عليه هذا الفهم, وولع به حتى انتهى به المطاف إلى الافتيات على الله, والحلف على مراده, وقال في قوله تعالى من سورة البقرة : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:8) إلى قوله ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة: من الآية20) بعد أن أورد وجوها عدة في ترجيح ما رآه وَحْدَهُ صوابا, وهو أن المراد بهذه الآيات كلِّها العصريون الحزبيون عموما, والاستقلاليون والإصلاحيون بالمغرب خصوصا, لِما كان بينه وبينهم من عداء مستحكم, حمله على تسمية جمال عبد الناصر وعلال الفاسي في طبعته الأولى, زاعما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بمدح جمال وذم علال, وأورد في تفسير الآية عن سلمان الفارسي أثرا لا يصح, أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد, وهو مسبوق بهذا النقل, وما ترتب عليه من فهم من عدوه اللدود, يوسف النبهاني فإنه أشار إلى ذلك في شرحه لرائيته الصغرى المطبوعة ضمن ديوانه, كما أن احتجاجه بتلك الآية لم يكن من استنباطه, بل سبقه إليه شقيقه الشيخ الزمزمي في رسالته المخطوطة (كشاف الأخدان ، عما في القرآن ، من أمور ظهرت في هذا الزمان). وقد قرأها أبو البيض وسطا على ما فيها من مزاعم حول تلك الآيات وكتب عليها بخطه , وقال بعد هذا كله من المطابقة :

(أما منافقو زمانه صلى الله عليه وسلم فلم يحصل منهم فساد في البقعة الصغيرة, التي كانوا بها مطلقا, فضلا عن أن يحصل منهم في الأرض, بل ما صدر منهم مما يسمى فسادا في الأرض مقدار شعرة بالنسبة لثور مما صدر من هؤلاء, بل لم يصدر من أولئك فساد أصلا, إلا ما كان في نفوسهم من الكفر الحاصل عليهم, وهو النفاق فكيف يمكن حمل الآية عليهم وهم أبرياء منها !!). تأمل هذا الكلام الذي يتضمن تكذيبا غير مباشر لله تعالى, وتحديا للقرآن الذي لاحق المنافقين في عشرات الآيات. ثم قال أبو البيض: (فأقسم بالله تعالى أن الله تعالى ما أراد بالآيات الكريمات إلا هؤلاء المارقين, وأنه لو رآهم المفسرون من السلف, لقطعوا بذلك, ورجعوا عن تنزيلهم الآيات على منافقي عصر النبي صلى الله عليه وسلم).

وأذكر هنا ما اتفق لي حول هذا الموقف مع شيخنا الإمام المجدد بحق لعلوم الحديث والأثر, أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله, حيث زرته للمرة الأولى بمنزله بالمدينة النبوية عام 1382 هـ , فذاكرني في موضوع أبي البيض وتآليفه, وكتابه (المطابقات) واستنكر ما ارتكبه فيه من مصائب, منها تسمية جمال وعلال, والزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما, ومنها وهو أكبرها إقسام أبي البيض على مراد الله تعالى, فليت شعري, هل أوحي إليه بذلك؟!

فأجبته وأنا مستغرب غاية : بأن ذلك كان من رد الجميل للعسكر بمصر, فقال الشيخ: (وهل يكون رد الجميل على حساب القرآن والحديث؟!) فأمسكت ولم أحر جوابا.

الفصل الثالث قوله بفناء النار أو أن عذابها ينقلب عذابا ونعيما وتنويهه بكلام ابن القيم في ذلك في كتابه (حادي الأرواح وغيره)


مما تفق عليه علماء السلف الصالح في ما يرجع إلى العقيدة, إيمانهم بوجود الجنة والنار الآن, وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان, إعمالا للنصوص المتواترة المتكاثرة في القرآن والسنة, بحيث أصبحت هذه المسألة من البدهيات التي يسشنع الخلاف فيها, ولم يخالف فيها إلا أبو الهذيل العلاف المعتزلي الهالك, ومن تبعه مستدلين بفلسفة بائرة, مفادها استحالة دوام حركة بلا انقطاع إلى ما لا نهاية, حتى حُكِيَّ عنه من شناعته قوله بأنه لا بد أن يأتي على أهل الجنة والنار يوم تبطل فيه حركاتهم, وتتوقف نهائيا, وتبعه على هذا الضلال المبين الشيخ الأكفر محمد بن علي بن العربي الصوفي, فذكر في الفتوحات أنه سيأتي على النار يوم تصفق فيه أبوابها, وينبت فيها الجرجير (اسم نبات) وذلك لخلوها, ولم يلحظ الإمام المجتهد الداعية ابن القيم إجماع من يعتد بهم من أئمة السلف على بقاء الجنة والنار, وعدم فنائها, ووثق بفهمه واجتهاده واستقلاله فأعلن رأيه دون مواربة بعد أن أطال في الاستدلال, ودفع الاشتباه والاحتمال, ببيانه المشرق, ونفسه الفقهي العالي, حيث من قرأه وتدبره مليا انساق معه متأثرا برأيه, مأخوذا بقوة وعيه, وذلك في كتابه العجاب(حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وغيره . وهذا ما وقع لأبي البيض, فرجح مذهب ابن القيم, ثم اضطرب بسبب إعجابه بقول إمامه الأكفر ابن العربي ، وقد حكي هذا القول عن شيخ الإسلام ابن تيمية فيما أورده ابن القيم في حادي الأرواح وحكاه عن بعض الصحابة , والجدير بالذكر أن الإمام ابن القيم رحمه الله و شيخه رجعا عن ذلك كما يستفاد من كلامهما الكثير في العقيدة السلفية التي لم تحد قيد أنملة عما أجمع عليه السلف .

وبعد هذا نأتي بكلام أبي البيض في رسالة منه إليَّ, وهي مما سطا عليه أبو الفتوح فأورد بعضها في (در الغمام الرقيق) ما نصه :

(ومسألة فناء النار, قد ذكر ابن القيم أدلتها, فشفى وكفى, وتبعه بعض كبار العارفين (يعني ابن العربي الحاتمي والتعبير به (وتبعه) خطأ لأن هذا كان قبل ابن القيم بزمان) ، وصرح بأنه يأتي عليها يوم ينبت فيها الجُرجير, وإن أجاب الشعراني عن ذلك بأن المراد الطبقة العليا طبقة عصاة المؤمنين, لا درجات الكفار, والأدلة متضاربة, إلا أن أدلة القول بفناء نفسها كما يقول ابن القيم أو للألم مع بقاء صورة العذاب كما يقوله الشيخ الأكفر أرجح (وهو خبر إلا أن أدلة ...)ويكفي صفة الرحمة مع غلبتها لصفة الغضب, وسبقيتها أيضا, إذ لا معنى لهذه السبقية والغلبة, إلا ظهور أثرها وانقطاع الغضب, فالأمر دائر بين انقلاب العذاب عذوبة, وذهاب الألم به مع بقاء الصورة تحقيقا للوعيد كما يقول الشيخ الأكفر, وبين ما يقوله غيره من الفناء على أن هذا القول قد يرجع إلى قول الشيخ الأكبر بأن المراد بالفناء ذهاب الألم وانقطاع العذاب لا صورته التي هي في الحقيقة عين النعيم, فالقولان عندي سواء في المعنى, وإلى ذلك نميل, وبه ندين الله تعالى) .

ويلاحظ أن أبا الفتوح رد على شيخه هذا بمنتهى الأدب وهذا عجيب, ولو كان أبو البيض حيا ما جرؤ أبو الفتوح على مخالفته, ثم إن المتأمل في كلام أبي البيض يدرك أنه لم يفطن لتناقض ابن العربي في كلامه بين حكمه بفناء النار حتى ينبت فيها الجرجير, وتصفق أبوابها لفراغها وخلوها عن نزلائها , وبين حكمه ببقاء صورتها تحقيقا للوعيد إلا أن عذابها ينقلب عذبا حلوا ونعيما, ورغم هذا فقد وافقه أبو البيض وصرح أنه يميل إلى القولين المتناقضين ويدين الله تعالى بهما, وهذا من غلبة الشقاء عليه, وإلا فهل يقول مسلم بأن عذاب جهنم الذي أعده الله لأعدائه ووصفه بأبشع الأوصاف وأقبح النعوت في عشرات الآيات ينقلب عذبا ونعيما ينعم به أهل النار, وهل هذا إلا تحد لله, واستهزاء بكلامه, ومعاكسة لمراده, نسأل الله السلامة والعافية .

وهي في الحقيقة فاقرة ثانية تضاف إلى فاقرة فناء النار, وبعد هذا لا يلام شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إذا صرح في كثير من كلامه بأن كفر هؤلاء الاتحادية أقبح من كفر اليهود والنصارى, وهذا كلام ابن العربي نظما في الموضوع في نونية له : [الطويل] فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ** وما لوعيد الحق عين تعاين وإن دخـلوا دار الشقاء فإنهم ** على لذة فيها نعيـم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحـد ** وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذابا من عذوبـة طعمـه ** وذاك له كالقشر والقشر صائن

ومآل هذا الكلام أن مصير الكافرين إلى سعادة ونعيم, ونسأل الله أن يحشرهم (أي الشيخ الأكفر وأبا البيض ومن يدين بدينهم) معهم يوم القيامة ، ويقال لهم : (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)(المطففين: من الآية17) . ويقال لهم : (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور:16) .

الفصل الرابع قوله بجواز رؤية الله تعالى يقظة ومناما في الدنيا وادعاؤه ذلك


مسألة رؤية الله تعالى يقظة فاقرة من فواقر الدهر التي لا علاج لها إلا السيف, لأن الأنبياء والمرسلين وسيدهم وأفضلهم سيدنا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام لم تحصل لهم, وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ يعني في المعراج فأجاب (نور أنى أراه ) ، وهو صحيح لا غبار عليه , وقد ورد تفسير قوله: (رأيت نورا) بأنه حجاب العظمة, وهذا كلام فصل قاطع للنزاع, وقد حرره بأسلوب علمي متين الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية, وهذا كليم الله موسى بن عمران عليه السلام, طلب رؤية الله عندما كلمه في الطور , فقال : (رب أرني أنظر إليك, قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني, فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا, فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول العابدين) ، فهذه الرؤية البصرية لم تحصل للمرسلين حتى كليم الله , وسيد الخلق, رغم سؤال موسى لها, فكيف يجرؤ من يدعي الصلاح والولاية على ادعائها (سبحانك هذا بهتان عظيم) .

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من حديث : (.. واعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه في الدنيا).

قال البربهاري في شرح السنة: (من زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله عز وجل) .

ورغم آية القرآن ، اقتحم سلطان العاشقين ! عمر ابن الفارض المصري , وصارح ربه قائلا:

وإذا سألتك أن أراك حقيقة ** فاسمح , ولا تجعل جوابي لن ترى

فانظر يا أخي هداني الله وإياك, إلى هذا الاستخفاف بالربوبية, والاستهزاء بعظمة الألوهية, الذي كان من نتائجه تكاثر المدعين الدجاجلة, فيحكى عن أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخراز والحلاج وغيرهم, ما إن ثبت عنهم صح الحكم بردتهم وكفرهم.

وإذا بلغتَ إلى ابن العربي في الفتوحات, رأيتَ العجائب من هذه الفضائح الكفرية, فلا غرو أن يدلي بدلوه في غياب حكم الشريعة, وشيوع الفوضى والإلحاد, وإغماد سيف الحق, أبو العسر, فيزعم أنه رأى الله تعالى يقظة لا مناما, وكيف لا وتلميذه الرقيع أبو الفتوح زعم أن الله ـ سبحانه وتعالى عما يقول الأفاكون علوا كبيرا ـ تشكل في صورته, فرآه بعض براذينه, وهذا كفر ما بعده كفر , ونستغفر الله من حكايته, وحاكي الكفر ليس بكافر, وليته طوى البلاء على ما فيه, بل كتب به إلى أبي البيض , وزعم أنه أقره, وعبر له الرؤيا بالموافقة,ولم يأت بكلام شيخه بنصه لحاجة في نفسه, حتى نشره هو في كتابه (در الغمام) ونصه : (والذي رأى الله في صورتك حق, لأنه لم ير الله تعالى, وإنما رأى الرب بدليل قوله لك : يا رب اغفر لي, ولم يقل : يا ألله, والرب هو السيد, وهو المعلم , فأنت معلمه وسيده ) .

وهذا الهذيان مقبول في الجملة بخلاف كلام أبي الفتوح الموهم ما لا يجوز , ثم إن ادعاء رؤية الله يقظة إن جرت على مذهب أهل الاتحاد والوحدة, جازت عندهم لأن الله تعالى عندهم كل شيء, فكل ما تراه من حسن وقبيح هو الله, ألم تسمع غلاتهم كابن سبعين والتلمساني وابن العربي يقولون: (ليس إلا الله), حتى سُمُّوا : (اللَّيْسِية) . وكان منهم من إذا سمع نهيق الحمار يقول: لبيك . وقد قال ابن العربي : [الطويل]

وما الكلب والخنزير إلا إلاهنا ** وما الله إلا راهب في كنيسة

كما أن كل كلام في الوجود حسنا كان أو قبيحا, أو مجونا أو كفرا , أو ردة أو ضلالا أو سخفا, نظما كان أو نثرا, فهو كلام الله تعالى, وتقدس ربنا عن هذا الكفر المبين. كما قال ابن العربي : [الطويل] وكل كلام في الوجود كلامه **سواء علينا نثره ونظامه ولما ادعى أبو الفتوح هذا المسخ في مبشراته بالنار, استنكرته بلساني فبلغه إنكاري, وكان يومئذ في أوج سُعاره بُعَيْد وفاة أبي البيض, وهو بصدد بناء الزاوية وجمع الأنعام حوله. فكتب رسالة (الإعلام بجواز رؤية الله في المنام) وطبعها, وهي عبارة عن عريضة سباب وطعون, وقذف صريح, يطالب بإثباته شرعا وإلا أقيم عليه حد القذف .

ولما قرأتها رددت عليه يومها برسالة سميتها (بيان إلى الدجال القرمطي, عبد الله الكرفطي) أو (نشر الإعلام بمروق الكرفطي من دين الإسلام) وبعد نحو أربعين سنة من كتابتها, وقعت بيد الأخ الأستاذ الداعية عمر الحدوشي (فك الله أسره), فاستأذنني في طبعها فأذنت وطبعها, وأثنى عليها من وقف عليها, لأنها تضمنت حقائق واضحة, ودلائل نيرة, علاوة على حكاية إجماع الحنفية على اعتبارها ردة وكفرا, ومعلوم أن رؤية الله في المنام صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (رأيت ربي في أحسن صورة...) هذا اللفظ الثابت بخلاف (رأيت ربي في صورة شاب أمرد) ونحوه فإنه لا يصح. ولكن هذا ومثله كالوحي ومشاهدة الجنة والنار من شأن النبوة لا يجوز القياس عليه.

وهذا هو السر في أن هذه الرؤيا لم تثبت ؛ بل لم تجئ عن الصحابة والتابعين, لأنهم كانوا أعرف بالله تعالى, وأخشى لله أن يدعوا ما لا يجوز ولا يعقل.وما يحكى عن الثوري والإمام أحمد وغيرهما من أئمة السلف لا ثقة به. ويحتاج قبل الخوض في معانيه والمراد منه إلى نقد أسانيده, ثم تكاثر ذلك حتى ادعاه من هبّ ودبّ, كأبي البيض الذي أورد في جؤنته رؤياه لربه التي هي عبارة عن صحون من الأطعمة تأتي من ورائه وتنزل بين يديه, فعبرها هو بأن ذلك التصرف كان من الله. وأن تلك الأطعمة إكرام من الله له في مقابلة صبره على عداوة أشقائه له. هذا مفاد الرؤيا وتعبيرها, اعتمدت فيها على الذاكرة, لأن الكتاب بعيد عني . وقريب من هذا الخور ما يحكى عن الصوفية ونحوهم, فإنهم جميعا إذا سئلوا ماذا رأوا ؟ ـ وهو سؤال طبيعي ـ أخرسوا وجمجموا ولم يفصحوا ؛ لأن في الإفصاح تشبيها وتجسيما, وهو كفر والعياذ بالله . ولذلك لجأوا إلى التأويل , وأن المراد بالرؤيا الرمز والمثال . ولا أدري رمز من ولا مثال من ؟ ألا يكفي هذا للزجر عن ادعاء الرؤيا؟

الفصل الخامس قوله بجواز ؛ بل واستحباب الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله , بله التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم . وقد استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم وهتف باسمه وحده ، وبعده مباشرة لفظ نفسه الأخير.


مسألة التوسل إلى الله بالأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم فيما لا يدخل تحت مقدرة العباد من المسائل التي قتلت بحثا و درسا . وألفت فيها سلبا وإيجابا عشرات الكتب والرسائل , و أول من توجه إليها بجد , وأفاض في بيان غوائلها وتفاصيلها شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه , وألف فيها (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) , كما ألف في الاستغاثة رسائل ، وكتب فيها فتاوى ، وجاء بعده وبعد تلاميذه إمام الدعوة ومجدد رسوم التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي وأبناؤه وأحفاده , فتصدى للخرافيين من الصوفية ومقلدة الفقهاء الذين أجازوا التوسل والاستغاثة مطلقا . وكان منهم بطبيعة الحال المغاربة , فإن فقهاءهم وصوفيتهم كانوا غارقين في هذا الوحل إلى الأذقان , بل لم يكن استنكار ذلك يخطر على بال , إلى أن أرسل إليهم الإمام محمد بن سعود رسائل يدعوهم فيها إلى تجريد التوحيد , وتحقيق العقيدة , فأفاقوا وكأنهم كانوا في نوم أهل الكهف . واختلف فقهاؤهم في الرد عليه , فمنهم من أيد الدعوة وأثنى عليها ومدح إمامها كالشيخ حمدون ابن الحاج , ولكنه سرعان ما نكص على عقبيه , ويظهر أن السبب بيئة المغرب المبنية على الجهل والخرافة، وانعدام الشجاعة الأدبية , والجهل بالحديث والآثار وفهمها على منهج السلف الصالح ، لا الخلف الطالح .

و مثل هذا بالضبط وقع لفقهاء الزيتونة بتونس فقد رد على الأمير السعودي الشيخ سالم بوحاجب , و الشيخ إسماعيل التميمي , وردودهما تنادي عليهما بالجهل بالتوحيد الحق . والإغراق في التقليد والتعصب , و ظل الأمر كذلك إلى أن ظهر بالمغرب الشيخ عبد الله السنوسي الفاسي , فأعلن بالدعوة السلفية , واشتهر بذلك , وألقى دروسا بالقرويين و طنجة و غيرهما , حمل فيها على عقيدة الأشاعرة , والطرق الصوفية والتقليد الأعمى في الأصول والفروع ، وعقدت معه مجالس للمناظرة بمحضر السلطان كان له الشفوف فيها عليهم ، فقربه الملك عبد العزيز وحماه منهم , وقام بشؤونه . وكان للرجل رحلات وولع بالتجول واقتنى كتبا لنفسه , وعرف قيمة آثار ابن تيمية وابن القيم والذهبي وأقرانهم من علماء السلف , فعكف عليها واستبطنها حافظا واعيا داعيا إليها بيد أنه مع الأسف لم يؤلف شيئا فيما نعلم . وهذا الرجل وحده هو الذي يستحق أن ينعت بالسلفي الحق . ويشبهه إلى حد بعيد الشيخ الحاج عبد الرحمن النتيفي الذي كان تجانيا ثم تاب إلى الله ، وأقبل على دراسة الكتاب والسنة وأخذ العقيدة منها مستعينا بابن تيمية وابن القيم , ودعا إلى ذلك باللسان والقلم ، فألف في ذلك رسائل جيدة ما زالت مخطوطة , ومنها مؤلفه في الرد على أشاعرة فاس الذين عبر عنهم بالجهمية ، وناظرهم بمحضر الملك محمد بن يوسف رحمه الله . و ممن أدركناهم على هذا المنهج شيخنا الشيخ محمد بن العربي العلوي وسلفيته نظرية مغربية! وتلميذه شيخنا الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ومؤلفاته كثيرة كلها تدور حول هذا الموضوع .

و قد ألهم الله الشيخ محمدا الزمزمي ابن الصديق الطنجي فأعلن انفصاله عن زاوية أبيه وإخوته, وأخذ يدعو إلى ذلك علنا بلسانه وقلمه فألف رسائل جيدة منها رسالة في شرح لا إله إلا الله بالغ فيها تحذيرا من نواقضها ، ولما وقف عليها شقيقه أبو البيض ورآها تخالف مذهبهم كتب إلى أبي الفتوح يحثه حثا بالغا على الرد ويعده بطبعه على نفقته , فكتب هذا أوراقا ملأها سبا وشتما إرضاءا لشيخه , ولحاجة في نفسه ، وأرسلها إلى شيخه , فزاد فيها فصولا وقدم وآخر , واختار لها من الأسماء : (الصارم المبيد , لما زعمه المبتدع العنيد , من الضلالات في شرح كلمة التوحيد) . وقد برهن الشيخ والتلميذ بصنيعهم هذا على أنهما لا يعلمان كلمة التوحيد

وقد عرفت عن الشيخ أبي البيض وشقيقه عبد الله أنهما لا يفرقان بين التوسل والاستغاثة مع وضوح الفرق بينهما ، و يشبههما في هذا محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (فقه السيرة) ، وقد سبق أن ذكرت في غير هذا الموضع مناظرة وقعت بيني وبين الشيخ عبد الله بمنزل صهري المريبطو بتطوان وبمحضر الفقيه التجكاني في موضوع الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله , وأنها من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله , وأنها تناقض قوله تعالى : (إياك نعبد وإياك نستعين) ، فرد عليَّ الشيخ وصهره التجكاني بقوله تعالى عن موسى عليه السلام : (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه...) . فأخذت أبين لهما أن هذه الاستغاثة من باب الأخذ بالأسباب العادية, وليست مما نحن فيه , و أصرا على قولهما , وكنت أعلم أن عبد الله وقع في هذا الخلط في رسالته (إتحاف الأذكياء ) ، وقرر فيها أن من استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مبتدع ضال بالإجماع!! و هو بقوله هدم كل ما كتب في هذه الرسالة ، و (الرد المحكم المبين) . وقد نبهه شقيقه الزمزمي على وجوب التفريق بين التوسل والاستغاثة ، فلم يهتد .

و المقصود التنبيه على مؤامرة أبي البيض وذنبه الأثيم أبي الفتوح على الشيخ الزمزمي بدافع الحقد والكراهية , وقد فطن الزمزمي لهذه المؤامرة وأكد في بعض رسائله أن (الصارم المبيد ) من وضع شقيقه فسارع أبو الفتوح إلى التكذيب .

وبين يدي الساعة خمس عشرة رسالة بخط أبي البيض إلا واحدة فبخط أخيه إبراهيم لمرضه كتبها لذنبه حول (الصارم المبيد) وما زاد فيه الشيخ وما نقص , و تسميته له وطبعه على نفقته , ورأيت أن جَلبَ عباراته في ذلك يطول ، و إن كان في ذلك فائدة ، وفيها ما يستطرف ، ومنه ـ وإن كان خارجا عن الموضوع ـ أن الكرفطي شكا إلى شيخه عدم طلوع لحيته بغزارة , وأن نباتها لا يخرج إلا نكِدا , فأجابه الشيخ بما نصه بحروفه : (وإذا رجوت أن تطلع لحيتك بالحلق, فكَرِّطْها تَكْريطا لعلها تبادر بالطلوع والسلام) !! ومما يحسن التنبيه عليه هنا أنه لا تخلو رسالة من رسائل أبي الفتوح وهي أكثر من مائة غالبا من رؤيا أو اثنتين , ويبادر الشيخ إلى تعبيرها لصالح ذنبه , و فيها بشريات بمقامات عالية في الولاية والمعرفة !!

ومن أطرفها رؤيا عبرها له الشيخ بقرب نزول عيسى عليه السلام ، وظهور المهدي وتفسيره بأن الكرفطي سيكون من أعوانه !!

و الملاحظ أن هذه الرؤى الكثيرة مع تعبير الشيخ كلها بارت وتبخرت ولم يتحقق منها شيء . كما أن بشريات الكهان والمجاذيب لأبي البيض بمصر والشام قبل وفاته بقرب الفرج لم يتحقق منها شيء ؛ إلا في خاصة نفس الشيخ فإنه مات عام 80 ، وبعد وفاته أشاع بعض الناس هنا بالمغرب أنه مات منتحراً فأصدر الشيخ أحمد مرسي وهو أزهري نقشبندي بياناً أنكر فيه ذلك ، فرد عليه الشيخ الزمزمي ببيان مضاد مؤرخ بـ(20 ربيع الأول عام 1401 ) ، جاء فيه مما يتعلق بالتوسل والاستغاثة , وهو من باب (وشهد شاهد من أهلها) ما نصه :

(إن ما حكاه الشيخ مرسي من أن الشيخ أحمد نادى عند موته باسم الرسول , أنا أعرف سببه لا الشيخ مرسي : إن أخي السيد أحمد كان من عادته إذا أصابته شدة أن ينادي باسم الرسول , كما هي عادة المتصوفة الجاهلين , فقد كنت معه ذات ليلة وقد أصيب بمرض خطير فصار ينادي باسم الرسول . وأنا أقرأ عليه القرآن ليذهب عنه ما يجد من المرض , فهو كان يستغيث بالمخلوق !! في آخر لحظة من حياته , وذلك أقبح من الموت بالانتحار كما هو معلوم) .

الفصل السادس قوله بأن معية الله تعالى لخلقه مطلقة وليست بالعلم بل بالذات, وتفويضه في معاني الصفات لا في التكييف


هما في الحقيقة بائقتان : الفاقرة الأولى : دفع معية الله تعالى لخلقه بالعلم واعتقاده أنها بالذات, و الفاقرة الثانية : اعتقاده وجوب التفويض في صفات الله تعالى .

ومعلوم أن عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين ، و هم خير الناس كما في الحديث الصحيح : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) , ونصوصهم في ذلك لا تحصى . ومفادها أن الله تعالى فوق عرشه العظيم كما جاءت بذلك الآيات والأحاديث النبوية , وهناك كلمتان زيدتا على الأدلة ولا تعرف عن السلف وهما : (بذاته) ، و(بائن من خلقه) . ولا داعي إليهما , وإنما زادهما من زادهما من أهل العلم تحقيقا لمعنى الاستواء , و رد فعل لمنكري علو الله على خلقه من الجهمية وأتباعهم .

ثم النص منهم على أن معية الله لخلقه نوعان: عامة وهي معية العلم , وخاصة وهي للمتقين والمحسنين من عباده , وهي معية نصرة وتأييد مع معية العلم . وفي القرآن آيات كثيرة تفيد النوعين, ومن أجمعها آية العلم كما كان يسميها السلف الصالح ، وهي قوله تعالى : (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات والأرض ما يكون ...) ، فافتتحها سبحانه بالعلم ، وختمها به ، فعلم منها أن معية الله تعالى بالعلم لا بالذات . و الآية قاضية على نظائرها في الكتاب العزيز , وهو يفسر بعضه بعضا . ولكن الشيخ أبا البيض وجد إمامه الأكفر ابن العربي ومن سار على دربه ينعى على من يفسر المعية بالعلم , و يقول : هو تأويل مدفوع . والحق أن المعية بالذات , وتلقفها أبو البيض منه بقوة . وقصر نظره عليها ولج في التعصب ؛ لا سيما وقد وجدها مدرجة لوحدة الوجود لأنه إذا اعتقدها الإنسان بالذات يلزمه اعتقاد وجوده ـ تعالى وتنزه عما يقوله المبطلون ـ في كل مكان حتى فيما يحتقر كالحشوش والمزابل والمراحض ونحوها ، وهذا يستلزم الحلول , وأهل الوحدة كأبي البيض لا يقولون به فيشطح بهم الخيال والضلال إلى اعتقاد أنه عين هذه الموجودات والأماكن , وهذا سر لجاج أبي البيض وغلوه في الموضوع , ورده للإجماع على المعية بالعلم الذي حكاه ابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم لا سيما في كتابه (مختصر الصواعق)

وقد كتب أبو البيض على هوامش نسخته المكية الأولى يصرح بتكذيب هؤلاء الأئمة في حكايتهم الإجماع , وهو لا يستطيع أن ينقضه بنقل واحد صحيح عن أئمة السلف . ودليله على أن المعية بالذات عموم الآيات الواردة فيها ، وقوله تعالى في سورة الواقعة : (فلولا إذا بلغت الحلقوم , وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرن) . وقد حَرِد وتنمر من رسالة لأبي الفتوح حول هذه الآية ، وسخر من عامة المفسرين , وقال كيف يفسرون تبصرون بالعلم . وقد أتي من غلبة الهوى عليه ، وإلا فإن البصر يطلق لغة على الإدراك . وإذا كان المعنى بصر الرؤية فالمنفي رؤية الملائكة الحاضرين لقبض الروح.كما أنه استدل بحديث ردده مرارا ، وفيه : (لو دليتم بحبل لهبط على الله ) ، وقد نص العلماء على ضعفه . هذا مجمل ما يتعلق بهذه البائقة .

وأما مسألة التفويض ، فإن أبا البيض يذهب إليه , إلا أنه يضطرب في التعبير, فتارة يوهم الإثبات مع التنزيه الذي هو المذهب الصحيح , وتارة يوهم بكلامه التفويض , وهو بدعة كبرى , لأن مآلها الإيمان بصفات لا معاني لها , إن هي إلا جمل وكلمات وحروف مجردة , وأركسهم في هذا الضلال ما روي عن بعض السلف أنهم قالوا : (تمر كما جاءت , وتفسيرها قراءتها) . وهؤلاء لا يعنون التفويض المطلق ، وإنما مقصودهم أن لا يخوضوا في تكييف المعاني المفهومة من الكلام العربي . والقرآن نزل بلسان عربي مبين . و قد سمى الله تعالى نفسه فيه بعشرات الأسماء الحسنى , وهي أسماء ونعوت , كما وصف نفسه سبحانه بعشرات الصفات , ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنزل عليه والمكلف بالبيان , وأصحابه رضي الله عنهم كانوا يعلمون بسليقتهم العربية أن معاني تلك الأسماء والصفات معلومة , وأنه يجب إثباتها لله تعالى على وجه يليق بعظمته وجلاله مع ملاحظة التنزيه عن التشبيه والتعطيل إعمالا لقوله تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، وقد صح عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : (الاستواء معلوم والكيف مجهول) ، وقد رويت الكلمة نفسها مع زيادة وقصة عن الإمام مالك رضي الله عنه .

وللأسف , فإن أبا البيض أعدى بهذا الجرب العقدي إخوته , ولا أعرف عن واحد منهم أنه رجع عن ذلك . ومن المستحيل إرشادهم أو نصحهم بمراجعة كتب العقيدة السلفية , سواء منها القديمة أو غيرها . وإن شئت تعكير دمهم وإثارتهم فَدُلَّهم على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية , وصدق الله العظيم : (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) .

الفصل السابع قوله بأن فرعون مات على الإيمان, ورده على من قال بخلاف ذلك, ودفعه لآيات القرآن الواردة بذلك بالصدر


هذه المسألة من أعظم فواقر أبي البيض وبوائقه, فقد انفرد بها -عياذا بالله- بالمغرب وبين أهله, ولم نسمع بها عن أحد قبله حتى الغلاة في التصوف الفلسفي , ولما وقفت على كلام ابن العربي فيها لم أستغربه لأن له من مثل هذه الطامة الكثير في كتابيه اللذين جمع فيهما الإلحاد من أطرافه : (الفتوحات المكية ، و فصوص الحكم ), كتبت إلى أبي البيض أسأله عنها , و أورد اعتراضات عليها هي في الحقيقة مني ؛ إلا أني كنت أنسبها لغيري درءا لغضبه وحفاظا على الصلة بيننا , وما كنت ـ علم الله ـ أنتظر منه ذلك الجواب الطافح بالمنكر العظيم , والخطأ الجسيم , والذي تنكر فيه لآيات الذكر الحكيم , المنادية بكفر الطاغية المتربب فرعون لعنه الله وأخزاه , وكان الجواب من معتقله بمدينة آزمور بتاريخ ( 27 جمادى الأولى عام 74) ، وهو جواب طويل تناول فيه مسائل منها إيمان فرعون , وقد أورد الأخ بدر سدده الله ما يتعلق بفرعون بنصه نقلا عن نسختي التي بخط الشيخ , وأعقبه برد غير مباشر عليه لشقيقه الشيخ عبد الله سماه : (استمداد العون لإثبات كفر فرعون) ، وقد كتبه في حياة شقيقه أبي البيض لأنه مؤرخ بـ(25 صفر عام 1375) , ولا أدري هل اطلع عليه أبو البيض أم لا , والغالب أنه لم يره , لأنه كان يومئذ بالمعتقل , وشقيقه عبد الله بمصر . وقد أحسن الأخ بدر بإيراد الجواب والرد عليه , وما تخلله من تعليقات جد مفيدة , كما أن عبد الله أجاد وأفاد أيضا في رده ، وأتى على بنيان أبي البيض من القواعد .

ومن أهم ما فيه : إنكار ما ذكره الشعراني المتهور من أن القول بإيمان فرعون منقول عن جماعة من السلف والخلف منهم الباقلاني , وتبعه على ذلك أبو البيض , وزاد نقله عن بعض النكرات من متصوفة العجم , وعن الصوفي الاتحادي المحترق البرزنجي المدني , ولكنه تنكب الصواب بنفيه عن ابن العربي , وهو ثابت عنه بدون شك , وإلا فما معنى تأويل الشعراني لكلامه , وقد أحسن بدر أيضا بنقله عن الفصوص وشارحها القول بإيمان فرعون . وقد سمعت من كل من أطلعته على رسالة أبي البيض بالحرمين الشريفين ومصر من العلماء استنكارهم الشديد لهذه البائقة الموبقة , وصارحني الأخ المحدث الداعية أبو إسحاق الحويني بمنزله بكفر الشيخ أن هذا القول يعتبر تحديا لله تعالى ورسوله , وقبل أن أورد نص الجواب دون الرد عليه لطوله مع الإحالة على (الجواب المفيد للسائل المستفيد) للوقوف عليهما . وأنبه على فوات جد مهم للشيخ عبد الله , وهو نص قاطع للخصومة , حاسم للتردد في الموضوع , وذلك قوله تعالى : (..فأخذه الله نكال الآخرة والأولى, إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) ، فهذه الآية الكريمة نص واضح لا يحتمل التأويل, ولا يقبل إلحاد أبي البيض في كتاب الله المتجلي في تساؤله عن السر في قوله تعالى : (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) ، فكأنه فهم أنه يتقدمهم إلى النار دونهم , فيوردهم إياها ويرجع سالما إلى الزاوية , ومادام أن أبا البيض اختار إيمان فرعون فندعو الله تعالى أن يحشره معه , و يجعله من حزبه , كفاء دفاعه عنه , وهذا نص الجواب :

(ومسألة إيمان فرعون ألف فيها إثباتا وانتصارا للشيخ الأكبر العلامة الجامي , و رد عليه ذلك المغفل علي القاري الحنفي بكتاب سماه : (فر العون من مدعي إيمان فرعون) مطبوع بالأستانة هو والأصل المردود عليه, ولكن انبرى له العلامة الصوفي المطلع المتضلع من العلوم المعقولة والمنقولة محمد بن رسول البرزنجي فألف كتابا لطيفا سماه : (التأييد والعون لمدعي إيمان فرعون) ، أتى فيه بما يبهر العقول , كما فعل في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم , وقد قرأت الجميع والحمد لله , والتأييد عندي عليه خطه . وقد ألف كنون الفقيه الفاسي رسالة في الرد على ابن العربي قرأتها أيضا , وللعلامة الجامي كتاب سماه : (الجانب الغربي في نصرة ابن العربي) ألفه بالفارسية , و ترجمه ابن رسول البرزنجي , وسماه : (الجاذب الغيبي) في مجلد كبير , أجاب فيه عن جميع ما أشكل من كلام الشيخ , و لعبد الغني النابلسي (الرد المتين) أيضا وكلاهما موجود .

وللبحث مجال في أدلة الجميع , وصاحبك الذي يقول إن الدليل على كفره قطعي , لعله لا يفهم معنى قطعي , والله تعالى يخبر عنه أنه آمن عند خروج روحه , أو عند معاينته الهلاك , وعاتبه الله على ذلك إذ تأخر بإيمانه إلى ذلك الحين . ولم يقل بعد ذلك إنه لم يقبل إيمانه , فأين الدليل القطعي الذي خرقه الشيخ رضي الله عنه ؟! ثم ما الحكمة في قوله تعالى : (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ، ولم يقل فرعون , وما الداعي إلى ذلك التأويل الذي يذكره المفسرون, فالمسألة اجتهادية لا قطع فيها أصلا .

وأنا قرأت رسالة البرزنجي بمصر سنة إحدى وخمسين أي منذ ثلاث وعشرين سنة , ولم يبق بذهني من أدلته شيء , إلا أنه أجاد وأفاد , على أن العارف الشعراني يقول : إن الشيخ الأكبر يتكلم على فرعون آخر غير فرعون موسى , و لكنه اعتذار ظاهر الضعف .

والفتوحات والفصوص مشحونة بالمعارف الإلهية التي عجز أن يأتي بمثلها كبار العارفين لا بالطامات, نعم هي طامات على الجهلة , لأنها سبب في هلاكهم ووقوعهم في محاربة الله تعالى بمحاربة أوليائه .

والشيخ الأكبر لا يوجد له حرف واحد في الحلول , ومحال عقلا أن يدعي الحلول , وهو ينكر وجود غير الله معه مطلقا , ففي من يحل ولا وجود لغيره معه عنده , وهذه الكائنات كلها في قوله أوهام لا حقيقة لها . والخوض في هذا الباب صعب على أمثاله , فإما أن يؤمن بكلام أهل الله , وإما أن يسلم , وإلا فالهلاك المحقق) .

قلت : أتيت بنص كلام أبي البيض كله , لتقف على مدى غلوه في ضلاله , و تشبعه بكلام إمامه الذي كان أمة وحده في الإلحاد في دين الله والكيد له ، والتلاعب بتعاليمه , الشيء الذي حدا بالمستشرق الإسباني (آسين بلاثيوس) بعد أن ترجم كلام ابن العربي إلى تسميته : (إسلام في ثوب نصراني) .

وتأمل إرهاب أبي البيض لمن يرد على أوليائه بالهلاك المحقق , وما الهلاك المحقق إلا ما هم عليه , و العبث بآياته , و قد حذا أبو الفتوح حذو شيخه في التهديد والوعيد لمن رد عليهما وحذر من أفعالهما , و هنا تحركت القريحة المكلومة ، فنظمت الساعة هذه الأبيات غيرة على الحق , وذبا عن الإسلام , وردا لكيد أعدائه ، والله الموفق : [البسيط].

أبشر (أبا البيض) بالخسران والغضب* من ربك الواحدِ القهارِ, والعطب قد كنت أطريك مغترا ومندفعا ** بظاهر الحال مخدوعا بمنحجب فتُبْتُ لما رأيت الكفر منتشرا ** في كتبك السود مأخوذا من العجب برئت منك ومن أولي الزوايا فهمْ ** قبيل إبليس من زور ومن شغب فهل من الدين والتوحيد معتقد ** يوحي بأن إله العرش كالخشب أستغفر الله من قول ملئت به ** رعبا وخفت مصيرا باديَ الوصب والرفض من فيك يبدو بالوقيعة في ** صحب الرسول قبيحا جالب الرهب أخوك فرعون مسرور بذبك عن ** إيمانه يا حليف المسخ والكذب والرقص والجذب والتخريف ديدنكم ** يا عصبة الشر والأحلام والنصب والطبل والزمر والإنشاد دينكم ** أيعبد الله بالأنغام والطرب؟




الفصل الثامن قوله بتصرف الأولياء المطلق في الكون, وإيمانه بديوانهم, والقطبانية وأن القطب منهم يتصرف في ستة عشر ألف عالم, الدنيا والآخرة عالم واحد منها.

هذا الفصل ينتظم أربع فواقر ، بعضها أقبح من بعض , فأولها اعتقاد أبي البيض بتصرف الأولياء في الكون , وقد تعرض لهذه الموبقة الأخ مصطفى السفياني في كتابه القنبلة العنقودية : (تنبيه القاري إلى فضائح أحمد بن الصديق الغماري) , وأجاد في عرضها مع أمثلة لهذا التصرف المدعى , ومعلوم أن التصرف المعتاد طبيعي لبني آدم , لا بد منه لاستمرار الحياة , وتصرف الأولياء في الكون له مفهوم آخر غيبي تابع لاعتقادهم في القطبانية وديوان الأولياء , ومما لا شك فيه أن هذا الاعتقاد من البدع المدمرة للعقيدة الحق , فإنه لا يعرف له ذكر , ولم يكن خطر ببال أحد من المسلمين العامة, فضلا عن أهل العلم والصلاح والولاية القرآنية , لأنه من الغرابة بمكان أن يكون مع الله شريك يدبر أمر العالم فيتصرف كيف شاء استقلالا , فيفقر ويغني , ويمرض ويصح , ويسعد ويشقي, ويولي ويعزل , ودعك من قولهم تدليسا وتلبيسا : إن ذلك بأمره وإذنه , فبالله تصرفهم لا بأنفسهم . وهذا لا مفهوم له , فإن كل ما يجري بقضاء الله وقدره وأمره , ثم إن هؤلاء المتصوفة غلوا في هذه المسألة غلواً بالغا , فلم يقصروا التصرف على أحيائهم ؛ بل جعلوه لبعض أوليائهم الأموات , فعند المغاربة فقط أربعة أقطاب يتصرفون بعد الموت , منهم : إدريس ، و أبو يعزى , وأذكر أن محمد بن جعفر الكتاني ذكر هؤلاء في كتابه الذي يعد من مدونات الخرافة والضلال وهو (سلوة الأنفاس) , و كنت سألت الشيخ أبا البيض عن هذه المسألة فأجاب بتاريخ (3 شوال عام 1372 ) من أزمور من كتاب , ومن الأصل الذي بخطه أنقل ما نصه : (أما مسألة تصرف الأولياء في الكون فيحتاج الجواب عنها إلى طول , وعجيب جدا أن تسمي من يعتقد التصرف مشركا حبيبا لك , مع أن المشرك حقا هو من لم يؤمن بالتصرف الذي هو لب الشريعة , وروحها , و به بعث الأنبياء والمرسلون , فدعه على شركه حتى يكون عندنا فراغ, فنملي عليك ما يفتح الله به) . وعاد الشيخ فأملى عليَّ في كتاب ثان في نفس الشهر مما فتح به عليه الشيطان, وفيه طول ممل ومغالطة ظاهرة , و تعمد الغموض واللبس , فتحدث أولاً بأن التصرف كله دقيقه وجليله بالله ومن الله , وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن , (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) ، ثم تحدث عن الملائكة والجن والروح , وما أعطوا من النفوذ في الكون , وأن الروح إذا قويت حصل التصرف بها لا بالجسد , ومنه المعجزات والكرامات , وأشار الشيخ إلى حديث الولي, وفهمه فهما يوائم مذهبه في الوحدة والتصرف , وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها ) ؛ كما في البخاري وغيره , فمن كان الله سمعه سمع كل شيء , ومن كان الله بصره أبصر كل شيء , ومن كان الله يده التي يبطش بها قدر على كل شيء , لأنه ليس هو السامع ولا المبصر ولا المتصرف, بل الله تعالى , فإن منكر كرامات الأولياء وتصرفهم كمنكر وجود بغداد ومكة , حقه أن يُربط مع الدواب , ولابن بنت الميلق في قصيدته المعروفة : [البسيط]

به تصرفهم في الكائنات فما ** يشاء شاؤوا وما شاؤوه يقضيه

وهكذا لبَّس الشيخ ودلس , وأوهم ما ليس بمراد , وهو يعرف ما يقصده المتصوفة بالتصرف, ولكنه خلطه بوحدة الوجود والمعجزات والكرامات الخ ما لا معنى له هنا , والزَّج بالكرامات هنا مقصود للمغالطة , وإلا فنحن بحمد الله من أهل السنة والجماعة نؤمن بمبدأ الكرامات إيمانا جازما , ونعتقد أنه لا يسع مسلما إنكارها وقد أثبتها الله في كتابه , وتواترت بها الأحاديث والآثار, إلا أننا غير ملزمين بالخرافات التي تمتلئ بها كتب الصوفية , وتروج أكثر ما تروج في بيئتهم الموبوءة , وزواياهم التي هي مراكز البدعة والضلال , فلا نؤمن , بل نكفر ونحذر بقوة مما تضمنه (طبقات الشعراني ) ، و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني , و (روض الرياحين) لليافعي وأمثالها, فمعظمها أكاذيب وترهات , وأساطير وخزعبلات , لا يَسلَم منها على النقد إلا القليل, وقد تصدى الأخ الفاضل عبد الرقيب الإبي اليمني فجمع مجلدا مباركا سماه: (كرامات الأولياء ) اقتصر فيه على ما صح سنده مما يحكى ويروى عن الصحابة فمن بعدهم من أهل العصور المشهود لها بالخير, وهو يورد الأخبار بأسانيدها ويعقبها بالنقد العلمي النزيه , فيقرأها المؤمن مطمئنا , ويزداد بها إيمانا بما يرى من إكرام الله لعباده الصالحين المتقين , بنحو إجابة الدعاء ، أو شفاء عاجل , أو دفع صائل , أو بركة في متجر ، أو تسهيل عسر , أو تيسير مطلوب بعيد المنال , أو تدمير ظالم معتد , هذه الكرامات لا تخرج عن هذا الشكل , فلم نر فيها لا طيراناً في الهواء , ولا مشياً على الماء , ولا طي طريق ، ونحو هذا من الغرائب التي لم ترو عن سيد الخلق في هجرته , وما لقي من أذى قومه ولا عن الخلفاء الراشدين ، و الصحابة المهتدين , وإنما يحكى عمن هب ودب من المجانين والحمقى والجهلة, وفيها ما يستحيى من سرده ، مما لا حاجة إلى ذكره . وأما ديوان الأولياء أو (برلمانهم ) الذي يُعقد بغار حراء بمكة كل سنة , يحضره الأولياء ويجلسون على مراتبهم تحت رئاسة القُطب , ويتداولون في شؤون العالم وينقضون ويبرمون , وأحسب أن هذا التخريف إنما صدر أولا من المغرب ومن فاس بالخصوص , وعلى يد عبد العزيز الدباغ الذي حكى عنه تلميذه أحمد بن مبارك اللمطي تفاصيل ذلك المثيرة في كتابه ذائع الصيت (الإبريز) علاوة على غرائب وعجائب جعلت بعض معاصريه يشككون في ذلك لانفراده بصحبة ذلك الأبله , وحكاية تلك الخرافات عنه , والمقصود التنبيه , على أن مثل هذه البدع الضارة بالدين والدنيا لا علاقة لها بالولاية الحق , ولا بالإسلام الصحيح , و الشيخ أبو البيض حكى ذلك في بعض رسائله بصيغة المسلم الواثق الجازم .

والقطبانية درجة في ترتيب الجندية الصوفية , وهي نهاية الترتيب , وربما سميت الغوثانية , ولم أعرف منشأ هذا النظام العسكري الباطني , إلا أني قرأت لبعض الباحثين أنه مأخوذ من الباطنية الإسماعيلية , وهذا غير بعيد , لأنه لا يعرف في الإسلام مثله أبدا , وقد ألف السيوطي رحمه الله وهو مخرف كبير وجاهل بالتصوف كما نعته أبو البيض في (الجؤنة) رسالة طبعت قديما بمصر بتحقيق شقيق أبي البيض عبد الله سماها : (الخبر الدال ، على وجود القطب والأوتاد والأبدال) قرأتها منذ أربعين سنة ، فلم أجد بها حديثا أو أثرا عن القطب والأوتاد , إنما ذكر أحاديث عن الأبدال معلوم عند نقاد الحديث أنها معلة لا يصح منها شيء , و على فرض صحتها استئناسا باستعمال العلماء قديما للقب الأبدال , إلا أن مفهومهم له مختلف , فهم يقولون بأنه إذا توفي أحد الأبدال أظهر الله مكانه خلفه , والصوفية يقولون بأن البدل له أربعون صورة حسية يوجد في مكان ووقت واحد بتلك الصور كلها . ويسمى هذا تطور الولي , وقد ألف السيوطي كذلك رسالتين في تأييد هذه الأفكوهة التي لا توجد إلا في مخيلة الصوفية .

وللشيخ أبي البيض عناية بهذا التطور بل التمثيل السينمائي, وقد ذكر في رسالة منه إلى أبي الفتوح بتاريخ (11جمادى 2 عام 1377) اشتملت على غرائب, منها أنه كان بالمدينة المنورة, وزار القبر الشريف , ورأى في منام القبر مكشوفا , والنبي صلى الله عليه وآله وسلم راقد فيه ووجهه مغطى , قال : فلما وقفت كشف الغطاء عن وجهه الشريف , ونظر إليّ ومد يده الشريفة , فصرت أقبلها وأبكي وأقول : يا رسول الله أدع الله أن يغفر لي , فقال لي : أنت مغفور لك , قل: (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق , والخاتم لما سبق) , فعلمت أن شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم قد حصلت , ففتح الله به ما كان أغلق , وختم به ما كان سبق من الجلال والامتحان إن شاء الله تعالى , ولما كان في تلك الليلة , زارنا شريف صالح مجذوب فلما جلس قال لي : هذه مدة وأنا أحب زيارتك , اِعلم أن القطب هو مثل قطب الرحى عليه تدور الرحى , ولا بد أن يحصل له أولا المحنة والجلال , ثم بعد ذلك يسجد له الجميع سجودا معنويا كما حصل ليوسف عليه السلام , حيث سجد له إخوته سجودا حسيا , ولكنه نسخ في شريعتنا السجود الحسي وبقي المعنوي , ثم قال لنا : هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاضر معنا في البيت , وكان ذلك بعد العشاء بكثير , فلما نمنا رأيناه صلى الله عليه وآله وسلم , و في اليوم الثاني وجدته جالسا بقهوة مع الأخ سيدي عبد الله , فذكرت له الرؤيا فقال : ألم أقل لك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حاضرا معنا !

قلت: ولا يخفى ما تشير إليه هذه الرؤيا والحكاية من أن أبا البيض أدرك القطبانية التي فخم شأنها جدا, و ذكر من أحوال القطب و نفوذه أنه يتصرف في ستة عشر ألف عالم , الدنيا والآخرة واحد منها , وقد أثبتها لجده ونفاها عن الحراق , ونشير إلى أن ما تضمنته الرؤيا السابقة من نهاية التجلي , لم يحصل , وإنما حصل العكس من ترادف الفتن والمصائب .

الفصل التاسع قوله بإحياء الأولياء للموتى , وتصرفه في ذلك بالهوى, فآمن ببعض وكفر ببعض, والدعوى واحدة.

هذه الفاقرة قديمة حكيت عن عدد من أولياء العجم بدون إسناد , و معلوم أن هذا لا يتفق وتعاليم الإسلام وتاريخه الصحيح , ولا يعرف في سير الأنبياء والمرسلين حتى سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم , إلا عن عيسى روح الله وكلمته , فإن الله أعطاه هذه المعجزة وخصه بها فقال تعالى على لسانه عليه السلام : (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله) ، وقد ذكر هذا في الإنجيل مرة أو مرتين , وما ورد أن الله تعالى أحيى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أبويه فآمنا به , موضوع .

و المسلمون مطبقون منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن إحياء الموتى خاص بالله تعالى : (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) ، (هو يحيي ويميت) ، (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، و الآيات في هذا المعنى كثيرة , ولما انتشر التصوف الفلسفي في العالم الإسلامي , ودخلت فيه العناصر الوثنية , وتعلق الناس بالكرامات وغلوا فيها حتى ألف عبد الله بن أبي الدنيا جزء (من عاش بعد الموت) ، وهو مطبوع , وتلقف من جاء بعده ممن لهم مزيد عناية بالخرافات كالسيوطي والشعراني والنبهاني وأبي البيض وغيرهم ، وزادوا في ذلك ما شاء لهم هواهم , و إذا صح شيء من هذه الحكايات فتعليله واضح , وهو إما أن يكون من تلبيس الشيطان عليهم , أو من باب السيميا وهو من فروع علم السحر , وغايته أن يخيل للرائي أن الباطـل حقـا فيرى الميت يتحرك و يتكلم و نحو ذلك , و كان الفقيه عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي الفهري صاحب العمل الفاسي ممن يتقن ذلك كما ذكر في ترجمته, و ربما يتفق في بعض الناس أن يصاب بسكتة أو غيبوبة , قد تدوم أياما وشهورا ولا يعرف حاله, ولم يكن يومئذ ظهر من الوسائل العلمية ما يعرف الواقع , فيحسب أن المرء مات , وهو حي, وقد قيل عن بديع الزمان الهمذاني أنه أصيب بغيبوبة طالت فدفن وهو حي , ثم أفاق وهو في القبر فأخذ يصيح فسمعه بعض المارة وأبلغ عنه فكشف عنه فوجد قد مات , وقد خرق كفنه وهو قابض على لحيته .

وموقف أبي البيض من هذه الفاقرة أنه تبناها بعنف , و غلا فيها غلوا مضحكا , فلنستمع إليه يقول في جؤنة العطار من مخطوطتي بخطي : فائدة : (جوز علماء الكلام كل ما كان معجزة لنبي أن يكون كرامة لولي , ثم استثنوا من ذلك إحياء الميت فزعموا أنه لا يجوز أن يوجد من ولي , والعجيب أن القشيري ـ وهو من الصوفية ـ وافقهم على ذلك في رسالته , وهو باطل لوجهين , أحدهما : أنه لا دليل عليه , و ثانيهما : أنه ثبت عن جماعة من الأولياء ثبوتا لا شك فيه أنهم أحيوا الأموات , منهم القطب الجيلاني والقطب أبو بكر العيدروس دفين عدن رضي الله عنهما , وذلك معروف في ترجمتيهما ، وقد كان للثاني هرة يحبها كثيرا , وأظن اسمها مرجانة , فضربها خادمه يوما ضربة قتلتها , ثم رماها على مزبلة , فبعد ثلاثة أيام سأله الشيخ عن الهرة , فقال له : ماتت يا سيدي , فقال له الشيخ : ماتت ؟ كالمنكر ثم دعاها يا مرجانة فأقبلت تسعى إليه , ورجعت إلى ما كانت عليه . ومات ابن لامرأة فأقسمت هي أو غيرها عليه في إحيائها, فدعا الله فعاش مدة بعد ذلك , و قال للمقسم : لا تعد . والقصة أطول من هذا فلتراجع في ترجمته, وكم لهذا من نظير , فلا تلتفت إلى ما يذكره المتكلمون, فهي غلطة تصدر من أولهم فيتابعه عليها باقيهم بدون تأمل في القول, ولا نظر في الدليل, فإن صدور الخارق على يد العبد ليس هم من فعله, إنما هو خلق الله تعالى وقدرته وإيجاده عند تعلق همة الولي بوجود الشيء, وقدرة الله تعالى تتعلق بكل ممكن , فلا فرق بين أن يقلب له التراب ذهبا , أو يحمله على الهواء , فيطير, أو على الماء فيمشي عليه , أو يشفى له مريض , أو يحي له الميت , فكل ذلك بالنظر إلى ذات العبد خارج عن قدرته وكسبه في العادة , وداخل تحت قدرة الله تعالى , فما الذي يجيز الأول على الله تعالى أن يجريه على يد ولي من أوليائه , ويمنعه أن لا يجري على يديه الثاني , بل جائز عقلا وشرعا وعادة أن يدعو مطلق المؤمنين الله تعالى بإحياء ميت , فيصادف منه تعالى قبولا وإجابة فيحييه له . وما صدور ذلك من الولي إلا من قبيل إجابة الدعاء) .

وقال أبو البيض في "البرهان الجلي" نقلا عن السيوطي (وهو مصدر الخرافات في هذا الباب) قال : (روينا من وجوه حسنة كثيرة !! أن الولي السيد الشهير كفاية الله الحسني الحبشي مات ودفن بحيدر آباد قاعدة مملكة الدكن , ثم ظهر حيا بلكنو قاعدة مملكة (أوده) , فبينا هو يقرأ القرآن يوما إذ مر عليه رجل من التجار كان قد شهد دفنه بالدكن , فوقف متعجبا من أمره , فلما فرغ الشيخ من قراءته قال له : ما ترى ؟ قال : شهدتك بالدكن إذ مت ودفنت . قال : نعم , ولكنني أحببت أن أكون أياما في الدنيا فظهرت هنا ؟! قال : فأنا أموت هنا بعد زمان , ثم أظهر بالصين إن شاء الله تعالى , ولا تكون لي حينئذ أنملة الخنصر من يدي ؟ فمات ثمة بعد زمان , ولقيه الرجل بعد مدة بالصين فكان كما قال , و هذه القصة مشهورة ببلاده) .

ثم ذكر أبو البيض خرافة أخرى في نفس الكتاب , أغرب من هذه وأعرق في الكذب والخيال عن المسمى الحليق التركي , ولم أذكرها لطولها , و وجدت على طرة النسخة بخطي : (رحم الله الإمام الشافعي الذي قال عن الصوفية : من خالطهم من الصباح إلى الظهر أنكر عقله ) .

ووجدت أيضا بخطي على هامش القصة السابقة في الجؤنة على قول أبي البيض : "وما صدر ذلك من الولي إلا من قبيل إجابة الدعاء" ما نصه : هذه شبهة داحضة , والأحكام والحقائق لا تؤخذ هكذا , وقدرة الله صالحة لكل شيء (وهو على كل شيء قدير) ولكنه أخبرنا أنه وحده الذي يحيي ويميت, وأنه المنفرد بإنفاذ كل ما لا يدخل تحت قدرة العبد واستطاعته التي منحه الله إياها , فمن زعم أنه يستطيع هذا وأحال على القدرة فهو دجال ملبس , وأذكر أنني سألت الشيخ عما يحكى عن الجيلاني أنه أحيى الموتى , وعن عم جده لأمه عبد القادر ابن عجيبة أنه أحيى زوجته , وهذا يحكيه الناس كثيرا , وسمعته أنا من أحفاد الشيخ وأقاربه ، فاستنكره أبو البيض واستهزأ بمعتقده وقال في عبد القادر ابن عجيبة قولا شديدا , وعندي جوابه بخطه .

وقد ذكر في كتابه (البرهان الجلي) نحو ثلاث حكايات في إحياء الأولياء للموتى , فاعجب كيف تفعل الزاوية بعقول أهلها , نسأل الله السلامة والعافية .

قلت : وما الذي جعل العيدروسي وكفاية الله الحبشي ومحمد حليق التركي يحيون الموتى وعبد القادر ابن عجيبة لا يفعل ؟ إنه الهوى والعنصرية كما يقال . والدعوى واحدة والكذب متشابه, ثم السؤال الذي يطرح نفسه الآن على حد تعبير الناس اليوم : إن هذا لو كان ممكنا لأعطاه الله تعالى خير خلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقد مات أبواه واختاره الله نبيا ورسولا فلماذا لم يحييهما حتى يؤمنا به , وماتا على الشرك , وقد استأذن صلى الله عليه وسلم ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له ، وأذن له بالزيارة فبكى وأبكى رحمة لها , وكذلك حصل مع عمه أبي طالب الذي كان يحبه وينصره , وهكذا وهلم جراً إلى إدريس الأول الذي مات مسموما ولم يستطع دفع الشماخ عن نفسه, وهذا الشيخ عبد السلام بن مشيش وهو وجَدُّه الأعلى إدريس قطبان بالإجماع , والقُطب يتصرف في الدنيا والآخرة !! وهو ممن أعطوا التصرف في الحياة بعد الممات , ولم يستطع هذا دفع ابن أبي الطواجين عن نفسه حتى ذبحه , بل هذا جد أبي البيض الحاج أحمد بن عبد المؤمن الذي شهد له أبو البيض بالقطبانية , ومنعها عن الحراق , والأقطاب يعرف بعضهم بعضا ! وقد أشار أبو البيض إلى إدراكه درجة القطبانية , وأكثر في ذلك من الرؤى و المنامات التي لم يتحقق له منها شيء إلا ما كان من المحن والأمراض , والعجب أنه كان شديد التعلق بهذه المنامات والمبشرات التي كان يتلقاها من البهاليل ، ثم اعتمد حساب الكهان , وسُرَّ سُرورا بالغا بالفرج , خصوصا بعد أن قلب له العسكر ظهر المجن , و علم أنه كان يعيش معهم في سراب خادع , وبعد أن قبض على شقيقه عبد الله , فكتب إلى أبي الفتوح يقول : (إنه يعيش في ضيق عظيم , وأنه يتمنى أن تتاح له فرصة الرجوع إلى المغرب , فإذا وجدها لم يمكث بمصر لحظة , وقد حدد له بعض الكهنة أن موعد الفرج العام يكون سنة 79 إلى 80 , جزما) .

والغريب أنه توفي سنة 1380 ، فقامت قيامته , وانتهى أمره , وتوالت البلايا على المسلمين بالنظام العالمي الجديد والعولمة واحتلال العراق والأفغان , وتدمير فلسطين , وضياع المسجد الأقصى, و مجيء دور المجوس الروافض الذين يهددون المسلمين ويكفرونهم في غير موضع من العالم , والمسلمون أهل السنة الآن في العراق محاطون بأشد الأخطار , ومهددون بما يسمى الإبادة العرقية والطائفية من الروافض والأكراد وأمريكا ومن معها من دول ما يسمى التحالف الصليبي والاتحاد الأوروبي ؛ بل وجيرانهم من دول الخليج العربي هم عملاء لأمريكا وأرضهم محتلة بها , هذا هو الفرج الذي بشر به أبو البيض من أوليائه , وعاش على هاجسه إلى أن مات .

والمقصود التنبيه على هذه العقائد الصوفية المدمرة الغرارة , ومنها إحياء الموتى التي آمن بها أبو البيض , ورد على المتكلمين الذين أخرجوها من كليتهم العوجاء : (كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي) ، وفات أن موسى عليه السلام شق له الله في البحر طريقا يبسا بضربه بعصاه , وسليمان جيء له بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين وصالح أخرج الله له ناقة من الصخر , والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عرج به إلى السماوات في لحظات ، وغير ذلك من المعجزات , فهل لأولياء أبي البيض مثل هذه المعجزات , إذا كانت فلماذا لم تُنقل , وأردد هنا كلمة الشافعي رحمه الله : إذا صاحب المرء الصوفية من الصباح للظهر أنكر عقله .

الفصل العاشر اعتقاده حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذاته في كل زمان ومكان ، وادعاؤه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم الغيب كله حتى الخمس التي لا يعلمهن إلا الله


هذا الفصل يتضمن مصيبتين : اعتقاد حضوره صلى الله عليه وآله وسلم بذاته ونفسه في كل زمان ومكان , وادعاؤه أنه صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغيب كله .

و هاتان الفاقرتان تخالفان الإسلام دين المسلمين , و تصادمان عقيدته وتعاليمه , وتزيد الأولى أنها تنافي العقل والعادة , وأبو البيض كان يعتقد هذا من شبابه واستمر عليه إلى وفاته , نسأل الله السلامة .

وقد حدثني صهري وهو ابن عمة أبي البيض محمد بن عبد الصمد التجكاني أنه كان معه في الحج ، و حضر معه مذاكرة مع لفيف من الطلبة والصوفية , فأفضى الكلام إلى فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه , فصرح لهم أبو البيض وهم في المسجد النبوي أنه عليه الصلاة والسلام موجود بذاته ونفسه في كل زمان ومكان , و أنهما لا يخلوان منه , قال التجكاني : فناقشته طويلا وأنا أشير إلى القبر المقدس قائلا : من هناك , أليس ذاك قبره عليه الصلاة والسلام , فأجاب أبو البيض : نعم , وهو نفسه هنا بذاته وفي كل مكان وزمان , ومن هنا كان أبو العباس المرسي يقول: لو حجب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين , ولا يعني أبو العباس ذكره وحضوره القلبي , ولكنه الحضور الذاتي , و من هناك جاءت رؤية الأولياء له عليه الصلاة والسلام يقظة ومناما وكل وقت , واستمر في هذا الكلام وأبى أن يرجع عنه , وأراد أن يوضحه دون جدوى لأنه يصعب تصوره وفهمه .

وقد سبق أن أشرت إلى أن أبا البيض نسخ بخطه رسالة في الموضوع لنور الدين الحلبي ما زالت موجودة بين كتبه المخطوطة بخزانة تطوان العمومية , ثم رأيتها مطبوعة في كراسة صغيرة بمصر, بعنوان (محمد) صلى الله عليه وآله وسلم , واسمها الأصلي : (تعريف أهل الإيمان , بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجود في كل زمان ومكان) , فهذه الرسالة المشؤومة عليه هي المسؤولة عن تضليله , وجعله يعتقد ما يصادم معتقد المسلمين , وقد كان في حل من هذا لو أراد الله به خيرا, واستقام على الطريقة الحق .

وقد قال في رسالة لذنبه أبي الفتوح دون تاريخ ولكنها مما كتبه قبيل وفاته , و صورتها تحت يدي بخطه : (وجوده صلى الله عليه وآله وسلم في كل مكان, بل هو الكون كله) , وقد سبق نقله في فصل نقد وحدة الوجود .

و قال في رسالة أخرى له: (وقولي لك في الرؤيا : كل ما ترى فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو حق , وهو قولي في اليقظة ولا بد , فهي رؤيا حق صادقة)

و واضح من كلمته العوراء هذه أن الهدف من وجوده صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في كل مكان , التدرج إلى أنه هو الله , و الكون كله هو الله تعالى ربنا عن هوس المجرمين الملاحدة علوا كبيرا .

وأما المصيبة الثانية ، وهي أعظم من الأولى وأعرق في الكفر والضلال ، فهي اعتقاد أبي البيض وقبيله أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الغيب كله حتى الخمس التي لا يعلمها إلا الله كما ورد عنه في الصحيح : (...في خمس لا يعلمهن إلا الله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ...) . ولم يكتف أبو البيض بهذا بل زعم أن الأولياء كذلك يعلمون الغيب , وهذا من لوازم عقيدة وحدة الوجود جزما , فمن اعتقد أنه الله بل و أقسم على ذلك كما قال الحراق : [مجزوء الرمل]

فانظروني تبصروه ** إنه والله أني

لم يشذ عن علمه شيء , وتلقف هذا البلاء جميعه شقيقه أبو العسر فقرره بمنتهى الجرأة والوقاحة في مقدمة ما سماه (الأربعون العزيزية) في الطبعة الأولى, وحذف تلك المقدمة في الطبعة التالية , وفي رسالة له إلى أبي الفتوح رقم 85 يقول : (والأحاديث التي وقفت عليها في نفي علم الغيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معناها : نفي ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم بذاته , بخلاف إطلاع الله تعالى إياه على ما شاء من غيبه (إلا من ارتضى من رسول) ، وهو أفضل مرتضى على الإطلاق صلى الله عليه وآله وسلم , فإن كانت هناك جزئية بعينها , فالجواب أنه صلى الله عليه وآله وسلم نفى اطلاعه عليها قبل أن يطلعه الله تعالى في آخر عمره , أطلعهم الله على كل شيء , وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والله إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني ربي) , وكيف تقبل تلك الأحاديث ـ إن صحت ـ على ظاهرها , ونحن نشاهد آلاف المسائل من المغيبات التي أخبر بها في حياته , أو ما ظهر بعد انتقاله , من عهد الصحابة إلى اليوم , و إلى قيام الساعة , و في (طباق الحال الحاضرة) ، وهي قطرة من بحر ، كفاية , فكيف بما سبق من المغيبات التي أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلم ..) .

قلت: "طباق الحال الحاضرة" هو الاسم الأول لكتابه (مطابقة الاختراعات العصرية) الذي طبع بعد تعديله , ولا أدري كيف يفعل أبو البيض ـ بعد أن حط من شأن الأحاديث الواردة في نفي علم الغيب عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم , وهي في الصحيح ـ بالآيات العديدة الواردة في كتاب الله تعالى في الموضوع , وهي في منتهى البيان والصراحة كقوله تعالى : (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) ، وأبو البيض يعلم ما قال علماء البلاغة والأصول في الاستثناء المسبوق بالنفي وأنه يفيد الحصر , وقوله عز وجل : (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ...) ، وقوله سبحانه : (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ، وقوله عز وجل : (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ...) ، إلى غير ذلك من الآيات البينات , و مثلها من عشرات الأحاديث النبويات , ومن أقرَبِها وأصحها قوله صلى الله عليه وآله وسلم للجارية التي تغني بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، و تقول : وفينا نبي يعلم ما في غدٍ , فنهرها صلى الله عليه وآله وسلم , وقال: دعي هذا وقولي ما كنت تقولين .

ولا يخفى ما في قول أبي البيض : (..ونحن نشاهد آلاف المسائل من المغيبات) , من المبالغة أو الكذب , ولعل ما صح من ذلك لا يبلغ المائة , ثم إن احتجاج أبي البيض بآية (إلا من ارتضى من رسول) ، لا يفيد اختصاص النبي بذلك , وتمسك أبي البيض بأن علم الغيب المدعى ليس استقلالا ذاتيا بل باطلاع الله نبيه عليه , مغالطة , ثم هو ليس خاصا به عليه السلام ؛ بل هو في كل رسول بالقيد المذكور في الآية , وقد سبق أن نبهت في فصل تصرف الأولياء في الكون , على أن صنيع أبي البيض وأمثاله من غلاة المبتدعة أن يتملصوا من فظاعة الأمر بادعاء أنه بإذن الله وأمره متناسين بأن علم الله وقضائه وقدره عام في كل شيء , وهذا من قواعد الإيمان , والتوفيق بيد الله , فسبحان من أعمى بصائر هؤلاء القوم وحال بينهم وبين قلوبهم حتى تركوا المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك , ووقعوا في بنيات الطرق , نسأل الله العافية ، أن يختم لنا بالحسنى.


الفصل الحادي عشر قوله بالتصوف الباطني الفلسفي ، و اعتقاده أنه التصوف الحق ، و أن معظم الصوفية لم يشموا له رائحة ، لأنه لا يدرك إلا بالذوق ، و غايته وحدة الوجود ، مع جزمه بأن من لا يعتقدها فلا إيمان له


كتب أبو البيض إليَّ مرارا يقول بأن التصوف نوعان : تصوف سُني أخلاقي ، و هو ما عليه معظم الصوفية ، و لكن التصوف الحق هو التصوف الباطني الذي لا تعلق له بالعمل و السلوك ؛ بل هو عناية ربانية ، و جذب إلاهي ، و أصحابه لا يكونون مقلدين أبداً ؛ لأنهم يأخذون عن الله مباشرة ، و لا يكون القطب إلا منهم ، و القطبانية درجة في غاية السمو ، و أشار إليها قائلهم ، و هو ابن العربي الحاتمي المرسي : [المتقارب]

مقام النبـوة في برزخ ** فُوَيْقَ الرسول و دون الولي

و سمعت أبا البيض يقول و قد كتب به إلي أن الإمام شمس الدين السخاوي تلميذ الحافظ ابن حجر ألف كتابا في مجلد ضخم سماه : (القول المنبي ، بترجمة ابن العربي) ، [و الكتاب مخطوط ، و تحت اليد صورة منه ، و هو قيد التحقيق ، فقد أنجزه الأخ الباحث المغربي خالد مدرك البيضاوي منذ سنوات] أورد فيه تراجم مختصرة لنحو مائة و أربعين عالما و إماما و شيخا صوفيا يورد في كل ترجمة فتوى في تكفير ابن العربي أو تفسيقه مع ذكر الدليل على ذلك من كلامه ، و فيهم كثير من شيوخ الزوايا و رؤساء الصوفية بمصر و الشام و اليمن و المغرب ، قال الشيخ أبو البيض : هؤلاء كلهم لم يعرفوا التصوف و ما شموا له رائحة على حد تعبيره ، و أذكر أنه نقل في كتابه (المؤذن ، بأخبار الشيخ أحمد بن عبد المومن) ، و هو مخطوط و أصله بخط المؤلف بالخزانة العامة بالرباط ، كلاما عن ابن عبد السلام الناصري في كتابه (المزايا ، فيما أحدث من البدع بأم الزوايا) ، و قد طبع الكتاب بالرباط مؤخرا ، كلاما قبيحا حول علي العمراني الملقب بالجمل ، و هو شيخ العربي الدرقاوي ، و ما كان يقوم به هو و أصحابه من أمور مستنكرة ، و أحوال مستقذرة ، بمدينة فاس ، حتى كان بعض شيوخه –أعني الناصري- يستعيذ بالله من رؤيته ، و بعد أن ذكر أبو البيض هذا تعبقه برد قاس صرح فيه بأن تلك الأحوال التي لم يستسيغها ذوق الناصري هي أحوال أهل الله حقا ، و أن الجمل و أصحابه هم الأولياء ، أما الناصري و قبيله فبعيدون عن الولاية ، في كلام من هذا القبيل ، و أبو البيض يعني ما يقول و يؤكده ، و يتبنى كل ما ذكره إمامه الأكفر ابن العربي في فتوحاته وفصوصه ، اللذين جمعا من ألوان الكفر و الإلحاد ما تفرق في غيرهما ، و لله در الإمام جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصاري المصري صاحب المؤلفات السائرة في النحو كالمغني و أوضح المسالك ، و قطر الندى ، و شذور الذهب ، الذي كتب على نسخة من (الفصوص) بعد قراءته : [مجزوء الكامل]

هذا الذي بضلالهِ ** ضلّتْ أوائل مَعْ أواخرْ من ظنّ فيه غير ذا ** فَلْيَنْأَ عَنِّي فَهْوَ كافِرْ

و ابن العربي يصرح بأن الأديان كلها صحيحة مقبولة ، و أنه يدين بها ، و أن أصحابها لا يعبدون إلا الله ، و هو بهذا سبق دعاة توحيد الأديان ، أو وحدة الأديان بمآت السنين ، و من غريب المفارقات أن أبا البيض ينقم على عدد من المعاصرين دعوتهم إلى توحيد الأديان الثلاثة : اليهودية ، و النصرانية، و الإسلام ، في وضعها الحالي باعتبارها أديان توحيد في الأصل ، و إلى هذا ينحو الآن معظم الدعاة الإسلاميين الداعين إلى التعايش السلمي ، و كان من الواجب على أبي البيض أن يؤيدهم و يدعو إلى ما يميلون إليه ، و كيف لا و إمامه ابن العربي يرفع عقيرته بالأبيات السائرة كما في ديوانه : [الطويل]

لَقَد كُنتُ قَبلَ اليَومِ أنكِرُ صاحِبيِ ** إذا لَم يَكُن ديني إِلى دينِهِ داني وَقَد صارَ قَلبي قابِلاً كُلَّ صورَةٍ ** فَمَرعَى لِغزِلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبان وَبَيتٌ لِأَوثانٍ وَكَعبَةُ طائِفٍ ** وَأَلواحُ تَوراةٍ وَمُصحَفُ قُرآنِ أَدينُ بِدَينِ الحَقِّ أَنّى تَوَجَّهَتْ ** رَكائِبُهُ ، فَالدِّينُ دِيني وَإيماني و في رواية :

أَدينُ بِدَينِ الحُبِّ أَنّى تَوَجَّهَتْ ** رَكائِبُهُ فَالحُبُّ دِيني وَإيماني

و قد ذكر السخاوي في (القول المنبي) أن الإجماع كاد ينعقد على تضليل ابن العربي و الحكم بقتله ، و أن الأمر كان على وشك التنفيذ لولا تدخل المجرمين من شيوخ الصوفية بمصر و الشام ذوي المكانة عند أمراء الممالك الجهلة ، و في بعض الأحيان يتغلب الرشد و الحق على الهوى فيقام حكم الردة على المرتدين ، فينقبعون و يتواصون بالكتمان ، و ينسبون إلى الإمام علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ، و لا يصح عنه ، و إنما هو من قول كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى سنة 220 هـ : [البسيط]

يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أَبوحُ بِهِ ** لقِيلَ لي أَنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا و لاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسلِمونَ دَمي ** يَرَونَ أَقبَحَ ما يَأتونَهُ حَسَنا

الفصل الثاني عشر شتمه لعدد (6) من الصحابة على رأسهم معاوية ، و قوله بردتهم ، و ردّه القول بعدالتهم رضي الله عنهم ، و لعن مبغضهم


هذا الفصل أيضا ينتظم ثلاث فواقر : رد القول بعدالتهم ، و شتم عدد منهم ، و الحكم بردتهم و نفاقهم . أما القول برد عدالتهم التي أجمع عليها المسلمون إلاّ الروافض ، و الخوارج ، و الغماريون ، و هم صميم الروافض ، و قد ذكر أبو البيض في جؤنته : حديث (يلحد رجل بمكة يقال له عبد الله عليه نصف عذاب العالم) ، و في رواية لأحمد (يحلها بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس) ، و في رواية لأحمد أيضا (يحلها بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس) ، و في رواية لأحمد أيضا (يحلها –أي مكة- رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها) ، و قال : روي من طرق متعددة صحيحة و حسنة . و الحق أنه لم يصح منها شيء و هي بين ضعيف و منكر و منقطع ، ثم أنزلها على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، و قال: لما قام بالفتنة في مكة و أحلها جاء إليه عبد الله بن عمرو فأنذره بهذا الحديث ، و ذكّره به لعله يرجع، فما زاده ذلك إلا لجاجا فيما هو فيه ، و هذا مما يسد على القوم مسالكهم (يعني أهل السنة و الجماعة القائلين بعدالة الصحابة) ، و يُفسد عليهم ما أسسوه من عدالة كل من سموه صحابيا باصطلاحهم و عُرفهم ، و لو لم ير النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلا مرة في عمره ، أو رآه و هو صغير دون بلوغ كعبد الله بن الزبير ، و بنوا على ذلك ما بنوه من تصويب ما فعله أمثال هؤلاء ، ولو كان مخالفا لكتاب الله تعالى و سنة رسوله ، مناقضا للدين من أصله ، مخالفين بذلك جميع النصوص و الأدلة ، ضاربين بكل ما عارضه عرض الحائط ، مجابهين للواقع ، مكابرين للمحسوس ، فهذا عبد الله بن الزبير قد قال فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم ما سبق ، و أيده الواقع ؟ فإنه استحل حرم الله تعالى و فتك به ، و قتل و سفك الدماء ، و فتن أهله حتى أهين المسجد و الكعبة المشرفة ، و ضربت بالمنجنيق حتى احترقت و تهدمت ، و كان مع هذا شديد العداوة لعلي عليه السلام و آل بيته الكرام ، و قد قال صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث الصحيح المجمع على صحته لعلي : (لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق) .

و اندفع أبو البيض الأفاك يسرد مثالب ابن الزبير معتمدا في ذلك روايات الأخباريين الشيعة إلى أن شفى غيظ قلبه ، و قد قال مالك رحمه الله : من سب الصحابة لا يُعطى من الفيء ، و هو كافر ، لأن الله تعالى قال : (..ليغيظ الكفار) ، و ابن الزبير رضي الله عنهما بايعه الجمهور من الصحابة ، و تمت له الإمارة بعد يزيد بن معاوية ، و نازعه مروان بن الحكم –و هو أرشد منه وأولى بالإمارة- و لما لم يتنازل له زحف إليه الحجاج بن يوسف الطاغية و حاصره و رمى الكعبة وأحرقها، و هذا معروف في التاريخ ، فابن الزبير مظلوم تحصن بالحرم ، و دافع عن نفسه الدفاع المشروع إلى أن قتل و صلب ظلما و عدوانا ، و أبو البيض يتكلم بلسان غيره (الروافض) ، و ذنبه الأول عنده عداؤه لعلي و أهل بيته و بغضه ، و لذلك حكم أبو البيض بنفاقه إعمالا لحديث (لايحبك إلا مؤمن..) ، و هو يعلم أن الحب و البغض من أعمال القلوب ، و أن تصرف الإنسان المخالف قد يكون لسبب مقبول كالاجتهاد كما وقع قبل بين علي و معاوية و عائشة رضي الله عنهم ، و أبو البيض يعميه الهوى حتى يتورط فيما لا طاقة له به ، فقد كتب بخطه في رسالة تلميذه الكرفطي –كما ذكر غير ما مرة- : "إن عليا كان يبغضه (أغلب الصحابة)" ، و بناءً عليه فهم منافقون لزوما لهذا الحديث ، و العياذ بالله ، و رواية مالك المشار إليها رواها البغوي في شرح السنة، و نصها الكامل : قال مالك : من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، و كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فَيء المسلمين ، ثم قرأ قوله تعالى : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [سورة الحشر]) . و ذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقرأ مالك هذه الآية : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) [سورة الفتح]) . ثم قال –مالك- : من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقد أصابته هذه الآية .

و في فتح القدير للشوكاني من رواية عبد بن حميد و من معه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم فسبوهم ، ثم قرأت : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [سورة الحشر]) .

و يكفينا من المرفوع مما ورد في مدح الصحب و وعيد من تنقصهم قوله صلى الله عليه و آله و سلم : "لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه" و هو صحيح ، و قوله عليه الصلاة و السلام "لعن الله من سبّ أصحابي" ، وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع ، و قد أفرد عدد من العلماء فضائل الصحابة بالتأليف ، من أقدمهم الإمام أحمد ، و كتابه (فضائل الصحابة) رائد في بابه و هو مطبوع ، و قد استقرئ من صنيع أئمة السلف ما صيغ منه تعريف الصحابي بأنه من آمن بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم بعد لُقيه و استمر على ذلك إلى أن مات . و ذلك ليدخل في هذا التعريف : العميان و الصبيان المميزون ممن لم يبلغ الحنث كالحسنين وابن عباس و ابن الزبير و غيرهم من صغار الصحابة ، و لكنْ أبو البيض لم يرض هذا و أشار إلى قيود و شروط في الصحبة حتى يتأتى له الطعن في عدد من الصحابة و إخراجهم من الإسلام عياذا بالله ، و قد قال الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب السنة : "من السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كلهم أجمعين ، و الكف عن الذي جرى بينهم ، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي ، فحبهم سنة ، والدعاء لهم قربة ، و الاقتداء بهم وسيلة ، و الأخذ بآثارهم فضيلة . و قال : لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ، و لا يطعن على أحد منهم ، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ، ليس له أن يعفو عنه ؛ بل يعاقبه ثم يستتيبه ، فإن تاب قبل منه ، و إن لم يتب أعاد عليه العقوبة ، و خلده في الحبس حتى يتوب و يراجع" . و لأمر مّا تواصى علماء السلف بالكف عما شجر بينهم و تطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم أو نقصا فيهم ، و يرون الترحم على جميعهم و الموالاة لكافتهم ، و أقوالهم في التواصي بذلك لا تحصى ، و يرون التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله ؛ بل هو بدعة و ضلالة . قال الميموني ، قال لي أحمد بن حنبل : يا أبا الحسن ، إذا رأيت رجلا يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام . و روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة » . و في فتح الباري لابن حجر –و هو ممن يعتمدهم أبو البيض ويغلو في مدحهم- ما نصه : "اتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد وَقَدْ عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ" .

قلت : هذا دستور أهل السنة من المسلمين لم يخالفه إلا الروافض و الخوارج ، و كأني بأبي البيض و قد سمع هذه الأقوال النيرة ، تَعَكر دمه ، و انتفخت أوداجه ، و أفلت الزمام من يده فوقع في هؤلاء الأئمة و رماهم بالنصب و سوء الفهم ، و اندفع يملي عن ظهر قلب أحاديث المثالب التي كان يلقنها من هب و دب من مريديه من أنعام البشر فيثقون به ، و يَلَغون في أعراض الصفوة من خلق الله ، فيلعنون أبا سفيان ، و ابنه معاوية ، و عمرو بن العاص ، و المغيرة بن شعبة ، و سمرة بن جندب ، و عبد الله بن الزبير ، و غيرهم ممن نسيت . مقتدين في ذلك بإمامهم الضال المضل و قد سمعوه مرارا يذكر : إذا رأيتم معاوية فوق منبري فاقتلوه ، و سمع النبي معاوية و عمرو بن العاص يتغنيان فقال : اللهم أركسهما في الفتنة ركسا و دعّهما في النار دعّا ، و قال صلى الله عليه و آله وسلم : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي ، قيل : فطلع معاوية ، وحديث معاوية في تابوت مقفل عليه في النار ، بنادي : يا حنان ، يا منان ، وقوله عن سمرة : آخركم موتا في النار ، فكان سمرة .

و هذه الأحاديث المفتعلة يصرح أبو البيض بأنها أصح من الصحيح و إنما تحاماها أهل السنة لبغضهم في آل البيت ، و ما يعانونه من النصب في زعمه ، و لم يشفع لأولئك الصحابة الكرام رضي الله عنهم و أرضاهم ، و لعن عدوهم و مبغضهم ، ما شهد الله لهم به من فضل الصحبة و الوعد بالحسنى ، و لا سيما صهر النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، و كاتب وحيه ، و خال المومنين ، سيدنا معاوية بن أبي سفيان ، و أول الملوك العادلين في الإسلام ، و الفاتح الظافر ، و الأسد القاهر ، فإنه كان إذا ذكر فقد صوابه ، و أعلن بقاموس من السب و الشتم فاق شتائم الروافض و الخوارج ، و يا ويحه فقد استجلب بذلك غضب الله و لعنته ، و قد تقدم حديث (لعن الله من سب أصحابي) ، و لم أقف على من أطلق لسانه بالسب و اللعن في عدو له كما فعل هذا الأفاك ، هذا في الصحابة ، أما فيمن بعدهم فشيخ الإسلام ابن تيمية أكل قلبه ، و استباح لبّه ، فتفنن في الوقيعة فيه ، و في تلاميذه ابتداءً من التكفير إلى التفسيق و التبديع و التجهيل كما سيأتي .

و سئل ابن المبارك عن معاوية فقال : ماذا أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية خلفه و هو يصلي وراءه : ربنا و لك الحمد ، و قيل له –ابن المبارك- : أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم خير و أفضل من عمر بن عبد العزيز . و سئل المعافى بن عمران (ياقوتة العلماء) : أيهما أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فغضب ، و قال للسائل : أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين ؟ معاوية صاحبه و صهره و كاتبه و أمينه على وحي الله . و قال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبد الله –يعني : أحمد بن حنبل- و قد سئل عن رجل تنقص معاوية و عمرو بن العاص ، أيقال له : رافضي ؟ فقال : إنه لم يجترئ عليهما إلا و له خبيئة سوء ، ما انتقص أحدٌ أحداً من الصحابة إلا و له داخلة سوء . و قال إبراهيم بن ميسرة : ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية ، فإنه ضربه أسواطا . هذه نقول بينة و لها نظائر أوردها و غيرها ابن كثير في ترجمة معاوية من البداية و النهاية ، و انظر ترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي و سير أعلام النبلاء له، أحيلك على هذه المصادر ، و أنا أعلم أبا البيض لا يعتمدها و يلعن أصحابها و يكذبهم و الله حسيبه، و قد حدثني الفقيه محمد التطواني الكتبي بمدينة سلا أنه اشترى كتباً من أبي البيض منها البداية والنهاية قال : فنظرت فيها فوجدته كتب على هامشها سبا و لعنا فاحشا لابن كثير و شيخه ابن تيمية ، ومعاوية و من معه ، فأخرجتها من بيتي حالاً ، و قد ظل على هذا المنهج الأثيم إلى وفاته ، والمسئول عن إضلاله روافض الزيدية كآل السقاف و باعلوي و ابن عقيل الحضرمي ، و طواغيت الشيعة من شيوخه كمحسن الأمين العاملي ، و آل كاشف الغطاء و عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، وغيرهم الذين أخذ عنهم و استجازهم فلقنوه هذا الضلال و هو غض الإيهاب ، في عنفوان الشباب، و قد أعدى مع الأسف بهذا الداء الوبيل إخوته كلهم ، و من مراجعه الأثيرة كتاب (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) ، ذلك الكتاب الخبيث الذي كان يبشر به و ينحي باللائمة على شيخه جمال الدين القاسمي لرده عليه ، و ينعت ذلك الرد بالفشل و الضعف ، و قد ظهر هذه الأيام كتاب جيد لمؤلف معاصر ، سماه (إسكات الكلاب العاوية) يُعد بحق ردّا مفحما على نصائح ابن عقيل الرافضي ، و قد أشرت سابقا إلى أن مطاعن أبي البيض في معاوية تجاوزت الحد في السفه والوقاحة و قلة الدين ، و قد اخترت منها هذه (الباقة)! نقلا من خطه ، ليقف القارئ على هذا الضلال المبين، و إليكها مرقمة :

1- في جؤنة العطار : نقل من مسند أحمد بسنده الصحيح عن عبد الله بن بريدة قال : دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فأكلنا ، ثم أتينا بالشراب فشرب معاوية ، ثم ناول أبي ثم قال : ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم . قلت (أبو البيض) : في هذا دليل على أن معاوية كان يشرب الخمر ، لأنه من بيت كان يشربه في الجاهلية ، فقد كان والده أبو سفيان شِرِّيباً للخمر ، و أخباره في ذلك كثيرة ، و قوله : ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم تعلل مكشوف ، فإنه إذا لم يستطع الصبر عنه حتى بمحضر الناس الذين يستتر منهم خوف الفضيحة و العار و إشاعته بين الناس ، فكيف يتركه قبل ذلك ، و لا يخفى ما في قوله : منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من النكتة التي يعرض بها ؛ إذ لم يقل منذ حرمه الله تعالى . قال أبو أويس : تأمل كلام هذا الرجل لتعلم أنه يتلقى وحيه من الشيطان ، وغاية ما في الأثر –إن صح - أن معاوية ترخص في النبيذ لا الخمر ، و قد شربه معه بريدة ، ومعلوم أن عرب الجاهلية كان معظمهم يشرب الخمر الخالص لا النبيذ ، و فيهم من أعمام النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أقاربه ، و كان تحريمها تدريجيا لما كان عليه القوم من الإدمان ، و لم يكتف أبو البيض بهذا حتى أشار إلى أن معاوية كان يستحل شرب الخمر الصرف ، و هذا يقتضي كفره وهو المقصود ، و قد صرح بلعنه و تفسيقه و نفاقه كما سيأتي في موبقاته . 2- في الجؤنة أيضا : و هذا الشام الذي امتلأت كتب الحديث من الأحاديث بفضله ، مع تصحيحهم لكثير منها ، و ورودها بالأسانيد النظيفة ، لم يصح عندنا في فضله حديث ، و كل ما صححه الحفاظ فيه فباطل ، و عذرهم في ذلك بيّن ، لأن أسانيد ما صححوه على شرط الصحيح ، و لكن البلية فيه ممن اشتهر بينهم بالثقة ، و هم رووها ائتمارا بأمر معاوية الذي كان يجبر الناس على وضع الحديث في فضل الشام ، و أن أهله على الحق ، و أن الهجرة إليه واجبة ، و أن به الطائفة المنصورة ، و أن به الأبدال ، و نحو ذلك مما كان يجمع به الطغام و الجهلة ، و يتألف بهم على علي وأهل العراق الخ .

قال أبو أويس : هذا كما ترى كلام ملغوم يترتب عليه سوء الظن برواة الحديث من الصحابة فمن بعدهم ، و معاذ الله أن يفعلوا و هم ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالخيرية ، فكيف يجمعون على الكذب على الرسول عمدا و هو كفر ؟ نعم كان هناك سباب و تلاعن و تقاتل نشأ عن اجتهاد في الرأي ، و نحن مأمورون بالإمساك عما شجر بينهم ، ويعجبني قول أبي البيض : لم يصح عندنا . و هنا ينشد قول القائل :

يقولون : هذا عندنا غير جائز ** فمن أنتم حتى يكون لكم (عِنْدُ) ؟

و من الطرائف العجيبة الدالة على تلاعب الهوى بأهله ، أن أبا البيض لما هاجر إلى مصر في آخر حياته ، و حج و اعتمر و زار السودان و سورية كتب إلى ذنبه الكرفطي و إلى أخيه الحسن ، يقول بأنه رجع عما كان يعتقده في الشام و أهله من الشؤم و النصب ، و أنه يعتقد ما صح في فضله ، وأنه لو أقام هناك أياما لأحدث انقلابا في الأفكار و الناس ، و مثل هذا قاله في السودان و هو دلالة واضحة على عقلية الرجل الخرافية ، و رقاعته .

3- و فيها أيضا بعد حكاية عن مجنون بالعراق و كيف كان يخطب في الصبيان و العوام في تمثيلية عجيبة ، قال أبو البيض : كأنه كان يعلم الصبيان و العوام ما يجب عليهم أن يعتقدوه فيهم (بني أمية) حتى ينزلوهم منازلهم ، و لا يغتروا بالمبتدعة النواصب الذين يرفعون من قدر معاوية و يدافعون عن ابنه اللعين .

4- و فيها أيضا نقلاً عن تاريخ الإسلام للذهبي أن الإمام مالكا قال : إن معاوية نتف الشيب كذا وكذا سنة، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يحمل، فإذا دخل مصلاه جعل عليه، وذلك من الكبر . قال أبو البيض : و هذا يكذب ما نقل عنه من قوله : غبار حافر فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز ، و ربما نقل بعضهم هذا عن ابن المبارك ، و كله كذب ، و إذا وصف مالك معاوية بالكبر وهو يعلم الحديث الصحيح (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر) المخرج في صحيح مسلم ، فلا يجوز أن يقول ذلك في عمر بن عبد العزيز . قال أبو أويس : الأثر معضل و معلق ، ولكنْ أبو البيض أتى به ليستنبط منه أن معاوية لا يدخل الجنة لما به من الكبر ، فافهم شيطنة الرفض كيف تدفع صاحبها إلى الفجور و البهت .

5- في الجؤنة أثناء الرد على ابن العربي المعافري في قوله من (سراج المريدين) : إنه لهما (علي ومعاوية) محب و معظم ، و لعلي مقدم لعظيم منزلته و علو درجته ، و أن أحدا من الخلفاء الثلاثة لا يدرك شأوه و لا يلحق منزلته و لا خلافته بعده . قلت (أبو البيض) : و هذا منه كما قال علي عليه السلام للخوارج كلمة حق أريد بها باطل ، فإن ابن العربي ما أراد بها إلا أن يلقي الغبار في العيون حتى لا يتهم إذا أطلق لسانه في علي و آل بيته في مكان آخر . و من قرأ كتبه و لا سيما العواصم عرف أنه كذاب في مقاله هذا على أنه دسّ السم في العسل بقوله : الطائفتين اللتين تنازعتا تطلب الحق ، و معلوم أن معاوية كان يطلب الباطل بالنص و الإجماع على أنه باغ كما حكى الإجماع على ذلك غير واحد ، منهم النووي في شرح مسلم ، و يكفينا عن الإجماع : تسميته صلى الله عليه و آله و سلم باغيا في الحديث المتواتر المقطوع به ! و كذلك في قوله (ابن العربي) : و أنا لهما معظم ، و في الحقيقة ما هو محب معظم إلا لمعاوية ، و كيف يحب من أمر الله ببغضه ، و يعظم من أمر الله بإهانته !! .

قال أبو أويس هكذا يحكم أبو البيض على النيات و الضمائر ، و يكذب على الله ورسوله فيزعم أن الله تعالى أمر ببغض معاوية و إهانته ، و والله ما البغيض المهان إلا من افترى على الله و رسوله ، و كان الأولى به أن يرد على ابن العربي فكرته الغريبة منه و هي تقديم علي على الخلفاء الثلاثة و هو يعلم أنه كان يصرح بأنهم أفضل منه ، و من فضله عليهم أقام عليه حد المفتري .

6- و فيه رد الحافظ ابن حجر حكاية تتعلق بلعن علي رضي الله عنه بأمر معاوية رضي الله عنه ، وتعقبه أبو البيض بقوله : إن أمر معاوية و من اتبعه من بني أمية بلعن علي عليه السلام في المدن والقرى و على المنابر متواتر مقطوع به ، مذكور في صحيح مسلم أيضا ، و كشف علي عليه السلام و إخباره بالمغيبات أمر يفوق العد و الحصر بحيث لو جمع لجاء منه مجلد .

قال أبو أويس : و مبالغة أبي البيض معهودة منه و لا سيما في مثل هذا الموضوع ، و سب علي على المنابر كان مقابلا بمثله من الشيعة ، و هذه من آثار السياسة قبحها الله ، و كشف علي كان أبو البيض كلفاً به ، و ما صح منه تسعه صفحة ، و لكن مصادر أبي البيض في هذا كتب الروافض ، و هي مدونات أكاذيب .

7- و فيه نقل أبو البيض من تاريخ الطبري في ترجمة المعتضد العباسي كتابه المشهور في مساوئ بني أمية و لعنهم ، و قد نشط أبو البيض فتجشم نقل الكتاب كله رغم طوله لما تضمنه من مصائب وفضائح ولّدتها السياسة المعوجة ، و من أخطرها تفسير آية (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) [سورة الإسراء]) بقوله : و لا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني أمية !! و كان أبو البيض معجبا بهذا الكتاب الملفق ، و قد أرشدني إليه مرة وقال: إنه من أفضل ما كتب في موضوعه ، و منه عرف تلك الأحاديث الموضوعة في لعن معاوية وأبيه و آل بيته ، فاعجب لرجل عاش يزعم أنه إمام المحدثين و السّلفيين ، و أن النبي صلى الله عليه وآله و سلم أخبر به و بدعوته كما في أواخر كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية" يؤمن بتُرَّهات السياسة ، و هو يعلم أن ذلك مما عملت أيديهم ، علاوة على أن ذلك مروي وجادة لا سند لها .

8- و فيه ما نصه : فائدة جليلة ، أورد فيها من "أنساب الأشراف" للبلاذري حديث : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي ، قال عبد الله بن عمرو بن العاص : و تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع ، فطلع معاوية ، أورده بسندين ، و قال أبو البيض : و هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، و هو يرفع كل غمة عن المؤمن المتحير في شأن هذا الطاغية قبحه الله ، ويقضي على كل ما يموه به المموهون في حقه ، و من أعجب ما تسمعه أن هذا الحديث خرجه كثير من الحفاظ في مصنفاتهم و معاجمهم المشهورة ، و لكنهم يقولون : فطلع رجل و لا يصرحون باسم اللعين معاوية ستراً عليه و على مذاهبهم الضلالية في النصب و هضم حقوق آل البيت ، و لو برفع منار أعدائهم ، فالحمد لله الذي حفظ الشريعة رغما على دس الدسّاسين ، و تحريف المبطلين

قال أبو أويس : كتبت أنا بخطي على هامش نسختي ما نصه : هذا الحديث باطل مكذوب ، والبلاذري نفسه مُتكلم فيه ، و إذا كانت هذه الأحاديث بهذه الأسانيد المركبة و التي هي عند المؤلف الهالك على شرط مسلم ، فلماذا اتفق الحفاظ الثقات –إلا من طعن فيه- على الإضراب عنها وتركها ، و إلا لزم الحكم عليهم بالنفاق و النصب ، و هو ما يرمي إليه المؤلف –و قد صرح به كما ترى- و السبب في إبهام الرجل بعد ثبوت الحديث !! و نحوه : خوف أن يسبق إلى فهم القارئ ظاهره فيسوء ظنه بصحابي جليل ، لا كما فهم الرافضي أبو البيض . و تراه يحمد الله على حفظ الشريعة كأنه متوقف على لعن معاوية و من معه ، و يلاحظ أن جزء (أنساب الأشراف) للبلاذري الذي ينقل عنه أبو البيض طبعه يهودي بالقدس قديما ، و لم يكن طبع كله أو معظمه ، فافهم نكتة سبق يهودي إلى طبع هذا البلاء !

9- و فيه حملة أبي البيض على الشام و أهله النواصب في زعمه ، و ذكر السبب في ذلك فقال : والذي جرأهم على ذلك معاوية قبحه الله ، فإنه كان يأمر الرجل أن يقوم في الناس فيخطب و يروي عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حديثا في فضل الشام و أهله ، و أن الإيمان و الحق مع أهل الشام إذا وقعت الفتن ، و أن الشيطان مع أهل العراق يريد أنصار علي عليه السلام ، فاعرف هذا ينحل لك به إشكال عظيم يستشكله كثير من الناس في تلك الأحاديث الواردة في فضل الشام التي صححها كثير من الحفاظ اغترارا بظاهر الإسناد و بحال أهل الشام الأقدمين في العصبية لبني أمية لعنهم الله ، مع أنها مخالفة للواقع غير مطابقة للحال المشاهد اليوم من الشام و أهله ، فإن فيها : إن الإيمان في آخر الزمان عند وقوع الفتن يكون بالشام ، و هذا هو آخر الزمان ، و ليس بالشام إيمان زائد على غيره من الأقطار ، بل الإلحاد بدأ يفشو في أكثر من غيره ، و كذلك لا يوجد شيء به مما هو مذكور في تلك الأحاديث التي افتراها معاوية اللعين و أنصاره .

قال أبو أويس : كتبت على طرة الأصل ما نصه : تأمل صنيع المؤلف و اعترافه بتصحيح كثير من الحفاظ لهذه الأحاديث لنظافة أسانيدها ، و هو الذي يؤمن بما اختلقوه من مثالب أهل الشام ، و بني أمية و لو بدون إسناد ، ومعاذ الله أن يتواطأ أولئك الأئمة رحمهم الله و رضي عنهم على الكذب و اختلاق الفضائل ، و هم كانوا أشحاء على دينهم لا يتساهلون فيه ، و لكن المثل يقول : (السفيه ما كَيْنْوَى غِيرْ لِّي فِيهْ) و أبو البيض ببسمة و لقاء مصطنع ظفر به من جمال عبد الناصر ، باع دينه ، و زعم في كتابه (مطابقة الاختراعات العصرية) أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أخبر به –أي جمال- و أنه سينصر الإسلام الخ ، فعجبا ممن يبصر القذى في عين أخيه ، و ينسى الجذع في عينه ، ثم إن اللعين حقا من يطلق لسانه في أعراض فضلاء الأمة من الصحابة و غيرهم بدون خوف و لا حياء ، و إذا كانت أحاديث فضائل الشام –و قد صح منها الكثير- كما في كتاب (فضائل الشام) للرَّبعي و هو مطبوع بتخريج شيخنا الألباني ، لا تصح لعدم انطباقها على الحال ، فما القول فيما ورد في الحرمين الشريفين ، وهي أكثر و أصح ، و قد انحسر الدين منهما ، و تغلغل الإلحاد و التفرنج ، و أصبح لأمريكا و اليهود نفوذ كبير فيهما ، و قديما حكم الروافض و من يُسمّون الأشراف الجزيرة العربية ، و ارتكبوا فيها من الجرائم ما يندى له جبين الإنسانية ، و ليس معنى هذا أننا نشكك في الأخبار النبوية ، و معاذ الله، و لكننا نقول بأن ما ورد واقع و لكن لم يحن وقته بعد ، ثم إن أبا البيض رجع عما كان يعتقده في الشام و أهله كما أشرنا سابقا ، و نوى اللجوء إليه و سكناه ! و هكذا يفعل الهوى بأهله .

10- و فيه حمل أبو البيض حملة شعواء على الحافظ ابن حجر لقوله بعدالة الصحابة و أن ما صدر منهم من قتال كان عن اجتهاد ،رغم ما ثبت من أحاديث عن علي و أنه على الحق ، و عن معاوية وأنه كان مبطلا باغيا ، و ما ورد في أبي الغادية قاتل عمار في النار ، قال أبو البيض : و هو أصح من الصحيح مع أنه مُعَل و هو يعرف ذلك ، و أنهى أبو البيض حملته على ابن حجر بقوله يعظه : فاتق الله يا حافظ ، و تب إليه من هذا الورع الكلبي الذي يؤول بصاحبه إلى الكفر و تكذيب خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه و آله و سلم ، و الصحابة ليسوا بأنبياء معصومين ، و لا ملائكة مقربين ، حتى يضطر إلى تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم دفاعا عنهم ، و لا سيما من ليس له قدم في صحبة رسول الله ، و لا فضيلة ملازمته و خدمته ، فإن هذا الضرب منهم قد ثبت فيهم المنافقون و من ارتدوا عن دينهم في حياته صلى الله عليه و آله و سلم و بعده الخ .

قال أبو أويس : و الصحابة رضي الله عنهم بشر غير معصومين ، و لكنّ الله أكرمهم برؤية رسوله والإيمان به ، و الاستمرار على ذلك إلى الوفاة ، و من ثبت عنه انحراف و معصية فنحن نعتقد أن الله وفّقه إلى التوبة و غفرها له ، و قد ثبت عنه عليه الصلاة و السلام أن من دعا عليه و هو غير مستحق أن يجعلها الله سببا لغفران ذنوبه ، و أبو الغادية يسار الجهني قيل بأن له صحبة ، و أنه قتل عمار ابن ياسر رضي الله عنه متأولا مجتهدا ، فقد ثبت في روايتين أنه سمعه يقع في عثمان رضي الله عنه بمسجد قباء فغاظه ذلك و أقسم إن ظفر به قتله ، ففعل ، و ما ورد من حكايته مع الحجاج ، و قد أوردها أبو البيض هنا نقلا عن" الإصابة" دون الإشارة إلى ذلك و حذف نقد الحافظ للرواية بالانقطاع، و ضعف راو شيعي .

و قد كتبت بخطي على هذا الموضع من الجؤنة ما نصه بعد أن اتهم الحافظ بأن صنيعه في تأويل حديث (قاتل عمار في النار) يفضي إلى تكذيب النبي . قلت : يعني و ينتج عن ذلك كفر الحافظ ابن حجر ، و هذا ما يزعم الروافض سلف المؤلف الطالح ، و لا ذنب له إلا أنه قال ما اتفقت عليه جماهير السنة ، و لكنْ المؤلف أبو البيض و من معه يحكمون على ضمائر الناس و قلوبهم، و يعتبرونهم –و فيهم الأئمة الأربعة و كبار أصحابهم- مقلدين مغفلين منساقين وراء النواصب الذين أسسوا لهم هذا ، و لا أدري من هم إن لم يكونوا الصحابة و التابعين ، فتأمل كيف يتمكن الضلال و الابتداع من المرء فيطوّح به في مهاوي الهلاك و هو لا يشعر .

11- و فيه نقلا عن عمر بن شبة في أخبار المدينة بسند فيه مجهول أن عليا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لأمامة بنت أبي العاص : إني لا آمن أن يخطبك هذا الطاغية –يعني : معاوية- فإن كان لك في الرجال حاجة ، فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرا ، فلَّما انقضت عدتها كتب معاوية إلى مروان يأمره أن يخطبها عليه ، و بذل لها مائة ألف دينار ، فأرسلت إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب : إن هذا قد أرسل يخطبني ، فإن كان لكَ بنا حاجة فأقبل ، فخطبها إلى الحسن فزوجها منه . قال أبو البيض : في هذا دليل على كشف علي عليه السلام ، و على تسمية علي معاوية بالطاغية ، و الطاغية رئيس الكفار .

قال أبو أويس : و المقصود من هذا النقل الباطل تكفير معاوية من قِبل علي رضي الله عنه ، و لم يَصِل ما كان بينهما إلى هذا الحد ، فإن معاوية رضي الله عنه ثبت عنه أنه قال مرارا و تكرارا بأنه لم يقاتل عليا على الإمارة لأنه لا يستحقها ، و قد كان خصمه يعرف منه هذا ، و رحم الله أبا زرعة الرازي فقد روى ابن عساكر في ترجمته من تاريخ ابن عساكر: أن رجلا قال له : يا أبا زرعة ، أنا أبغض معاوية ، قال : لِمَ ؟ قال : لأنه قاتل علي بن أبي طالب ، قال : فقال له أبو زرعة : "إن رب معاوية رب رحيم ، وخصم معاوية خصم كريم ، فإيش دخولك أنت بينهما رضي الله عنهم أجمعين " ، و أبو البيض نجم بطنجة ، و انتصب لرواية أخبار مثالب الصحابة و ترويجها ، و ملأ بها كتبه و رسائله حتى امتلأت قلوب الشباب بغضا و كراهية للصحابة ، و أخذ يتناولهم بالنقد و التجريح عمال الميناء ، و المتسولون البطلة من رواد الزاوية ، و رجال البوليس ، و سمعت من بعض طلابهم من يتناول أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل الناس بعد الرسول معتقدا أنه حرم فاطمة رضي الله عنها من إرثها في أبيها و منعها أرض (فدك) ، و هنا ينشد قول حكيم المعرة : [الطويل]

فيا موتُ زُرْ ، إن الحياة ذميمة ** و يا نفسُ جِدّي ، إنّ دهرك هازِلُ

12- و فيه أورد أبو البيض حكاية طويلة مفتعلة بدون شك ، و لم يذكر مصدره فيها على عادته ، في حوار جرى بين شعبة بن غريض ، و كان يهوديا فأسلم ، و بين معاوية أنشده فيه شعبة شعرا لأبيه يرثي نفسه ، فقال معاوية : أنا كنت أولى بهذا الشعر من أبيك . قال : كذبت و لؤمت . قال: أما كذبت فنعم ، و أما (لَؤُمْتَ) فَلِمَ ؟ قال : لأنك كنت ميت الحق في الجاهلية ، و ميته في الإسلام، أما الجاهلية فقاتلت النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الوصيّ حتى جعل الله كيدك المردود، و أما في الإسلام : فمنعت ولد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الخلافة ، و ما أنت و هي ؟ وأنت طليق بن طليق ، فقال معاوية : قد خرف الشيخ فأقيموه ، فأخذ بيده فأقيم . قال أبو البيض مباشرة : رضي الله عنه (يعني شعبة) ، و لعن معاوية و أخزاه .

قال أبو أويس : و أنا أقول كما قال رسول الله : (لعن الله من سب أصحابي) .

13- و في رسالة من أبي البيض إلى أبي الفتوح مؤرخة ب 6 صفر 1379 هـ ما نصه : و أنصار أهل البيت من الصحابة ، و أعداؤهم ، لم يُؤَلَّف فيه فيما رأينا ، و إنما يعرف ذلك من كتب التاريخ و الرجال ، فمن قرأ حروب أهل بيت علي عليه السلام و ذريته ، مع الطاغية معاوية و حزبه ، عَلِمَ الأنصار من الأعداء ، فعليك بقراءة الاستيعاب لابن عبد البر ، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (الرافضي المعتزلي) .

14- و في رسالة منه إليه بتاريخ 29 حجة 1379 هـ و قد امتدحه في طالعتها بقوله : الأخ الأجل العلامة الواعية ، الداعية إلى الحق ، التقي النقي الصوفي !! ثم قال : (و اليوم أرسلت إليك (باكيتا) به (النصائح الكافية) الكتاب العزيز الغالي النادر الوجود ، فشُدّ يدك عليه ، و قم بواجب حقه و هو الدعاية لله و رسوله و آل بيته الأطهار ، و بُثَّ مساوي عدو الله معاوية بين المسلمين ، حتى تنقلهم من بدعة تحسين الظن به و الترضي عنه و تعظيمه ، فإن في ذلك نكاية لله و رسوله و آل بيته ، أعانك الله على الخير آمين. و أثر عمرو بن العاص الذي خرجه أحمد من جهة ابن لهيعة ، ولكن ابن لهيعة لا ذنب له فيه ، فهو من أصله فاسد ، و دعوى من عمرو لا تقبل منه ، و لا يصدقه فيها الواقع ، فإنه لو حفظ عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ألف مثل لنقل عنه ، و لو مائة، بل و خمسون كما وقع لغيره من الصحابة الذين اعتنوا بنواح مخصوصة فحفظوها عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فنقلت عنهم بتمامها .. و أما قول ابن كثير : إن في ذلك فضيلة لعمرو لقوله تعالى (و ما يعقلها إلا العالمون) فمن كذب النواصب ، و مغالطتهم و التماسهم الفضائل بالباطل و الافتراء ، كقولهم في الطاغية (معاوية) خال المؤمنين ، و لو عقل ابن كثير لاستحيى أن يذكر هذا الباطل ، لأن الله تعالى قال : (و ما يعقلها إلا العالمون) و لم يقل و ما يحفظها ، وعمرو زعم أنه حفظها لا عقلها ، لأن العقل هو الفهم و العمل بها ، و عمرو لم يكن عاملاً بواحد منها فضلا عن جميعها ، أما الحفظ فقد يحفظها الكفرة و المنافقون ، فهذه كقولهم في الطاغية (معاوية) إنه كاتب الوحي مع أنه لم يكتب من الوحي إلا آيات معدودات ، فإنه بعد إسلامه لم ينزل من القرآن الكريم إلا أقل من القليل ، لأن ثلثي القرآن تقريبا نزل بمكة ، و الباقي نزل قبل الفتح الذي أسلم فيه الطاغية ، و مع هذا فما من مسلم يحفظ القرآن و هم المليارات إلا و قد كتب الوحي من أوله إلى آخره خمس مرات أو ستة و هو يحفظه ، فلا تَرُجْ عليك دسائس أعداء آل البيت ، أعداء الله و رسوله) . ثم ذكّر ابن كثير بالحديث الموضوع الوارد في معاوية و عمرو ، ودعاء النبي صلى الله عليهما ، و قد سبق ذكره .

قلت : هذه الرسالة مصورتها تحت اليد من أخبث ما كتب أبو البيض ، و قد رأيت وصيته لذنبه و وارث (شره) أبي الفتوح بالعناية بكتاب (النصائح الكافية ، لمن يتولى معاوية) للرافضي المحترق الضال المضل محمد بن عقيل الحضرمي ، و هو أحد شيوخ أبي البيض ، وكتابه المذكور هو المسئول عن ضلاله في هذا الباب ، و منه يستقي المثالب المزعومة التي جمعها الرافضي من "مروج الذهب" للمسعودي الشيعي ، و تاريخ اليعقوبي الشيعي ، و وقعة صفين ، و تاريخ الطبري من رواية سيف بن عمر و نحوه من الهلكى ، و أبو البيض يأمر ذنبه بنشر الكتاب و دعوة الناس إلى ما فيه من ضلالات ، و قد قام أبو الفتوح بذلك خير قيام فسمعت من عدد من الطلبة والفقراء وقيعتهم في معاوية خال المؤمنين ، و كاتب وحي رب العالمين ، كما وصفه بذلك كثير من أئمة السلف الذين لا نسبة بينهم و بين أبي البيض ، و لكنه يفوقهم جميعا في الوقاحة و الرقاعة ، وليعلم أن هذه الرسالة كتبها أبو البيض قبل موته بسنة ، و منها يُعرف ما أكدته لبعض الناس أنه مات و هو يعتقد هذه المصائب التي أنا بصدد بيانها و الرد عليها حمية لله و رسوله ، و غيرة على دينه و حرمة النبي و أصحابه ، ثم إن أبا الفتوح نكص على عقبيه ، و ألقى وصية شيخه ، فأحرق كتاب (النصائح) و لأمر مّا أخلى (در الغمام الرقيق) من هذه المصائب كلها ، و هو مجانبة للصواب والأمانة العلمية ، و النصيحة الواجبة ، و هو يعلم أن الأمر دين ، و بدلا من أن يُسلم لله تعالى ، ويُعلن توبته ، و يكتب كتابا يبين فيه الحق الذي تنكبه في سبيل الحصول على المشيخة ، و ازدحام الأنعام على تقبيل يديه و رجليه ، و دسّ (الزيارة) في يده ، و قد حصل هذا كله ، فلعله يُقلع عنه ويُسلم لله رب العالمين ، و كتاب (النصائح) طبع مرارا على الحجر و الحروف ، و في إحدى طبعاته صورة مؤلفه ، و الجدير بالذكر أنه ظهر هذه الأيام كتاب مبارك يسمى (إسكات الكلاب العاوية ، بفضائل خال المؤمنين معاوية) لأبي معاذ محمود بن إمام بن منصور ، و هو يُعتبر أوفى و أجلّ رد غير مباشر للنصائح ، و قد تقدم ذكره ، فأوصي إخواني بقراءته و نشره بين الناس لإنقاذهم من بلاء الرفض و العياذ بالله تعالى .

15- و في رسالة منه إليه مؤرخة ب 4 ربيع الأول 1379 هـ يقول : و معاوية كتب للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ثلاث مرات أو أربعة لأنه ما أسلم إلاّ زمن الفتح ، و قد نزل أكثر القرآن ، وكان له صلى الله عليه و آله و سلم عدة كتاب ، و هب أنه كتب القرآن كله ، فما في الدنيا أحد حفظ القرآن الكريم إلا و قد كتبه بيده سبع مرات أو أكثر ، و قد كان رجل يكتب القرآن للنبي صلى الله عليه و آله و سلم فلَّما مات و قبر لفظه قبره ، و ذلك في حياة النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، و قد ذهب عني اسمه الآن مع اشتهاره ، و للعجلة المفرطة لم يمكني البحث عنه ، و يمكنك أن تعرف ذلك من الإتقان و غيره ، و إنما النواصب يخلقون المناقب لصاحبهم ، كما يسمونه خال المؤمنين كذبا و زورا ، مع أن الفقهاء نَصُّوا على كراهة ذلك في كتب الخصائص ، و إلا لكان والد صفية بنت حيي جدّ المؤمنين ، و كذلك اللعين أبو سفيان فإنه والد أم حبيبة رضي الله عنها أم المؤمنين ، و لهذا قال المحدثون و الأئمة : إنه لا يؤخذ الاسم بالقياس في هذا الباب ؛ بل منعوا ، وأولهم السيدة عائشة رضي الله عنها أن يقال أم المؤمنات أيضا ، لأن الله جعلهن أمهات المؤمنين الذكور لا الإناث مع إمكان دخولهن في الميم من قوله (و أزواجه أمهاتهم) ، فكيف يقاس الخال على الأم ، و المقصود أن النصب غلق (كذا) لهم ما يقولون ، قبحهم الله .

قال أبو أويس : هكذا يهوّن أبو البيض من شأن خال المؤمنين –رُغم أنفه- معاوية رضي الله عنه ، ويغالط في ذلك و يماري ، و لا يحصى من علماء السلف و السنة من وصفه بذلك ، و هذا البربهاري و الموفق ابن قدامة وصفاه بذلك في عقيدتيهما ، و المسألة لا تحتاج إلى تهويل ، و الخطب فيها سهل و لا مانع منها ، و انظر إلى اعتداد أبي البيض بكراهة الفقهاء لذلك ، و لا أدري من هم ، و عهدي به لا يقيم وزنا للأئمة الكبار ، و التنظير بحيي بن أخطب والد صفية أم المؤمنين ، مما أوحاه إليه إبليس ، فإن معاوية صحابي مؤمن –و إن كره الكافرون- ، و حُيَي يهودي ، فهل تستوي الظلمات و النور ، و اختلاق النواصب المناقب لصاحبهم ، مقابل بمثله من الروافض على أن هؤلاء كذبوا ، وما زالوا يكذبون إلى الآن في اختلاق المناقب و الخصائص ، و نقاد الحديث يعرفون أن ما وضع في فضائل آل البيت عموما ، و علي و ولديه خصوصا أضعاف أضعاف عشر مرات مما وُضع في فضائل معاوية ، فانظر كيف يتلاعب الهوى بأصحابه و يتجارى بهم كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه ، نسأل الله العافية .



الفصل الثالث عشر جزمه بأن أغلب الصحابة كانوا يبغضون علياً و أنهم لذلك منافقون لحديث "لايحبك إلا مؤمن" ، و غلوه في علي و إشارته إلى أنه كان يوحى إليه


معلوم أن مذهب أهل السنة و الجماعة من السلف الصالح تعديل الصحابة كلهم بدون فرق، و من ثبت أنه اجتمع بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم سواء رآه أو لم يره كالعُميان ، و آمن به ، واستمر على إيمانه إلى الوفاة ، فهو صحابي ، طالت صحبته أو قصرت ، غزا معه أو لا ، و لم تتخلل إيمانه ردة ، كما أن مذهبهم فيهم أنهم غير معصومين ، و قد تصدر منهم أخطاء و معاصي ، إلاّ أنهم لم يموتوا حتى يوفقهم الله تعالى للتوبة ، و ذلك لما ورد في فضلهم في كتاب الله تعالى كقوله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح :29] . و قوله عز و جل : (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [الحشر] . و قوله سبحانه : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة : 100] . و قوله عز من قائل : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الحديد : 10] . و قوله سبحانه : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) [الفتح] . إلى غيرها من الآيات ؛ بل كل ما ورد في القرآن العظيم من صفات المؤمنين و أخلاقهم و شمائلهم ينطبق عليهم بالدرجة الأولى لأنهم شاهدوا التنزيل و فيهم نزل، أما ما ورد في فضلهم عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، فقد أفرد بالتصنيف لكثرته ، ويكفي فيه ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : "لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي ، فو الذي نفسي بيده ، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم و لا نصيفه" . و قوله : "لعن الله من سب أصحابي" و قد حسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع . و قد تخطى أبو البيض هذه الآيات و الأحاديث ، و جعلها دَبْرَ أذنه ، و تورط في بلاء التشيع و الرفض ، فأعلن تكفير و تفسيق جماعة منهم يتراوح عددهم بين الستة و العشرة ، و تصيد أحاديث و آثاراً يروجها الروافض ، و بذل جهده في إقامتها و إحيائها ، و هي ميتة مهجورة لما يكتنفها من علل و مطاعن ، و أخذ يشنف بها مسامع البهائم من مَريديه الأُميين كلما سنحت الفرصة حتى أوغر صدورهم ، و ملأ قلوبهم بغضا و عداءً لأفضل جيل شرَّف الله به أرضه من عهد آدم إلى الآن ، و عرفته الإنسانية كما يشهد بذلك التاريخ الصادق ، و لم يكفه الولوغ في أعراض هذه الثلة من أولياء الله ، حتى وقع في الفاقرة العظمى و الموبقة الكبرى ، و هي الحكم على أغلب وأكثر الصحابة بالنفاق ، فلنستمع إليه يقول في رسالة إلى ذنبه الأجرب مؤرخة ب 4 ربيع الأول 1379 هـ يجيب عن سؤال أورده مَريده المذكور حول آية (.. سيجعل لهم الرحمن وُدّا) : ولنضرب مثلا بعلي عليه السلام ، فقد كان أكثر الصحابة يعادونه ، و يحسدونه و يبغضونه ، و لكن الود كان موجودا في قلوب طائفة قليلة من الصحابة ، كسلمان ، و أبي ذر ، و زيد بن أرقم ، وعمار ، و المقداد ، و بهم و بأمثالهم تحقق الود الذي أخبر الله به الخ .


قلت : و هذا و الله قول عامة الروافض حَذْوَ القُذّة بالقذة ، و مثل قوله هذا أكده في رسالة أخرى لم أجدها الساعة ، و تأمل تعبيره ب (أكثر) ، ثم إن أبا البيض الظالم نفسه لم يكترث لما يترتب على قوله هذا من الحكم بنفاق الآلاف المؤلفة من الصحابة رضي الله عنهم و لعن مبغضهم بطريق اللزوم ، و هو الذي حكم بنفاق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه لبغضه لعلي في زعمه لحديث "لا يحبك إلا مؤمن ، و لا يبغضك إلا منافق" ، و حكم به على شيح الإسلام بالنفاق لنفس التهمة ؛ بل صب عليه و على ابن خلدون جام غضبه ، و ألّف في الرد عليهما كتابا من أخبث ما كتب سماه "البرهان الجلي ، في انتساب الصوفية إلى علي ، و الرد على ابن خلدون و ابن تيمية الحنبلي" ، و هو مطبوع ، أبدى فيه من أنواع الغلو المقيت ألوانا سوداء استشهد لها بأقوال الغلاة من أوليائه ، و لم يستحي أن يحتج بما يعلم أنه موضوع مفترى كحديث "خلقت أنا وعلي من نور واحد " ، و قرر أنه رضي الله عنه أفضل الصحابة كلهم ، و إن اعترف أنه رابع الخلفاء الراشدين ، و لكن هذه عنده الخلافة الصورية ، و أما الخلافة الباطنية العرفانية ، و الخصوصية اللدنية !! فهي له وحده لا يشاركه فيها أحد ، و قد سبق في الرد عليه في موبقة (وحدة الوجود) أنها عقيدة الأنبياء و المرسلين من آدم عليه السلام إلى النفخ في الصور ، و أنها ما كانت عليه بواطنهم ، و هكذا أباح لنفسه أن يحكم على قلوب الناس و ضمائرهم ، و هو الذي نقم على التاج السبكي تصريحه بأن عقيدة الأشعرية كانت عقيدة الصحابة و ما انطوت عليه قلوبهم ، و سماه من أجل ذلك (مجنون الأشاعرة) ، و نقل عن ابن العربي في (الفتوحات) أن النبوة نوعان : نبوة تكليف وهذه انقطعت ، و نبوة تعريف و هذه ما زالت مستمرة ، و إليها أشار ابن العربي فيما أنشده : [المتقارب]

مقام النبوة في برزخ ** فُوَيْقَ الرسول و دون الولي


و هو ما كان يعتقده أبو البيض و لقّنه شقيقه أبا العسر ، و قرره هذا و انتصر له في كتابه (السوانح)، و نقل في البرهان الجلي رواية للطبراني في المعجم الصغير بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : "كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم عهد إلى علي رضي الله عنه سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره" . قال أبو البيض : و بالنظر إلى رجاله يُعلم أنه حسن إن لم يكن صحيحا . هكذا قال ، و مر عليه محقق كتابه "أحمد محمد مرسي النقشبندي" و سلمه بسكوته ، كما فعلا في الحديث الموضوع (خلقت أنا وعلي من نور واحد) ، و هما يعلمان أن نور الدين الهيثمي قال في مجمع الزوائد في كتاب المناقب ، باب فضائل علي : رواه الطبراني في الصغير ، و فيه من لم أعرفهم . فهلا عرفهم و عرّفهم المؤلف الحافظ ، و المعلق المحقق !؟

الفصل الرابع عشر ميله القوي إلى التشيع و الرفض ، و تنويهه بالرافضة ، و روايته عنهم ، و إشادته بكتبهم


كان هذا قبل أن أطّلع على معظم تآليفه ، و كنت قلت للشيخ حمدي عبد المجيد السّلفي لما سألني عن ترجمة مُوجزة لأبي البيض ، بأنه يتشيع و يقف على عتبة الرفض ، و قد تأكدت اليوم بأنه غارق في التشيع إلى النخاع ، و في الرفض إلى الذقن ، و معلوم لغة و اصطلاحا أن التشيع هو: الانتصار و المتابعة و الموافقة بالرأي ، و شيعة الرجل أعوانه و خاصته ، و قد كان علي رضي الله عنه محل تجلّة و احترام من الصحابة رضي الله عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، لما يعلمون من علمه و فضله و سابقته و قرابته و مصاهرته للنبي ، و لكن هذا كله لم يكن ليحول بينهم و بين اختيار الصحابة أبا بكر للخلافة ، و دخول علي رضي الله عنه فيما دخلوا فيه مختارا خصوصا بعدما سمعوه يتوعد من يقدمه على من قبله من الخلفاء الثلاثة ، بحده حد المفتري ، و يعلن مرارا و تكرارا على منبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم في مختلف المشاهد أن أفضل الناس بعد النبي أبو بكر وعمر.

و من عجائب المقدور ، و غرائب المسطور ، أن يوجد هذا التفضيل و هذا الثناء في مصحف الشيعة المزيف (نهج البلاغة) لأمر أراده الله ، و لتقوم الحجة على الروافض من كلام معبودهم ، و الجدير بالذكر أنني سألت أبا البيض عن هذا الكتاب "نهج البلاغة" ، فأخبرني مشافهة أنه صحيح ، فقلت له بأن جمهور العلماء يطعنون فيه ، فقال : إن روحانية لغته تدل على صدقه !!

ثم تطورت الأحوال ، و تراكمت الأهوال ، بعد مقتل الشهيد المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، و نجمت الفتنة بذرور قرنها عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني المعروف بابن السوداء الذي أظهر الإسلام و اندسّ في المسلمين للكيد و الفرقة ، و بذر بذور الكفر و الإلحاد ، فأظهر أولا التشيع الغالي ، ثم ادعى عصمة علي ، ثم اختلق فرية الوصية ، ثم ادعى في علي الألوهية ، و بلغ ذلك عليا فنفاه إلى المدائن ، و ليته قتله ، و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، و لم يكف المجرم الضليل عن كيده المدروس المبيت ، فلبث يدعو إلى أفكاره الهدامة ، و مزاعمه الكفرية و تبعه فئام من الناس ممن غلبت شقوتهم ، و فسدت فطرتهم ، و انتشر هذا البلاء حتى صارحوا بذلك عليا ، فاستعظم الأمر جدا ، و أمر بإحراقهم أحياءً ، فقالوا له : الآن علمنا أنك ربنا لأنه لا يعذب بالنار إلا ربها ، و أمر علي مولاه قَنْبُر بإشعال النيران ، و قذفهم فيها و أنشد : [رجز]

لما رأيت الأمر أمرا منكرا ** أجّجتُ ناري و دعوت قنبُرا

و أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على علي إحراقهم بالنار أحياءً لنهي النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، و لكن الأمر كان نفذ ، و انتشرت من يومئذ الأفكار السبئية المنحرفة و تبنّاها الروافض ، وتفننوا في الانتصار لها و الدعوة إليها ، و وضع الأحاديث و الآثار في تأييدها ، حتى أصبحت الوصية و العصمة و التقية و البداء و الرَّجعة ، و اعتقاد تحريف القرآن من ضروريات دينهم ، وسكتوا عن دعوى الألوهية و اعتاضوا عنها بالغلو البليغ ، و الإطراء المحرم ، و قد اختلف العلماء في تعريف جامع مانع للشيعة ، فقالوا أقوالا لا تثبت على النقد ، و أحسنها و أجمعها قول أبي محمد ابن حزم رحمه الله كما في الفِصَل : من وافق الشيعة في أن علياً رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً . و هذا كما ترى منطبق على أبي البيض؛ بل زاد غلوا و إفسادا في عقيدته نحوه : فهو عنده يعلم الغيب كله ، و أنه إمام الأولياء والعارفين كلهم ، و أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم اختصه بالمعارف الإلهية ، و عهد إليه سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره ، و أنه باب مدينة العلم اعتمادا على حديث موضوع ألف أبو البيض جزءا في تصحيحه عبثا ، و أنه رضي الله عنه خلق و النبي من نور واحد ، إلى غير ذلك من أمارات الغلو التي تنادي على صاحبها بالتشيع و الرفض ، و يرى القارئ أضعاف هذا في (البرهان الجلي) ، فقد نقل فيه عن غلاة الصوفية المتأخرين ما يوازي فضائح الروافض ، و رحم الله الإمام أبا زرعة الرازي ، فقد نقل عنه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" قوله : « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة » . و لا أدري ما يقول أبو زرعة لو علم أن أبا البيض كان يكفر و يسب و يلعن علنا ستة من الصحابة بأعيانهم و أسمائهم ؛ بل و صرح كما ذكرنا في الفصل السابق بأن أكثر الصحابة كانوا يبغضون عليا و يحسدونه و يعادونه ، فهم لذلك منافقون لحديث (لا يحبك إلا مؤمن ، و لا يبغضك إلا منافق) ، و هذا قول الروافض بنصه و فصه ، إلا نحو أربعة أو ستة الذين سماهم أبو البيض في الفصل السابق ، فهل بعد هذا يساورك الشك أيها القارئ في انغماس أبي البيض في حمأة التشيع و الرفض ، و لن يعدم مطعنا إذا أوردت عليه شهادة النبي صلى الله عليه و آله و سلم لمعاوية بالجنة في حديث أم حرام ، و هو في الصحيح ، و دعاء النبي له ، و شهادة النبي لعمرو بن العاص بالإيمان ، و رضا الله على المؤمنين المبايعين لنبيه تحت الشجرة كما جاء في القرآن ، و منهم المغيرة بن شعبة ، كل هذا لا يساوي شيئا بالنظر إلى عقيدته فيهم ، نعم إذا جاءت الموضوعات الملفقة ، والأكاذيب المختلقة في فضائل علي و آل بيته ، و ذم أعدائهم ، فعلى الرأس و العين ، و ناهيك من رجل أساء الظن بآلاف الرواة من الصحابة و التابعين لأنهم من أهل الشام الذي كان شؤما على الإسلام و المسلمين (في زعمه) ، و قد ائتمروا بأوامر معاوية الطاغية فوضعوا الأحاديث في فضل الشام و أهله ، و قد فضحه الله و عرّاه ، فرجع عن رأيه لإكرام صوفية سورية له و احتفالهم به !! وقد سبقت كلمته في تصحيح "نهج البلاغة" لروحانية أسلوبه ؟! و حثني مرة على اقتناء شرح ابن أبي الحديد الرافضي المعتزلي على النهج ، قال : إنه مصدر جد مهم لمعرفة فضائل آل البيت و مناقب علي و الحسنين ، و لما اشتريت الكتاب و كان يومئذ نادرا بثمن غال ، و عكفت عليه ، وجدت فيه ما أدهشني من مثالب الصحابة و الخوض بالباطل فيما شجر بينهم ، و سب ابن عباس ، و عمر بن عبد العزيز ، إلى نصرة الاعتزال و الدعوة إليه ، فراجعت أبا البيض في هذه المصائب فأجابني بأنه لا يصح إلا كتاب الله ، و قد مر بك إطراؤه كتاب (النصائح الكافية ، لمن يتولى معاوية) و وصيته لذنبه الأجرب أن يبثه في الناس و يدعو إليه بجد ، و أشاد مرة في رسالة إلي بكتاب لابن مطهر الحلي الرافضي المعتزلي الخبيث صاحب (منهاج الكرامة) الذي أقبره شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه ب (منهاج السنة) ، يسمى : (الأَلْفَيْن ، الفارقة بين الشك و المَيْن) ، قال و العهدة عليه : إنه ذكر فيه ألف دليل لإثبات إمامة علي ، و ألف دليل لإبطال مذهب الأشاعرة ، و أشهد لله ثم للتاريخ : إنني ما سمعت أبا البيض و ما رأيت في كتبه ردا صريحا أو حملة علمية على الشيعة و الروافض مع أن كفرهم و إلحادهم فاق إلحاد اليهود و النصارى و المجوس ؛ بل بالعكس إنه روى عن نحو خمسة أو ستة من طواغيتهم ترى تراجمهم و ثناءه عليهم في فهرسته الكبرى ، المسماة (البحر العميق) . نسأل الله العافية ، و أن يقينا شر أنفسنا ، و يطهر قلوبنا من غل المؤمنين من عباده .

و هذا نص مهم جامع مانع لأحد أئمتهم و مجتهديهم الملقب عندهم بالثقة الأوحد ، نعمة الله الجزائري ، أورده في كتابه المعتمد عندهم (الأنوار النعمانية) ، و نصه : إنهم (أي أهل السنة) يقولون : إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه و آله و سلم نبيه ، و خليفته بعده أبو بكر ، ونحن لا نقول بهذا الرب ، و لا بذلك النبي ، بل نقول : إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ، ليس ربنا ، و لا ذلك النبي نبينا ؟!! و هذا نص غني عن التعليق ، نسأل الله العافية .


الفصل الخامس عشر قوله بوصية علي رضي الله عنه بالمفهوم الشيعي ، و تقديمه على إخوانه الخلفاء الراشدين الثلاثة

لم أكن –علم الله- أتوقع من أبي البيض أن يُفضي به الضلال و الغلو إلى الاعتقاد بالوصية بالمفهوم الشيعي ، إلى أن وقفت على تصريحه بها في مواضع من "جؤنته" و غيرها ، و وَصْفِ علي رضي الله عنه بناءً عليها بالوصي ، لأنها من خصائص مذهب الشيعة الروافض التي بنوا عليها القول بالإمامة ، و أنها الركن الأول في الإسلام بعد كلمة الإخلاص ، و أبو البيض يغض الطرف عمداً عما يترتب على القول بالوصية من رمي الخلفاء الراشدين الثلاثة بالغصب و التعدي و الظلم ، و من ورائهم سائر الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا الثلاثة و أجمعوا على خلافتهم ، و قد قال سفيان الثوري رحمه الله كلمته العجيبة في الموضوع ، و قد أشرت إليها قبل ، و هي : من قدم عليا على إخوته الخلفاء فقد أزرى بالمهاجرين و الأنصار ، و أي زراية أسوأ من اتهام أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالعدوان و الظلم .

و القول بالوصية هو منطلق الروافض قديما و حديثا لسب الشيخين و سائر الصحابة لاغتصابهم الخلافة من علي ، و إظهار البراءة منهم و تكفيرهم ، و اعتقاد أن عليا سيرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة هو و آل بيته للانتقام من أبي بكر و عمر و سائر الصحابة في تمثيلية مزرية بالعقول ، و ليس الشأن في اعتقادهم هذا فقد اعتقدوا ما هو أفحش و أعرق في الضلال و الخبال من أمر مهديِّهم القائم !! و دخوله السرداب منذ ألف و مائتي عام تقريبا ، و مناداتهم له بالخروج وهتافهم بالدعاء له بكرة و عشيا بالفرج ! و إنما الشأن في أمر أبي البيض و إخوته في اعتقادهم الوصية و هم يعلمون تاريخها ، و يعلمون أن عليا رضي الله عنه بايع الخلفاء قبله ، و أعلن أن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر و عمر ، و قد ذكر مؤرخو الملل و النحل أن أول من أتى بفكرة الوصية هو عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني المكنى بابن السوداء ، و إليك نصين مهمين في الموضوع من عالمين جليلين في علم الفِرَق ، لا يحوم حولهما الشك : قال الشهرستاني في "الملل و النحل" : السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ؛ الذي قال لعلي كرم الله وجهه: أنت أنت يعني: أنت الإله؛ فنفاه إلى المدائن. زعموا: أنه كان يهودياً فأسلم؛ وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى عليهما السلام مثل ما قال في علي رضي الله عنه . وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه. ومنه انشعبت أصناف الغلاة .

و قال عبد القاهر البغدادي عن ابن سبأ في كتابه "الفَرْق بين الفِرَق" : كان ابن السوداء في الأصل يهوديا من أهل الحيرة ، فأظهر الإسلام ، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم أنه وجد في التوراة : إن لكل نبي وصيا ، و إن عليا وصي محمد ، و إنه خير الأوصياء كما أن محمدا خير الأنبياء .

قلت : و نصوص مؤرخي الفِرَق و النِحَل حول ابن سبأ و فرقته (السبئية) و ما تفرق عنها من فِرَق و أفكار ، كثيرة جدا حتى من كتب الروافض ، و قد جمع الأخ الشيخ سلمان العودة جزءًا جد مفيد في الموضوع و هو مطبوع ، و كان ردا غير مباشر على مرتضى العسكري من غلاة الروافض المعاصرين الذي أنكر الوجود التاريخي لابن سبأ و جماعة معه ، في كتاب مطبوع ، و قبله أنكر بعضهم وجود الوزير ابن العلقمي الرافضي الذي تسبب مع النصير الطوسي في أفجع كارثة حلت بالمسلمين السنة ببغداد على يد المغول المتوحشين في القرن السابع ، و قد تجددت المأساة اليوم على يد روافض إيران و العراق معززين بالصليبية العالمية متمثلة في أمريكا و حلفائها و الأكراد ، في مؤامرة مكشوفة لاستئصال الوجود العربي السني من العراق عموماً ، و بغداد و ما حولها خصوصاً ، و منذ أربع سنوات و المجازر ترتكب ليلا و نهارا ، و المساجد تحرق و تدمّر ، و العلماء و الأئمة يقتلون علنا نهارا ، و العامة يُهجَّرون ليحل محلّهم الروافض المستقدمون من إيران ، و العرب السنة لا ناصر لهم إلاّ الله (ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز) .

الفصل السادس عشر قوله باستحباب اتخاذ القبور مساجد ، و غُلُوُّه في ذلك حتى زعم أن الصلاة في الزاوية المقبورة أفضل من غيرها


هذه موبقة ظاهرة من تواتر لعن فاعلها ، و وَصْفِه بالتشبه باليهود و النصارى في ذلك ، وأنه من شرار الخلق ، و قد وفقني الله تعالى ، و له الحمد و المنة منذ سنوات إلى جمع واحد و أربعين حديثا في النهي عن البناء على القبور ، و اتخاذها مساجد ، و بطلان الصلاة فيها ، و آثار أربعة عن الصحابة رضي الله عنهم مع مقدمة و خاتمة واعيين في الرد على أبي البيض و شقيقه عبد الله لجرأتهما على الله و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم ، و محاولتهما رد هذه الأحاديث المتواترة تواترا معنويا بمحض الهوى و الجهل ، و ليتهما سكتا و كعا عن العبث و التلاعب بالشرع و الدين في سبيل نصرة الزاوية ، و بيع القبور فيها ، و لكنهما أبيا إلا الإلحاد و الجحود ، فألف الأول "أبو البيض" منذ عقود من السنين جزءًا طُبع بمصر بعنوان : "إحياء المقبور ، بأدلة استحباب بناء المساجد و القباب على القبور" ، فلم يكتف بالجواز ؛ بل حكم باستحباب وسائل الوثنية و عبادة غير الله ، و قد ذكر في أثناء الكتاب ما يدل على أنه لم يكن يعرف توحيد العبادة و التوجه و القصد و الدعاء ، كسائر أهل بيته الذين يكتفون بتوحيد الربوبية ، و به يفسرون كلمة الإخلاص ، و لا يرون بأسا من دعاء الأموات ، و التمسح بالأضرحة ، و الذبح لها ، و مناداة أهلها و الاستغاثة بهم في الشدائد و الأهوال، و أن هذا كله لا ينافي التوحيد ما دام صاحبه يعتقد أن الله تعالى واحد و أنه الخالق الرازق المدبر ، و هذا توحيد سلفهم المشركين كما قصه الله عنهم في غير ما آية من كتابه العزيز ، و لم يستح أبو البيض أن يعد من كرامات جده أحمد بن عبد المؤمن كما في كتابه (المؤذن) أنه أمر مَريداً فاسياً استدعاه للدخول في طريقته فأجاب بشروط منها : أن يُغيثه إذا نزلت به شدة ، فوعده الشيخ بذلك طمعا في جيبه ، و أمره إذا حلت به نائبة أن يتوجه نحو قرية (تجكان) بقبيلة بني منصور، ويناديه : (أسيدي أحمد ، أسبع الأصفر ، أمول اللحية الطويلة : غيثني) ، أو نحو ذلك ، و ليراجع الكتاب ففيه من مصائب القوم أكثر من هذا ، و قد ذكر أبو البيض في أول رسالته "إحياء المقبور" أن حديث أبي الهياج الأسدي أنه قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه خليلي صلى الله عليه و آله و سلم ، اذهب فلا تدع تمثالاً إلا طمسته ، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته ، رواه مسلم في الجنائز ، قال عن هذا الحديث الصحيح : إنه متروك الظاهر و مؤول ، وأخذ في تأويله و محاولة طمس معالمه بما حسبه دلائل ، و هي في الواقع لا ترقى إلى الشبه ، ونظرة واحدة من مؤمن منصف كافية بإقناعه بأن الحق واحد لا يتعدد ، و أن ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لا يمكن دفعه إلا بالإلحاد و الجحود ، و لما كان أبو البيض يحاول دائما أن يأتي بجديد ، و أن لا يقتصر على المعروف عند الناس ، فقد أوحى إليه الشيطان أن يأتي بفاقرة حالقة للدين و الإيمان الحق ، و هي زعمه أن الصلاة بالمساجد الخالية من القبور ليست كالصلاة في الزوايا و المقابر لفقدانها التأسي بالمسجد النبوي في الصورة ، و هو يعلم –عامله الله بما يستحق- أن إدخال القبر المقدس لمسجد ، كان لسبب سياسي ، و على يد بني أمية الذين يتقرب إلى الله تعالى ببغضهم ولعنهم ، و لكنهم لما وافقوا هواه ، أقر فعلهم و جعله قربة و عبادة يُقتدى بها ، فانظر كيف يفعل الهوى و الضلال بأهله ، عياذا بالله ، و قد رأيته يختار في رسالة إلى أبي الفتوح مذهب الإمام مالك رحمه الله في تأويل النهي عن الجلوس على القبور ، بأنه الجلوس للتغوط لا غير ، و لا أدري ما يفعل بحديث الوَطْء (لأن يطأ الرجل على جمرة ..) و الوطء يكون بالأقدام ، فهل جعل الأقدام تتغوط كالأدبار !! .

و كنت سألته مباشرة عن تناقضه في رسالته "الاستنفار للتشبه بالكفار" حيث عقد باباً في تحريم اتخاذ المساجد على القبور لعلة التشبه بالكفار ، فتردد و اضطرب ، و أشار إلى أن المدار على القصد والنية ، فكان عذرا أقبح من الزلة كما يقال ، و لعل ظهور البطلان فيما ذهب إليه هو الذي حذا بأبي الفتوح إلى مخالفته في هذه المسألة ، و ليته نهج هذا المنهج السليم في سائر موبقاته ، و فيها ما هو أبشع و أفظع ، و لكنها الزاوية و الطريقة و الحفاظ على طقوسها الوثنية ، و صدق الله العظيم : (إنك لا تهدي من أحببت ، و لكن الله يهدي من يشاء) .


الفصل السابع عشر استحبابه الرقص اليهودي أثناء ما يسمونه : الذكر و الحضرة و العمارة ، و التي تنشد أثناءها أشعار الاتحاد و الحلول و الوحدة على نغمات المزامير و نقر الطبول ، وبأصوات المُردان ، و استحبابه لسجود المريدين له ، لتقبيل قدميه ، و هي فاقرة موروثة عن مشايخ الطرق ، مع حمل السبحة الوثنية في الأعناق


استحباب أبي البيض للرقص المسمى بالمغرب (العمارة) ، و هو عام في الطرق الصوفية بالمغرب و غيره إلا الطريقة الناصرية ، فإني لا أعرفهم يرقصون ، و أبلغهم في باب الرقص ، و هم أهل طريقة (دَرْقاوة) أتباع العربي الدرقاوي ، و هم شعب و طرائق ، و قد اتفقت كلمة المؤرخين المحققين أن هذا الرقص من طقوس اليهودية إلى الآن ، فقد ألف دكتور عراقي كتابا كبيراً في اليهود (الحَسِديمْ) و ذكر من أعمالهم الدينية الرقص و السماع ، و أتى بنصوص من التوراة و غيرها على ذلك ، و الطريف أنه نشر صورا لأحبار اليهود (الحَسِديمْ) و هم يرقصون متحلقين بلحاهم وظفائرهم آخذين بيد بعضهم ، و فيهم من يغني لهم بأشعارهم ، و هذا يؤكد ما ذهب إليه الإمام القرطبي في تفسير سورة طه من كتابه "الجامع لأحكام القرآن" في قصة السامري ، و أنه اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله تعبداً و شكراً ، و نقل هناك تصريحا لأبي بكر الطرطوشي أن الرقص من دين اليهود ، و قد ألف كثير من العلماء رسائل في الرد على الصوفية الرقصة ، و أن الرقص غريب عن الإسلام ، و بالتالي فإنه حرام لا يجوز بحال لأنه تشبه باليهود فيما هو خاص بدينهم ، منهم صاحب "الرهص و الوقص لمستحل الرقص" لبرهان الدين الحلبي ، و محمد المنبجي في رسالته ، و هما مطبوعان .

و كذلك السبحة ثبت في البحث التاريخي أن أصلها وثني ، و ما زالت إلى الآن من شعار البوذيين و البراهمة و النصارى ، و نحن نراهم متقلدينها و في أيديهم في الفضائيات ، و قد أجاد العلامة المحقق بكر عبد الله أبو زيد القضاعي في رسالته الماتعة (السُّبحة) فذكر تاريخها و إشكالها وكيف دخلت على المسلمين ، و غلا فيها الصوفية المتأخرون حتى جعلوها شعار الذكر ، و ألف فتح الله بناني الرباطي (شيخ أبي البيض) كتابا فيها سماه "تحفة أهل الفتوحات و الأذواق ، في اتخاذ السبحة و جعلها في الأعناق" أتى فيه من أنواع الخرافات و الدجل ، ما يشي بأن الرجل يكيد للإسلام ، ويحارب السنة ، و قد شاهدت مراراً أبا البيض يرقص في زاويتهم بطنجة على نغمات المزامير ، وأناشيد المسمعين ، و هي كلها تدور على أشعار عمر بن الفارض و أبي الحسن الششتَري و محمد الحراق و نحوهم ، و هي السمّ الزّعاف لحمتها و سداها : وحدة الوجود ، و الاتحاد ، و الحلول ، والدعوة إلى ذلك ، كما شاهدت مثل ذلك في زاوية الحراق بتطوان ، و بين الفينة و الأخرى يتهافت أحدهم على رجلي الشيخ يقبلها و يُمَرِّغ خديْه عليهما ، و قد يمكث ساجداً عليهما مدة ؛ بل رأيت بعضهم يُقبل مجلس الشيخ و يبكي بحُرقة في غيبته ، و من الجدير بالذكر أن إمام العارفين الكبريت الأحمر ، و الشيخ الأكبر ، قدوة أبي البيض و إخوته و قبيله : محمد بن علي ابن العربي الحاتمي المرسي، ذكر في كتابه "رسالة القدس" و هي مطبوعة بدمشق قديما قصة مُفادها باختصار : أنه حضر حفلاً للصوفية في دار أحدهم بإشبيلية بالأندلس ، و كان جالسا بجنبه رجل أعمى من الأولياء عنده ، و أن الفقراء جلسوا في حلقة يذكرون و يتناشدون الأشعار ، فقال له الأعمى : ها الشيطان الساعة دخل من الباب في صورة عنز ، و أنه أخذ يدنو من الفقراء و يشمهم و ينتقل ، و يصف الولي الأعمى الفقير و شكله و لباسه ، و ابن العربي يعجب من قوله لصدقه ، إلى أن وصل إلى فقير وصفه الأعمى ، و أطال الشيطان الوقوف عنده و شمّه ، ثم قال : ها هو نطحه ، فبمجرد ما قال ذلك ، صاح الفقير و تواجد و قام يرقص . و قد أشار إلى ذلك أبو العباس أحمد زروق في كتابه "عُدة المريد الصادق" و هو مطبوع ، و كنت أحتج على الصوفية بهذه القصة ، و ردّ الشيخ زروق لبدعة الرقص ، و هما من أقطاب الصوفية و كبارهم ، فلم أجد عندهم ما يردون إلا قولهم : (إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) . و سمعت صوفيا يروي بسنده إلى الشيخ محمد الحراق أنه سُئل عن الرقص ، و كان شديد الولع به ، فقال : هذا شيء أوصانا عليه أشياخنا ، لا نتركه و لو طارت عليه أمخاخنا . و قد سبق النقل عن الشيخ الزمزمي في كتابه (الزاوية) روايته عن شقيقه أبي البيض أنه رقص وتواجد بالزاوية حتى خلع جلابته (و هي لا تساوي بصلة على حد تعبير الشيخ محمد الزمزمي) ، فبيعت بالدلالة بخمسمائة ريال فضي ، اشترى بها أبو البيض دُويرتين .


و هذا البلاء قديم ، فقد رأيت الضياء المقدسي صاحب (الأحاديث المختارة) و هو من أهل القرن السادس و السابع عقد في رسالته النافعة "اتباع السنن و اجتناب البدع" و هي مطبوعة باباً لما يكره من الرقص و نحوه ، أورد فيه آثاراً و أخباراً منها ما هو مشهور كقول الشافعي رحمه الله : (تركت بالعراق شيئا يسمونه : التغبير ، وضعته الزنادقة ، يشغلون به الناس عن القرآن) . و التغبير تهليل و ترجيع صوت ، و هو : السماع . و قد سئل الإمام أحمد عنه و قيل له : إنه يرق عليه القلب؟ فقال : هو بدعة . و روى الضياء عن أبي الحارث الأولاسي أنه قال : رأيت إبليس في النوم بأولاس ، و هو جالس ، و عن يمينه جماعة ، فقال إبليس لطائفة منهم : قولوا شيئا –و كانوا على شيء من السماع- فأخذوا في القول ، قال أبو الحارث : فاستغرقتني الغيبة حتى لعلي كدت أطوّح نفسي من السطح ، ثم اِلتفت إلى طائفة أخرى فقال لهم : ارقصوا فرأيتهم يرقصون و يشيرون في الرقص إلي إشارات حسنة و يزعقون و يصيحون حتى تحيرت ، ثم قال لي إبليس : يا أبا الحارث ، أليس هذا حسنا ؟ قلت : بلى ، قال : ما أصبت شيئا أدخل عليكم به ليكون لي عليكم سلطان إلا هذا ، فخرجتْ شهوة السماع من قلبي ، فما سمعت بعدها ، ثم أورد الضياء رحمه الله أشعارا في ذم الصوفية و رقصهم ، و منها قصيدتان رأيت إثباتهما لما فيهما من صادق الوصف حتى كأنه يصف صوفية العصر ، و هما للرجل الصالح أبي العباس أحمد ابن الجاجة رحمه الله قال في الأولى ، و هي بائية من البسيط :

يا سائلي عن طريق الفضل و الأدب ** عن معشر فعلهم أدى إلى العطب قوم إلى راحة استأنسوا و نأوا ** عن التكسب بين الناس و التعب قالوا بلا سبب : الله رازقنا ** و الله رازفنا بالسعي و السبب أليس مريم رب العرش قال لها : ** هُزي إليك بجذع يانع الرطب و لو يشاء أتاها رزقها رغداً ** من غير ما تعب منها و لا نصب و كان رزق رسول الله جاعله ** رب البرية تحت القعص و القُضُب و باكروا اللهو و اللذات ، و اتخذوا ** لهو الحديث لهم دينا مع الطرب إذا ما أتوا منزلا قالوا لصاحبه : ** قَبِّلْ يد الشيخ ذي الإكرام و الأدب هذا له نظرٌ ، هذا له هممٌ ** له الكرامات بين العجم و العرب يمشي على الماء يطوي الأرض قاطبة ** و فاتح كل باب مغلق أَشِبِ اطلب رضا الشيخ و انظر أين مذهبه ** و ليس مذهبه إلا إلى الذهب هذا و قد جاء بالمعلوم فابتدروا ** مُحسِّرين عن الأيدي على الركب كل امرئ منهم في الأكل معضلة ** و مرجف الأرض يوم الروع بالهرب إذا تغنى مغنيهمْ سمعت لهمْ ** صراخ قوم رُموا بالويل و الحَرَبِ ما زال ليلهمُ رقصاً فإن تعبوا ** تطارحوا في زوايا البيت كالخُشُبِ ضرب القضيب مدى الأيام شغلهم ** و الرقص دأبهم و الضرب في القرب قالوا : لنا مذهب ، و هْو الحقيقة لا ** نقول بالشرع ثم الدرس في الكتب و لا نريد من الرحمن جنته ** و لا نخاف لظى جاءت على غضب فهل بهذا كتاب الله أخبرنا ؟ ** و جاءت الرسل بالترغيب و الرهب ؟ زاروا النساء و واخَوْهُنّ هل عُصِموا ** منهن أم أمنوا من طارق النُّوَبِ نسوا قضية هاروت و صاحبه ** ماروت إذ شربا كأسا من العطب و همّ يوسف لولا أن رأى عجبا ** بُرهان خالقه فاعجب من العجب و نظرة تركت داود ذا حُرقٍ ** على خطيئته باكٍ أخا كُرَبِ أبْرا إلى الله من قوم فعالهمُ ** هذا و عن ذمهم –ما عشتُ-لم أَتُبِ


و له أيضا رحمه الله :

يا سالكي سبل العدوان و التُّهَمِ ** و تابعي نِعم الرحمن بالنِّقَمِ و تاركي سبل المعروف عافية ** و آخذي طرق الخذلان و الندم ألبستمُ الدين عاراً من فعالكمُ ** ما ليس يحسن من عُرْب و من عجم سميتم الدين من لهو و من لعب ** ديناً و قُرْبى إلى الرحمن ذي الكَرَمِ يا مشبهي حُمُر الصحراء رامحة ** لما تملت من الخضراء و الدِّيَمِ هل كان فيما مضى من فعل سيدكم **ضرب القضيب و رفس الأرض بالقدم كلا و من نظر الأشياء مقتدرا ** إلا الصيام و حجّ البيت ذي الحرم ثم الصلاة و إيتاء الزكاة معا ** ثم القيام لرب العرش في الظُّلَمِ ثم الجهاد و تعليم الفروض و ما ** يحتاجه الناس من فعل و من كلم أجعلتمُ قصة الحُبْشان حُجتكمْ ** و لم تَعُوجوا على الأحكام و الحِكَمِ هلا اعتبرتم بما سَمتْه أمكمُ ** إن كنتم من بنيها يا أولي التهم و لم يكنْ فعلهم شبْهاً لفِعْلِكُمُ ** لكنكم زدتمُ بالأكل و البشم جعلتموه لأكل الخبز مصيدة ** و للفساد مع الأشرار و الخدم جعلتمُ الشيخ هاديكمْ فقادكمُ ** إلى الضلال و كنتمْ من أولي البكم



الفصل الثامن عشر احتجاجه بالأحاديث الموضوعة و الواهية مع معرفته بها ، و قد استكثر من ذلك في كثير من مؤلفاته


ذلك أن الرجل –أبا البيض- يغلبه هواه ، فيذكر ما تيسر عنده لدعم رأيه أو بدعته ، بقطع النظر عن رواية الحديث و درجته ، و لا يكلف نفسه بحثا و لا مراجعة ، و ربما تناقض في ذلك فيوهن ما يحسنه أو يضعفه ، و يوقعه في هذا حب الاستكثار ، و اغتنام الوقت في التأليف و لو على حساب الحق .

و أمر آخر و هو أن أبا البيض ، أصَّل أصلا عجيبا انفرد به بين العلماء ، و قد شافهني به حينما سألته عن إيراده الأحاديث الموضوعة في كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية" فقال لي : هذه الأحاديث لا تحتاج إلى أسانيد و لا نقد ، لأنها مطابقة للواقع ، و الواقع يشهد لها ، و تابعه على هذا الصنيع شقيقه عبد العزيز في "الأربعون العزيزية " ، و عهْدي بالشيخ أبي البيض يستنكر صنيع المحدثين القدامى في روايتهم الأحاديث و الآثار ، أو إيرادهم إياها في مصنفاتهم بالأسانيد ، وسكوتهم عليها، و قالوا في الاعتذار عنهم : (من أسند لك فقد أحالك) ، و هذا غير مسلم ، و إن جرى به عملهم ، لأن الأمر يتعلق بصميم الدين و العقيدة ، و هو النقل عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الحكاية عنه ، و قد قال صلى الله عليه و آله و سلم : "إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد ، ومن كذب عليَّ فليلج النار " ، و في رواية مسلم : "فليتبوأ مقعده من النار " ، و قد تواتر هذا اللفظ : "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" .

و الحديث الفصل في هذا الباب الذي سدّ الأبواب و المنافذ ؛ إلا على من لا يخشى الله تعالى ، هو قوله عليه الصلاة و السلام : "من حدث عني بحديث يَـُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم ، لا سيما على رواية (يُرى) بالبناء للمجهول ، و من شأن هذا أن يقلق راحة المؤمن ، و يقض مضجعه فلا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلا بما يتيقن أنه صحيح ، و لكن الأمر –مع الأسف الشديد- بخلاف ذلك فلا تكاد تجد من يتحرى في التحديث إلا الفرد بعد الفرد ، و قد كانوا يتهيبون الحكم على الحديث بالضعف ، أفلا يتهيبون الحديث عنه عليه الصلاة و السلام بما يجدون !؟ ثم إن آفة أبي البيض أنه كان يعتمد على ذاكرته و محفوظه ، فيذكر ما يجد ، فيقع في أخطاء في العزو و الألفاظ ، و كان يعيب ذلك على شيخ الإسلام ابن تيمية ، و لكن الفرق بين الرجلين أن ابن تيمية أحفظ بمراحل ، و هو يتحرى فلا يحتج بحديث واه أو موضوع و يسكت عنه و هو يعلم ، بخلاف أبي البيض فحسبه نصرة هواه ، و قد ذكر الأخ مصطفى باحّو السفياني في "تنبيه القاري" أكثر من ثلاثين حديثا احتج بها أبو البيض و هي موضوعة لا تخفى عليه ، فوقع تحت طائلة الحديث الصحيح السابق "من حدث عني بحديث يـُرى أنه كذب ، فهو أحد الكاذبين" ، نعوذ بالله تعالى من هول البلاء ، و نسأله الصون والحفظ .

و هذه أحاديث احتج بها أبو البيض لم يذكرها السفياني ، و لم أستقص ، و فيها ما حاول أبو البيض تصحيحه عبثا :

1- حديث خلقت أنا و علي من نور واحد ، أورده في "البرهان الجلي" و سلّمه بالسكوت ، و إن أشار إلى أن الخطيب أخرجه بسند من طريق أهل البيت بلفظ : من طينة واحدة ، و هو موضوع.

2- حديث : أنا مدينة العلم و علي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب . و قد ألف أبو البيض جزءاً في تصحيحه طبع بمصر أيام شبابه و اتصاله بالزيدية ، و قد أصّل فيه أصولا لا تعرف عند المحدثين منها تعديل المجروحين ، و التحمس للرواية عن الشيعة ، و قد جرأه على ذلك شيخه ابن عقيل الرافضي صاحب "العتب الجميل على أهل الجرح و التعديل" ، و منهج أبي البيض تصحيح الحديث بكثرة الطرق ، و إن كانت كلها مدخولة ، و كثرتها و الحالة هذه لا تزيد الحديث إلا وهنا ، وليراجع كلام العلامة الناقد بحق عبد الرحمن المُعَلِّمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" للشوكاني حول هذا الحديث لمعرفة رتبته ، و أنه موضوع .

3- حديث : من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد ، ألف أبو البيض جزءا في تصحيحه أيضا ردا على ابن تيمية و ابن القيم سماه "درء الضعف" ، و قد طبع بتحقيق إياد الغوج بدمشق ، و قد ناقشه المحقق بحق ، و إن صبغ منهجه بصبغة كوثرية قد لا تحمد أحيانا ، و انتهى إلى ضعف الحديث ، وقال البقاعي بأنه صح موقوفا ، و أبو البيض يشيد بمؤلفه هذا و يتباهى به و يحض على قراءته ! 4- حديث الطير ، و فيه : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكله معي ، فجاء علي . و قد صححه أبو البيض و أشاد به ، و العمدة في التصحيح عنده كثرة الطرق بغض النظر عن سلامتها و كثرة الاضطراب .

5- حديث رد الشمس لعلي ، و هو كسابقه أفردت طرقه بالتأليف ، و كلها معلة بعلل قادحة ، وكلام ابن تيمية فيه في "منهاج السنة النبوية" قاطع للنزاع لأصالته رغم أنف أبي البيض .

6- حديث : المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد . احتج به أبو البيض في أول كتابه "المثنوني و البتار" ، و هو واه ، و حتى بلفظ : .. له أجر شهيد ، ضعيف أيضا .

7- حديث : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون . أمر أبو البيض بكتابته مع آيات و أحاديث في لوحات بخطوط مشرقية مزخرفة ، و أثبتت فوق المنبر ، و قد خرق تلك الألواح الشيخ الزمزمي بعد أن احتج به على مشروعية الرقص الصوفي في رسالته "الانتصار لطريق الصوفية الأخيار " ثم تاب إلى الله تعالى ، و الحديث ضعيف ، آفته : دراج أبو السمح كثير المناكير .

8- حديث من سب عليا فقد سبني ، و من سبني فقد سب الله ، و من سب الله كفر . و هذا منكر . 9- ذكر في الجؤنة : قال ابن الفراء : أنبأنا المبارك –يعني : ابن عبد الجبار الصيرفي- ، عن الحسن بن علي التميمي ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثتني خديجة أم محمد و كانت تجيء إلى أبي و تسمع منه و يحدثها قالت : حدثنا إسحاق الأزرق ، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله قال : كنا نجلس إلى أم الدرداء و نذكر الله عندها فقالوا : لعلنا أمللناك ، قالت: تزعمون أنكم أمللتموني فقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئا أشفى لصدري ،ـ و لا أحرى أن أصيب به الذي أريد من مجالس الذكر . قال أبو البيض : و في هذا الأثر دليل على اجتماع الرجال بالنساء في مجالس الذكر كما يفعله بعض الصوفية إذا أمتن الفتنة ، و أن بمجالس الذكر تنشرح الصدور و تقضى الحوائج ، و أن السلف الصالح و خير القرون و عصر الصحابة والتابعين كانوا يعقدون مجالس الذكر حتى مع النساء . قلت : انظر كيف بنى على أثر ضعيف حكماً عاماً و ألصقه بالسلف الصالح ، اللهم هذا بهتان عظيم .

10- ذكر في الجؤنة أيضا : قال الزبير بن بكار : حدثنا محمد بن الحسن ، عن عبد الله بن عمر بن محمد بن هيضم المزني عن أبيه عن جده أبي هيضم و كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أشرف على طرف وسط البقيع فصلى فيه . قال أبو البيض : و هذا دليل على أن النهي عن الصلاة في المقبرة معلل بخوف قصد الصلاة إليهم و إشراكهم في العبادة كما عليه القوم قبل الإسلام ، و النبي صلى الله عليه و آله و سلم بريء من ذلك ، فلذلك صلى هو في وسط المقبرة ، ولو كان النهي لذات المقبور لا للعلة المذكورة لما صلى النبي صلى الله تعالى عليه و آله و سلم فيها .

قلت : إذا ثبت العرش انتقش ، الحديث موضوع فلا داعي للاستنباط و التعليل ، فيه محمد ابن الحسن هو ابن زبالة المخزومي ، قال يحيى بن معين : كذاب خبيث ، ليس بثقة و لا مأمون ، وهاه أبو زرعة و أبو حاتم ، و زاد ذاهب الحديث ضعيف ، و قال الدارقطني : متروك . و هو يعلم هذا و مع ذلك احتج به ، بدليل ما قاله في حصول التفريج : و أخرج أبو نعيم في مستخرجه لمحمد بن الحسن بن زبالة المخزومي و قد كذبه أبو داود .. فنسأل الله عز و جل أن يعصمنا من داء الهوى ، و يجنبنا مهاوي الردى .

و المقصود أن أمر أبي البيض في هذا الشأن غريب ، فهو إن اختار حديثا لموافقته هواه صححه ، و بذل جهده في ذلك ، و ربما ألف جزءاً فيه ، و إن كان حديثا يخالف هواه رده و حكم بوضعه و إن كان في الصحيح بل متواتراً ، كما فعل في أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد ، فسبحان من أعمى بصيرته حتى ارتكس في هذه البلايا التي لا يسلم معها إيمان المرء ، و هذا أكبر مؤلفاته في باب نقد الحديث المسمى "المداوي ، لعلل السيوطي في جامعه و شرحيه للمناوي" و قد طبع بعد وفاته بمصر في ستة مجلدات كبيرة ، من وقف عليه تيقن أنه إنما ألفه لسب المناوي و شتمه وتجهيله بحق و بدون حق ، و قد أشار شقيق أبي البيض : عبد الله في أوله إلى أنه تصرف فيه بحذف ما بالغ فيه المؤلف من السب ، و مع هذا فقد كتب على أول ورقة الجزء الأول الكلمة العوراء لعبد الله هذا في كتاب شقيقه و هي : من أراد معرفة صناعة الحديث فعليه بالمداوي .

و الملاحظ أن هؤلاء الغماريين : أحمد ، و عبد الله ، و عبد العزيز ، و عبد الحي ، معجبون بعلمهم ، و معندون بأنفسهم و لا سيما إمامهم أبو البيض ، فإنه كان يحث تلاميذه على قراءة كتبه و لا سيما "فتح الملك العلي" و يقول بأن الله من عليه بمنقبة ، و هي أنه يُفتح على من تلمذ على كتبه ، و يسمي شقيقه عبد العزيز الذي تخرج على "فتح الملك العلي" و الشيخ المنتصر الكتاني بأنه ما عرف الحديث إلا من طريق كتبه ، و يُهيب بذنبه الأبتر عبد الله الكرفطي أن يعكف على "فتح الملك العلي" ، و "درء الضعف" ، فإنهما كفيلان بتخريجه محدثا بطنجة ، و الناس يعرفون مرتبة هؤلاء في الحديث ، و في المكاتب جزء ألفه الألباني في انتقاد صنيع المنتصر الكتاني فيما اختاره من أحاديث لطلبة الجامعة السورية ، و قد أبان به جهل الشيخ المنتصر بالحديث الذي أخذ علمه عن أبي البيض.

و المداوي وقفت عليه مخطوطا في حياة مؤلفه ، و انتقدت عليه سكوته المتكرر عن عشرات الأحاديث ، و لعلها مآت ينتقدها على المناوي من حيث العزو و الخطأ فيه و نحو هذا ، أما مرتبة الحديث التي هي المقصودة من التخريج و النقد ، للعمل و التعبد ، فلا يعيرها الشيخ أبو البيض اهتماماً ، و كفى بهذا جهلا و ضلالا ، و لا يتسع الوقت لتتبع أخطاء كتابه "المداوي" ، و هو واسع المجال ، كثير الأوهام التي وقفت على بعضها بمجرد التصفح على قلة البضاعة ، و عدم الدُّربة ، وانعدام المساعد ، و عسى الله أن يقيض لهذا الكتاب من يتقن نقده ، و يبطل آيته التي طالما سمعنا نقيق الغماريين بها ، و الله يعلم المفسد من المصلح ، و من الجدير بالذكر أن شيخنا الألباني اطلع على بعض أجزاء المداوي و هو مريض مرض موته ، و انتقد عليه كثيرا كما في أجزائه الأربعة الأخيرة من موسوعته الرائدة سلسلة الأحاديث الضعيفة .

الفصل التاسع عشر قوله بالبدعة الحسنة في الدّين ، و نصرته لكثير من البدع أخذا بهذا المبدأ و إنكاره للقياس مطلقا


هذا الفصل يتضمن بائقتين :

  • قول أبي البيض بالبدعة الحسنة في الدين أي في العقيدة والعبادات ، و نصرته بالتالي لكثير منها .
  • و البائقة الثانية : إنكاره للقياس .

أما انتصاره للقول بالبدعة الحسنة فلا يحتاج إلى استدلال ، لأنه زاول ذلك عمره كله علنا ، و هذه الزاوية و الطريقة الصوفية و اعتباره إياها من الدين ، و أنها مقام الإحسان !؟ بل و نقل في "البرهان الجلي" عن جده لأمه أحمد ابن عجيبة أن جبريل عليه السلام نزل أولاً على النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالشريعة، ثم نزل مرة ثانية عليه –عليه الصلاة و السلام- بالحقيقة ، و هكذا يكذبون على الله تعالى وملائكته و رسله دون خوف و لا وجل ، و هذا القول ذكره ابن عجيبة في أوائل شرحه للحِكم كما سبق ، و قد تبنى أبو البيض كأبيه وجده و سائر الطرق الصوفية الشاذلية بالمغرب و غيره جميع بدع الطرق من : الذكر جهراً بالشوارع و الأسواق ، و الذكر بالإسم المفرد بعد الصلاة ، و لا سيما ما يُسمى ب "الحُلل" ، و هو ذكره بتمديد و تمطيط بليغ مع الألحان ، و تنتهي للقيام للرقص ، و التسول والتكفف الفاضح لحساب الشيخ و الزاوية ، مع الذكر جهراً في الأسواق ، و ما يسمى "السياحة" ، و هو خروجهم وحدهم أو مع مشايخهم إلى القبائل و القرى حيث يوجد المَريدون لسلبهم أموالهم ، و لا سيما قبل عيد الأضحى ، فيرجع الشيخ بقطيع من الماشية ، و استعمال السُّبح و التفنن في أشكالها و حملها في الأعناق ، و فيها من السخف و الشهرة ما يستعاذ بالله منه ، و يلاحظ أن الغماريين لا يحملون السُّبح لا في أيديهم و لا في أعناقهم ، و إنما يأمرون بها مَريدهم ، و لعل في ذلك دسيسة ، كالذكر جهراً في الأسواق ، فإني لا أعرف أحدا منهم يفعل .

و من الطرائف أن درقاويا كان بتطوان يصيح في الشوارع بالذكر و يمزجه بالشرك بذكر مولاي عبد السلام (مولى التشتة و المقامْ ، و النسخة و عرفة كل عام) ، و ينهي ذكره بقوله : يا قوي يا معين الخ حتى لقب به ، و لا حظنا عجباً و هو أنه إذا خرج من دكانه "بالخرازين" و شرع في الذكر اجتمع عليه الكلاب ينبحون مساوقة مع ذكره ، و ربما جاءه الأطفال و أخذوا بعصاه الغليظة فلقنهم الذكر بالاسم المفرد و الرقص ، و سألني مرة و أنا بالخرازين عن هذه الظاهرة ، و هي نباح الكلاب مع الذكر ، فأجبته بأن هذا الذكر بالجهر في الشوارع بدعة لا تجوز ، و الملائكة لا تحضر مع الكلاب ، فرد عليَّ بأنه سأل صهري الفقيه التجكاني –و هو درقاوي جلْد و ابن عمة أبي البيض- فأجابه بأن تلك الكلاب فقراء يذكرون الله معك ؟! و شكى إليه مرة إسكات البوليس له في الأحياء الجديدة و لا سيما في أبواب الإدارات ، و تهديدهم له ، فحثه على الذكر هناك و عدم المبالاة بتهديدهم ، و لما أخبرني بذلك هذا المَريد ، قلت له : ارجع إلى الفقيه ، و اطلب منه أن يخرج معك للذكر في الأسواق و على أبواب الإدارات في الشارع الأوربي ، فإذا فعل ذلك خرجت معكم أنا أيضا ، قل له هذا ، و أنا أعلم أنه لن يفعل أبدا ، و إنما يدفعون هؤلاء الأغمار لهذه الأعمال المبتدعة ، و المزرية بالدين ، و يقبعون هم بزواياهم يسخرون منهم ، و قد حدثتني حماتي بواسطة ابنتها أن والدها الشيخ محمد ابن الصديق والد أبي البيض أمر عدداً من أعيان مريديه من أهل طنجة أن يقطعوا جلابيبهم من الوراء ، و يرقعوا مكان القطع بقطع مغايرة ، و يخرجوا بذلك ، أمرهم بذلك و فعلوه إلا هو ، تواضعا و قهرا للنفس و إهانة لها حتى يتم الانتصار عليها و تذليلها . و هناك الولاية و الخصوصية زعموا .

و قبل هذا أمر البوزيدي و هو صوفي غماري عامي تلميذه أحمد ابن عجيبة و هو عالم أن يتسول بأبواب المساجد بتطوان ، و لا سيما يوم الجمعة حيث يكثر المصلون و تزدحم المساجد ، كما أمره أن يلبس المرقعة ، و يكنس الشوارع قهرا للنفس و إذلالا لها ، إلى غير ذلك من البدع القبيحة .

و قد ألف شقيق أبي البيض عبد الله رسالة في الانتصار للقول بالبدعة الحسنة في الدين ، سماها : "إتقان الصنعة ، في تحقيق معنى البدعة" ، فتح الباب فيه على مصراعيه للمبتدعة ، و هون من شأن البدع ، و أجاز جل ما يفعله المتصوفة الدجالون ، و الطلبة المتأكلون من إقامة الليالي و قراءة القرآن بالأجر الخ ، بدعوى أن هذه الأمور كلها تندرج تحت أصل عام ، ألا و هو الذكر و التلاوة ، كبرت كلمة تخرج من فيه إن يقول إلا كذبا

  • أما مسألة إنكار أبي البيض للقياس فهي ثابتة عنه صرح بها في غير مناسبة ، و من ذلك قوله في رسالة إلى أبي الفتوح دون تاريخ : ... و قوله تعالى : (فلا تضربوا لله الأمثال) يدل على منع القياس ، كما قال ابن حزم ، لأن الأمثال هي الأشباه كما شبه الكفار النبي صلى الله عليه و آله وسلم بالساحر و الشاعر ، (و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً ، انظر كيف ضربوا لك الأمثال ..) و القياس هو تشبيه حكم بحكم ..

و قال في رسالة أخرى له دون تاريخ بعد أن أطال في إبطال التعليل ، و ما يسمى الآن مقاصد التشريع : هذا كله عندنا باطل لا أصل له ، و تخمين مجرد ، و العلة في التشريع لا يعرفها إلا الشارع، ما لم ينص عليها أو تكون لا خفاء بها ، و القياس و مسالك العلة من ذلك النوع .

و لأبي البيض كلام طويل في إبطال القياس أورده تلميذه أبو الفتوح من كلامه في "در الغمام الرقيق" ، و هو طويل صريح في الإبطال و السخرية من القائسين ، و الرد على ابن حزم طريقته في إبطال القياس . و الصواب أن ذلك ليس من القياس ، و إنما هو من فحوى النص .

و لا نعلم اليوم من يقول بقول أبي البيض دون أن يعرفه إلا الشيخ مقبل الوادعي اليمني ، فإنه يصرح بذلك في كتبه مراراً ، و الحق –إن شاء الله- أن القياس المستوفي للشروط واقع لا بد منه، و وقع اتفاق المحققين من علماء الأصول عليه إلا من شذ من الظاهرية و نحوهم ، و قد اضطر ابن حزم رحمه الله على شدته في إنكار القياس و التعليل إلى ارتكابه بدعوى أنه فحوى النص لا القياس ، فيكون الخلاف لفظيا ، أما القياس الخفي مع استنباط العلة بتكلف و تمحل فهذا هو الجدير بالإنكار و الرد ، و من الجدير بالذكر أن الناصح ابن الحنبلي رحمه الله ألف كتابا جيدا في "أقيسة النبي صلى الله عليه و آله و سلم" أبلغها إلى مائتي مسألة ، استعمل فيها النبي صلى الله عليه و آله و سلم القياس الواضح ، بحيث لو وقف عليه طالب الحق المنصف لجزم بصحة القياس و وقوعه في الفقه الإسلامي ، و الله الموفق .

الفصل العشرون وقيعته في كثير من علماء الحديث ، و السلف الصالح ، و لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية و تلامذته و أنصاره ، و تنفيره المسلمين من كتبهم ، و أنها وحدها سبب الضلال !؟


إن أمر هذا الرجل –أبي البيض- لَجِدُّ غريب ، فقد انفرد بين من عرفنا من العلماء قديما وحديثا بنفسية معقدة ، و عقلية خرافية مضطربة ، لا تستقر على حال ، و هو في نقده للعلماء والرواة أسير هوى جامح ، لا يكاد يسلم منه ، فهو يتناول بنقده الجارح و نقمته الصارمة البلاد ، والمذاهب ، و الطوائف و الأفراد ، خصوصا الشام و نجدا و المغرب ، فلا تكاد تذكر هذه البلاد حتى تثور ثائرته ، و ربما فقد صوابه ، فأعلن بالشتائم البليغة ضاربا ما ورد في فضائل الشام من الأحاديث الكثيرة عُرض الحائط زاعماً أنها كلها مختلقة مضطربة بأمر معاوية الكافر المنافق ، و ما ذاك إلا لأن الشام مباءة النواصب أعداء الله تعالى و رسوله و أهل بيته ، و أن هذا العداء يجري في عروقهم ، ويتخلل طبائعهم فلا يمكنهم الانفكاك عنه ، و هو في كل هذا يغض الطرف عن المآت بل الآلاف من أهل العلم و رواة الحديث و أئمة الفقه ، و فيهم من حفاظ الحديث و الآثار من لا يأتي الزمان بمثلهم ، كما يُعلم من كتب التراجم و الطبقات ، و هذا تاريخ ابن عساكر و هو يناهز المائة مجلد ضم جمهرة كبرى من الأحاديث المروية بأسانيد الشاميين بحيث لا توجد عند غيرهم ، فهل نرمي بهذه الأحاديث و الآثار و نجرح رواتها من زمن الصحابة إلى هلم جراً ، لا لشيء إلا لأنهم نواصب أعداء آل البيت و مبغضو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و مبغضوه منافقون كما في الحديث ، ولا يستنكر في هذه الحال الحكم على الضمائر و النيات ، و الهوى غلاب كما قيل .

أما إذا بلغ الأمر إلى المقادسة سكان صالحية دمشق ، و فيهم بنو قُدامة ، و هم أساطين المذهب الحنبلي ، و حفاظ الحديث و رواته ، فإن أبا البيض سُرعان ما يكفهر جَوُّه ، و يقيم صحوه، و يستوفز للوقيعة و النزال ، فلا تسل عن الولوغ في الأعراض ، لشفاء الغيظ و تحقيق الأغراض ، ولا يعف الشيخ حتى عن الإمام الصابر المجاهد أحمد بن حنبل فقد رماه بالنصب و البلادة ، و أنه يؤمن بالبعض و يكفر بالبعض .

و إذا دنا الزمان إلى القرن الثامن ، و فيه أنبتت تربة الشام الخصبة المباركة : نجوم الهدى ، ومصابيح الوجود ، الذين حفظ الله بهم البلاد و العباد ، و قاوموا ظلام الانحراف الكثيف المتمثل في التصوف الباطني الفلسفي الأجنبي عن الإسلام ، و كان مَدَّ رواقه على العالم الإسلامي بسبب جهل الأمراء و العلماء و نفاقهم ، فنبغ شيخ الإسلام ، مفتي الأنام ، و مصباح الظلام ، أبو العباس أحمد ابن تيمية ، و تلاميذه الأبرار ، شيوخ الإسلام ، و العلماء الأعلام : ابن القيم ، و الذهبي ، و المزي ، و ابن كثير ، و ابن عبد الهادي ، و غيرهم .

أما نجد فكان أبو البيض يجزم جزماً ما بعده جزم ، أنها المراد بحديث امتناع النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الدعاء له ، لأنه مصدر الزلازل و الفتن ، و منه يطلع قرن الشيطان ، و أن المراد بهذا القرن إمام الدعوة المجدد المجاهد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي ، فكان يطلق عليه و على أبنائه و أحفاده الكرام : القرنيين تقليداً لسلفه في هذا العدوان : يوسف النبهاني ، و يضرب عُرض الحائط بما حققه العلماء بأن المراد بنجد العراق ، لإشارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى ناحيته ، و هذا كما يحكى عن العلامة الشيخ عبد اللطيف حفيد الشيخ ابن عبد الوهاب أن علماء الأزهر قالوا له –وهو منفي بمصر- يسخرون منه : مسيلمة الكذاب المتنبي من عندكم ، يعنون أنه من بني تميم ، فقال لهم الشيخ عبد اللطيف : و فرعون الذي قال "أنا ربكم الأعلى" من بلدكم . فبلحوا


و معلوم أن أبا البيض كان يكِّن للأزهر و الأزهريين عداءً أسوداً لا مبرر له إلا ما سمعته من الأخ الشريف حسن الكتاني فك الله أسره : سببه أنه لم ينجح في امتحان ولوج الأزهر لأول قدومه مصر ، فأورثه ذلك حقداً و كراهية لهم .

و هذا المغرب بلده و طنجة مسقط رأسه و منشؤه كان يضرب به المثل في البلادة و سوء الطباع ، و الانحراف في الدين ، بل و كل بلية وجدت إلا و للمغرب و المغاربة نصيب وافر منها ، وكلامه في الحط على المغرب و المغاربة متناثر في رسائله ، و كان لمدينة طنجة القسط الأوفر من كراهيته و بغضه ، حتى إنه نظم تائية من الطويل مختلة الوزن في نحو سبعمائة بيت ، سماها :"بعر النعجة في أخبار أهل طنجة "، عدّد فيها مساوئ أهل طنجة ، و سبهم سبّاً بالغ الفحش و السوء ، وردّد لعنهم بعد كل مجموعة من الأبيات كاللازمة ، و لم يكفِه ذلك حتى أملى عليها شرحا سماه "صدق اللهجة في التحدث عن مساوئ أهل طنجة" ، جردها و أهلها من كل خير ، حتى الجمال الطبيعي ، و قال بأن هواءها موبوء ، و هو الذي أورث أهلها الحمق و سوء الطباع ، -و نسي أنه منهم- ، و ردّ على من يقول من المؤرخين بأن ذلك من عين ماء بها ، و كتب على قول القرماني في كتابه في الجغرافية و هو مطبوع حجري : أهلها مشهورون بقلة العقل . فكتب على هامش نسخته –و هي محفوظة بخزانة تطوان- : إي و الله ، و قلة الدين و المروءة . و لم أدر سبب هذا العداء لطنجة و أهلها ، و فيها عاش والدهم و أنجبهم بها ، و عاش بين أهلها كأنه أمير مطاع ، و تساءلت عن ذلك مدة إلى أن أخبرني الأخ الأستاذ أبي بن الزمزمي –و أهل مكة أدرى بشعابها- حكاية عن أبيه أن سبب ذلك راجع إلى مقدم الزاوية مْفَرج ، و كان والد أبي البيض أولاه النفوذ التام فيما يتعلق بالزاوية و دائرتها ، فكان أبو البيض ، و هو شاب مدلّل معتز بجماله و مركزه ، يُعاكسه ، وينقض ما أبرمه إلى أن ضاق به ذرعا فشكاه لوالده ، و هدّد بالانسحاب إن بقي الأمر كذلك ، فغضب الشيخ من ولده ، و أَمَره بتقبيل يد المقدم و استسماحه ، فأذعن على كره و حمل نفسه في ذلك ما لا تطيق ، فانفجرت عارمة تدمّر كل شيء بأمر ربها ، و قد توقف عن إتمام شرح التائية ، وفيما كتب ما يقض المضاجع و يصم الآذان و المسامع .

و من مواقف أبي البيض المخزية التي تنم عن قسوة في القلب ، و غلظ في الطبع ، و انعدام الرحمة و الشفقة و الإنسانية ، تشفيه من إخوانه المغاربة حينما دمّر زلزال كبير لم يسبق له مثيل مدينة أكادير ، و أودى بحياة أكثر من خمسة عشر ألف نسمة معظمهم من النساء و الشيوخ و الأطفال ، لأنه داهمهم ليلا ، فسبهم أبو البيض و اعتبر ذلك انتقاما من الله له ، و هو إنما ناله ما ناله من ظلم على يد الاستقلاليين ، فتأمل هذا الموقف من شيخ الطريقة و خادم الحديث الذي يروي حديث "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" .

و المقصود أن أبا البيض لم يسلم من سُم يراعه كثير من البلاد و العباد ، فتراه إذا حرد وغضب يُجرر ذيل غضبه و نقمته على المعاهد و الديار و الجماعات ، فقد ألف "الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد" عمم فيه الحكم بالردة على جميع المقلدين ، و هم أغلب المسلمين في جميع بقاع الأرض ، و ضلل بل كفر الأشاعرة حتى إمامهم أبا الحسن الذي تاب إلى الله ، والماتريدية ، هؤلاء من حيث العقيدة ، و ضلل و فسق الحنابلة من جهة النصب و الرد على الصوفية، و حتى هؤلاء ليس عنده ميزان و لا ضابط يُرجع إليه في تمييز المحق من المبطل ، فهذا الترمذي الحكيم، و أحمد التجاني ، و علي بن ميمون ، و غيرهم كثير ، دجاجلة كذابون ، و ابن العربي الحاتمي والششتَري و ابن سبعين و الحلاّج و التلمساني و ابن إسرائيل و الردّاد و ابن أضحى ، و أمثالهم من الملاحدة ، في قمة الولاية و العرفان ، و الشيعة و الروافض و دينهم فاق في الفساد و البطلان دين اليهود و النصارى و المجوس ، لا يتناولهم بسوء أبدا ؛ بل له منهم شيوخ يروي عنهم و يثني عليهم وتراجمهم عنده في "البحر العميق" .

أما الأفراد فيطول جلب أقواله فيهم بين التكفير و التضليل ، و التفسيق و التجهيل ، و هم عشرات ذكر منهم الأخ مصطفى السفياني في "تنبيه القاري ، إلى فضائح أحمد ابن الصديق الغماري" من صفحة 17-87 وفاته الكثير ، و قد تقدم في الفصول السابقة الإشارة إلى بعض ذلك، و على رأس هؤلاء : الصحابة الكرام رضي الله عنهم و لعن من طعن فيهم كمعاوية ، و أبيه أبي سفيان –و قد خص هذا من مطاعنه بما يدل على رقة الدين و انعدام الحياء- ، و عمرو بن العاص ، و عبد الله بن الزبير ، و المغيرة بن شعبة – و هو ممن بايع تحت الشجرة- ، و سمرة بن جندب ، و غيرهم . و من تابعيهم ، كأبي حنيفة –و يكاد يخرجه من الملة - ، و الإمام مالك صحح ما حكاه عنه أبو الفرج في الأغاني من أنه كان مغنيا يتعاطى الغناء و يتقنه ، و هو يعلم كذب ذلك، و كان إذا تناوله ذكره ببرودة و سوء أدب ، أما أتباعه و لا سيما المتأخرون منهم فحدث عن البحر و لا حرج ، و أسوأ حظا منهم الحنفية و الحنابلة الخبثاء !! و لا يسلم من معرته إلا الشافعية ، و قد كان في يوم من الأيام ينتسب إليهم بعد الزيدية ، ثم اختار لنفسه أخيرا مذهبا مباينا لهؤلاء كلهم في منتهى الغرابة و السُّوء ، و عليه مات ، و لنخلص الآن لاختيار كلمات عوراء أطلقها في حق شيخ الإسلام و حزبه ، نوردها مرقمة ليلمس الناس مدى انحرافه و عدائه الشديد لهذه الكوكبة من المصلحين الذين قامت بهم و بأمثالهم حجة الله على خلقه :

1- في الجؤنة ما نصه : و المقصود التنبيه على تدليس الذهبي في شأن بني مروان ؛ بل التناقض الظاهر، و التحيز الباهر ، فسبحان من ابتلى أهل الشام بحب بني مروان ، و الانحراف عن آل البيت الأطهار ، و من رأى كلام ابن كثير ، عرف أن الذهبي لا شيء بالنسبة إليه ، أما شيخهما ابن تيمية، فهو عدو آل البيت الأكبر ، كما أنه عدو أهل الله ، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به ، و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا .

2- و فيه أيضا كلام عن الذهبي و ابن كثير في نفس الموضوع ختمه بقوله : أما شيخهما ابن تيمية شيخ النصب ، و إمام الضلالة ، فكان أخبث منهما و أوقح الخ .

3- و فيه أيضا بعد كلامه على رحلة بلال إلى المدينة مناما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم و أذانه بها ، و بكاء الناس الخ ، قال أبو البيض : (في هذه الرؤيا النبوية الحقة رد على شيخ الضلالة ابن تيمية الذي يحرم شدّ الرحلة لزيارة أفضل الخلق صلى الله عليه و آله و سلم) .

قلت: وفي هذا تجن على شيخ الإسلام من وجوه: أولا : أن هذه الرؤيا ليس لها سند صحيح . ثانيا : أن الرؤى لا تؤخذ منها أحكام . ثالثا: أن الذي حرَّم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة هو الرسول عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث . و قد تواصى المبتدعة بنسبة تحريم شد الرحال مطلقا إلى ابن تيمية ، في حين أنه يتمسك بالحديث في شد الرحال لزيارة القبر فقط .

4- و فيه بعد كلام عن كتاب "المواقف" لعبد القادر محيي الدين الجزائري و أنه حصل عليه بواسطة طابعه بمصر شيخه شلبي الشبرانجومي الذي كان يحبه و ينشط بمذاكرته قال : إذ علم أني عدو لابن تيمية و القرنيين أذنابه ، خبير بطاماته و ضلالاته .

5- و في الجؤنة ما نصه : ذكر ابن تيمية في كتابه الخبيث (منهاج السنة) و هو رد على ابن المطهر الحلي كلاما قال فيه : (و لئن كان أهل السنة يُرَبِّعون الخلفاء بعلي فإن جماعة من أهل السنة بالأندلس كانوا يربعون بمعاوية …) قال أبو البيض : إنه لم يعرف مصدر ابن تيمية في هذا حتى وقف على تكملة ابن الأبار ، و نقل ما فيه مما يشهد بوضوح لقول ابن تيمية ، ثم قال : فعلمت أن هذا مصدر ما حكاه ابن تيمية ، فازددت عجبا و يقينا بخبثه و نصبه وكذبه ، فإنه دلس و لبس ، و نسب ما قاله ابن عبد ربه إلى أهل الأندلس ، (تأمل كذب أبي البيض على ابن تيمية ، فإنه قال : فإن جماعة من أهل السنة كما تقدم آنفا) و سمى فاعل ذلك من أهل السنة (و بنو أمية بالأندلس كانوا من أهل السنة مالكية المذهب) فقبحه الله ما أشد عداوته لآل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه و آله وسلم ، و ما صنع شيئا إلا أنه برهن على نفاقه ، فقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام : "لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق " … ثم هو غير مؤمن بنص كتاب الله تعالى : (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) … و قد افترى هذا المجرم الدجال على أهل السنة ، و على أهل الأندلس ، و نسب إليهم ما هم منه براء .

قال أبو أويس : وأبو البيض كان يحكم على أهل الأندلس دون تفريق بالنصب ، و سألته مرة عن كتاب "البغية" للساحلي فأثنى عليه و نعى عليه نصبه المتجلي في تراجم أهل البيت في كتابه ، و كيف تحدث عنهم ببرودة !

6- و فيه ما نصه : قرأت لابن تيمية رسالة أجاب بها من سأله : هل صح حديث في فضل علي عليه السلام ، فزعم عدو الله أنه لم يصح حديث في فضل علي البتة ، و إنما في الصحيح قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، و هذا لا فضل فيه ، لأن الله تعالى قال : (بعضكم من بعض) ، مع أنه عدو الله يعلم أن إمامه أحمد رضي الله عنه قال : ما ورد في فضل أحد من الصحابة بالأسانيد الصحيحة الجياد ما ورد لعلي كما رواه الحاكم في المستدرك بالسند الصحيح إليه ، و يكفينا أن في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه و آله و سلم لعلي : (لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق) ، فلو أقر ابن تيمية بصحة هذا الحديث !؟ أو حكى للسائل أنه في صحيح مسلم لشهد على نفسه بأنه منافق عدو لله و رسوله .

قال أبو أويس : كتبت أنا بخطي بهامش نسختي هنا ما نصه : ليت المؤلف (أبا البيض) سمى لنا هذه الرسالة التي ذكر فيها شيخ الإسلام هذا الكلام ، و لكنه لم يفعل و لا يفعل هذا أبدا ، و هي طريقة قديمة معيبة تدليسية ، لا تتفق و المنهج العلمي ، و كلام ابن تيمية شيخ الإسلام في فضل علي و ما ورد فيه مشهور مبثوث في كتبه و فتاويه (و قد جمع بعض المعاصرين كلامه في علي و آل البيت في جزء مطبوع) لا سيما (منهاج السنة) ، و لكنه بالنسبة لغلاة الشيعة و الروافض نصب و عداء و نفاق ، و لو جارينا المؤلف و أئمته الروافض لحكمنا على الأمة حتى الصحابة بالنفاق كما يفعلون ، و قد صرح أبو البيض بأن أكثر الصحابة كانوا يحسدون عليا و يبغضونه فهم بالتالي منافقون ، و قد سبق النقل عنه بذلك .

7- و فيه أيضا في كلامه على تاريخ ظهور الحشيش ما نصه : مما يرد على ابن تيمية زعمه أنها أول ما ظهرت في أواخر القرن السادس ، أن الزركشي ذكر في كتابه (زهر العريش ، في تحريم الحشيش) أنها ظهرت في القرن الخامس ، و كأنه أخذ ذلك من كلام بعض الفقهاء الشافعية من أهل القرن الخامس ، كأبي إسحاق الشيرازي على حكمها ، مع أن دعوى الزركشي مردودة أيضا بما حكاه صاحب "السوانح" ، و المقصود بيان أن جل كلام ابن تيمية تهجمات من هذا القبيل من غير تحقيق و لا مستند .

قال أبو أويس : كتبت أنا على هذا الموضع ما نصه : هذا هو مقصود المؤلف (أبي البيض) مع أن ابن تيمية ربما كان يعني بظهورها ببلده الشام ، و أنها لم تعرف به قبله ، و تهوين المؤلف أمر الحشيش خطر ، لأنه تبيّن الآن بتحليل آثارها على المخ و الأعصاب ، و على المدى الطويل أنها أخطر و أفظع من الخمر ، و لذلك تعاقب عليها كثير من الدول بالإعدام ، (و الحكم باطل في الإسلام ، لأنه لم يرد فيها حد ، و إنما فيها التعزير) ، و الصوفية مشهورون بتعاطيها من زمن طويل حتى سميت "حشيشة الفقراء" ، و إخوة المؤلف : عبد الله ، و عبد الحي ، و عبد العزيز مخالطون لتجارها بطنجة ، يقبلون جوائزهم ، و مساعداتهم ، و يفتونهم بإباحة عملهم ؛ بل إن أحد أحفادهم مشهور بالتجارة فيها ، و هو من سكان الزاوية ، و حبس من أجلها مرة ، و الله أعلم بما وراء ذلك ، فافهم .

8- و فيه بعد إيراده رواية باطلة من روايات الإسراء و أعقبها برواية عن يعقوب عليه السلام تتضمن تقديس البقاع و استحباب الصلاة فيها ، قال أبو البيض متحديا لله و رسوله و أصحابه : ففي هذا دليل على أنه يستحب تعظيم البقاع التي وقع فيها للصالحين تعبد و انقطاع إلى الله تعالى ، أو حصل لهم فيها فتح !؟ و أنه ينبغي الصلاة فيها و التبرك بها إذا مر في طريقه عليها خلافا لما يدّعيه شيخ الضلالة ابن تيمية و أذنابه .

قال أبو أويس : و هذا كما ترى محادة لله و رسوله ، و إذا كان الإسلام كما زعم أبو البيض هنا فلماذا نعى النبي صلى الله عليه و آله و سلم على أصحابه و هم حديثو عهد بإيمان ، طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط ، و كبّر و قال : إنها السُّنن ، لقد قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى : (اجعل لنا إلاها كما لهم آلهة) ، و لماذا حرم الرسول شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ، و لعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند أبي البيض من الوهابية لحرصه على نظافة التوحيد و سلامة العقيدة من لوث الشرك ، و صنيع المؤلف يدل على جهله بتوحيد التوجه و العبادة، و لهذا كان لا يرى بأسا من دعاء الأموات ، و الاستغاثة بهم في الشدائد ، و قصد أضرحتهم لاستنزال المطر ، و حدثتني حماتي أنهم كانوا يحلفون باسم أبيها والد أبي البيض و يهتفون باسمه و هم مرضى و هو بين أظهرهم يسمعهم و يوافقهم (و من يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) .

9- و فيه بعد أن وضع كلية غمارية مما أوحاه إليه شيطان رفضه ، و هي : كل حديث تجد فيه ذكر مبهم ذمّه النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، أو وصفه بأنه من أهل النار ، أو رأس الفتن ، أو نحو ذلك فاعلم أنه معاوية يبهمه الرواة النواصب المنافقون أعداء الله و رسوله ، و أحباب أعدائه ، وبعد كلام ذكر أنه درّس مع بعض الطلبة مقدمة ابن الصلاح ، و أنه حضر درسه مرة بعض أتباع محمود خطاب السبكي ، و سمعه يقول عن علي : عليه السلام ، فغضب و كان أعمى البصر والبصيرة ، و قال هذه بدعة و رفض و تشيع ، و ذهب و لم يعد ، قال أبو البيض –على عادته في الكذب و التزيد- : مع أن أكثر السلف الصالح من المحدثين و الفقهاء و المفسرين و الصوفية (و هل كان في السلف صوفية ؟ و نعني بالسلف من شهد لهم النبي بالخيرية في الحديث الصحيح : خير الناس قرني..) و من بعدهم إلى وقتنا يخصّصون عليا و آل بيته بقولهم : عليهم السلام (و هذا كما ترى كذب مكشوف و هو شعار الشيعة و الروافض فقط) ، و في صحيحي البخاري و مسلم الكثير من ذلك ، و اعجب من هذا أن ابن تيمية إمام هذه الطائفة الضالة و شيخ النواصب لا يكاد يذكر عليا و فاطمة إلا و يقول : عليهما السلام ، بدل : رضي الله عنهما ، تدليسا و سترا لنصبه ، و ذرا للرماد في أعين الناس على عادته في التلبيس و سبك طرق الإضلال . ثم ذكر ما زعمه أحاديث صحيحة في ذم معاوية ، و قد رددها مرارا ، و الواقع أن ابن تيمية رضي الله عنه و أرضاه أبعد الناس عن التدليس و التلبيس و النفاق و ذر الرماد في العيون ، و إنما هذه أخلاق أبي البيض و آله إلا من رحم الله منهم ، و معلوم من تاريخ ابن تيمية أنه كان مضرب المثل في الشجاعة و الإقدام و لا أدري لماذا سُجن سنين إن لم يكن هذا السبب ، فقد ناظر المتصوفة و قهرهم ، و متعصبة الفقهاء وأفحمهم ، و الأمراء و الحكام و النصيريين و الباطنية حتى رموه عن قوس واحدة ، و من يقوم هذا المقام ، و يصارع هذه الطوائف ، و يحمل السلاح لرد التتر حتى دحرهم ، يخاف أن يقول عن علي و آله رضي الله عنهم بدل عليهم السلام ؟ هنا مضرب المثل العربي "رمتني بدائها و انسلت" ، و قد كتبت على هذا الكلام بخطي ما نصه : عجيب أمر المؤلف (أبي البيض) ، فشيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الذين هم بحق جند الإسلام و حماته بالسيف و القلم ضد المفسدين من المشركين و الباطنية و التتر و الصليبين و الصوفية و المقلدين و الروافض ، هؤلاء عنده مجرمون ضالون مضلون ، بل كفرة ملاحدة منافقون كما يصرح به أحيانا ، و إن أفصحوا بفضائل أهل البيت ، و قرروا منها ما هو صحيح ، و جروا على ما جرى عليه بعض المتقدمين من السلام على علي و آله ، قال أبو البيض : إن هذا كله ستر للنصب و احتيال و ذر للرماد في العيون الخ ، فهل المطلوب منهم عند أبي البيض عبادتهم مع الله ، و الإعلان بأنهم آلهة ، و أرباب ، أم ماذا !؟ و كان من واجب أبي البيض أن يسكت على رأي المثل "من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجارة" : إنه ما زال على قيد الحياة هنا من يعرف عُجر و بُجر كبير الجماعة التي أشار إليها الشيخ التهامي الوزاني في الجزء الثالث من تاريخ المغرب ، و أن دهاقنة الاستعمار وقع اختيارهم عليه لتنفيد مخططهم في القضاء على المقاومة المسلحة و رموزها في الشمال ، و قد اغتيل منهم أبطال معروفون ، و التاريخ لا يرحم ، و قد سمعنا منهم ما يندى له الجبين من مواقف الخيانة و العمالة للمغتصب الكافر ، فهل من يتورط في هذا البلاء يطاوعه لسانه على ثلب عصابة العلم و الإيمان و التوحيد ، الذين هم بالنسبة لهؤلاء ملائكة ؟ ألا قبح الله من لا يستحي و لا يخاف الله تعالى .

10- و فيه ردا على ابن القيم الذي أنكر حديث : إن الله يحب كل قلب حزين ، و محاولة تصحيحه من أبي البيض ، ثم قال : و كيفما كان الحال ، فإنكار الحديث ، و أنه لا يُعرف له إسناد و لا مخرج ، غريب جدا من ابن القيم ، و كأنه أخذ هذه الطريقة عن شيخه ابن تيمية الذي كان لا يتورع عن إنكار ما لم يصل إليه علمه ، و لا يتثبت في ذلك كما هو معلوم .

قال أبو أويس : أي معلوم عند الجهال بأقدار العلماء ، المجترئين على الفضائح و الدواهي دون مبالاة .

11- و فيه ما نصه : ابن تيمية شيخ النواصب لفرط نصبه و خبثه عارض الإمام الشافعي رضي الله عنه في قوله في أبياته المشهورة : [الكامل]

إن كان رفضا حبُّ آل محمّد ** فليشهد الثقلانِ أنيَ رافضي فقال ابن تيمية الخبيث : إن كان نصبا حب آل محمد **فليشهد الثقلان أني ناصبي

و هذا منه تستر و مصادرة ، فإنه لم يقل أحد من الناس إن حب الصحابة نصْب (هذا كذب ومغالطة ، فإن المؤلف و إخوانه ، و فيهم شيوخه الخمسة أول من يقول بذلك ؛ بل إن أول علامة على النصب ، اعتقاد صحبة معاوية و أبيه و عمرو بن العاص و من معهم ، بل جمهرة الصحابة إلا الأربعة كلهم كفرة منافقون عند الشيعة ، فمن يواليهم أو يترضى عنهم فهو ناصبي منافق و هذا من أوليات مذهبهم ، و المؤلف يعرف هذا و لكنه يتغاضى عنهم لعطفه عليهم و حبه لهم ، و هواه معهم "ولتعرفنهم في لحن القول") و إنما يقول النواصب إخوانه : إن حب آل البيت رفض كما قال الشافعي رضي الله عنه ، و من أعجب ما يلقم به هذا الخبيث ، و تقام به عليه الحجة من نفس كلامه : أنه عدو الله كان شديد البغض لعلي عليه السلام ، و علي من الصحابة و آل البيت معا ، فأين حب الصحابة الذي يدّعيه ؟ (كبرت كلمة تخرج من فيك إن تقول إلا كذبا و زورا ، ثم إن الحب و البغض من أفعال القلوب ، فمن أطلعك –يا أبا البيض- على قلب ابن تيمية ، و هذا ثناؤه ومدحه لعلي و آل بيته مبثوث في كتبه و فتاويه ، و الواقع أن أبا البيض لم يقرأ من كتب شيخ الإسلام إلا أقل القليل و كثير منها طبع مؤخرا ، و أعتقد أنه لو اطلع عليها كلها ما غير عقيدته ، فإن شأن ابن تيمية أكل قلبه ، و استولى على تفكيره ، فلا يكاد يذكره حتى يتعكر دمه ، و يفلت الزمام من يده فينفجر تسخطا و نقمة و تجريحا) و المقصود أنه لفرط نصبه أراد أن يصرح بما في قلبه، فركّبه في هذا القالب ، و لوّنه بهذا اللون ، و إلا فمجرد معارضته لبيت الإمام الشافعي رضي الله عنه، يصرح بنصبه ، و فرط بغضه لآل بيت نبيه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم فكيف بما فاه به في حق علي عليه السلام من تلك الطامات الدالة على نفاقه بشهادة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ؛ بل و زاد –قبحه الله- فتكلم في سيدة نساء أهل الجنة و بضعة الرسول ، و أحب الخلق إليه، فاطمة الزهراء صلى الله عليها و سلم فقال في كتابه الخبيث (منهاج السنة) : إن فيها شبها من المنافقين ، قبحه الله و عامله بما يستحق .

قال أبو أويس : هذه التهمة رددها مع أبي البيض شقيقه عبد الله ، و هي تهمة مردودة ، و معاذ الله أن يقول مسلم هذا في حق السيدة فضلا عن إمام جبل في السنة كابن تيمية ، و قد راجعت كلامه رحمه الله فوجدته في موضوع الإرث و أرض فدك ، وحرص السيدة رحمها الله و رضي الله عنها على طلب حقها رغم ثبوت الأحاديث عن والدها صلى الله عليه و آله و سلم أنه لا يورث ، و أن ما تركه صدقة ، و أبلغها الصديق رضي الله عنه ذلك وخيرها أن تأخذ من ماله ما شاءت ، و لكنها أبت و أصرت ، و نحن لا نعتقد عصمتها ، و أن موقفها هذا خطأ بلا شك ، و كلام ابن تيمية في تخطئتها واضح ، و لكن أبو البيض يقتطعه من سياقه للشغب و التخليط .

12- و فيه أيضا أثناء كلامه على الأنصار و إخبار النبي صلى الله عليه و آله و سلم إياهم أنه سيلقون بعده أثرة ، قال أبو البيض : و كان ذلك من أعلام نبوته صلى الله عليه و آله و سلم ، فأول من استأثر عليهم و عاملهم بالإهانة معاوية إرادة لاحتقار من عظم الله ، و تشفيا منهم لنصرتهم الله و رسوله ، و إعلائهم دينهم .

قال أبو أويس : و أين و متى و كيف أيها الأفاك ؟

13- و في الجؤنة حول الكلام على بدعة التعريف الذي يقع يوم عرفة و هو اجتماع الناس بالمساجد للذكر و الدعاء ، و أن ابن تيمية حكم بأنه بدعة . قال أبو البيض و هو في ذلك على عادته : مع أن إمامه أحمد أجازه ، (و قد طبع لشيخنا الألباني مساجلة جرت في ذلك بين ابن عبد السلام و ابن الصلاح يستفاد منها أنها بدعة ضلالة) ، و لكن أبو البيض قال : القياس ما قاله أحمد ، لا ما زعمه ابن تيمية ، فإن الاجتماع للذكر و الدعاء مطلوب مرغّب فيه ... و ما كان كذلك فلا يسمى بدعة، لأن البدعة هي ما أُحدث في الدين مما لا شاهد له في الدين ، و لا يمكن اندراجه تحت قاعدة من قواعده الخ .

قال أبو أويس : و هذا يتمشى مع مفهوم البدعة عند أبي البيض و قبيله ، وهو مفهوم خطأ ، لا يقبل الاطراد إلا على سبيل التحلل ، فهم في زاويتهم بطنجة لا يقرأون القرآن يوم الجمعة بصوت واحد كما في سائر المساجد ، لأنه بدعة ! و لا يؤذنون ثلاثا كما يفعله الآخرون لأنه بدعة ، و لا يهللون بالليل ، و لا يقولون : أصبح و لله الحمد ، و لا يذكرون الخلفاء الراشدين و لا يدعون مع الملك إلا تحلة القسم بدعوى أن هذا كله بدعة مع أنه يندرج تحت قواعد الشرع كما يقول الآخرون ، و قد مضى الكلام في الرد على أبي البيض في موضوع الابتداع و قوله بالبدعة الحسنة ، و المقصود الحط على ابن تيمية بما تيسر .

14- و فيه أيضا دفاع أبي البيض عن الروافض ، و الطعن على النواصب و خصوصا الحنابلة ، ونقل عن بعضهم الطعن على علي رضي الله عنه و لمزه بشرب الخمر ، و أن ابن رجب الحنبلي اعتبر ذلك تسننا (يعني ميلا إلى أهل السنة) . قال أبو البيض : انظر إلى خبث الحنابلة في هذا الباب لا سيما من جاءوا بعد ابن تيمية رأس النواصب ، و شيخ أهل الضلال ، لاسيما من أدلى إليه بالتتلمذ على تلامذته و أصحابه الذين تسمموا بخبثه و نصبه ، فابن رجب أخذ عن جماعة من أصحاب ابن تيمية الخبيث من أشهرهم ابن قيم الجوزية ، لا بارك الله في تلك الطائفة .

قال أبو أويس : تأمل خروج أبي البيض عن الطوق ، و تعديه الطور ، و مراد ابن رجب رحمه الله واضح ، و مقالة الرجل (يعني في نبز علي بما ذكر) كذب و افتراء مكشوف لا يروج على طالب مسلم ، و لكنْ أبو البيض نسي أن أحبابه الروافض يسبون الصحابة و يكفرونهم ، و يملأون كتبهم فضائح لا يسمعها مؤمن فضلا عن كتابتها ، فضلا عن اعتقادها ، و مع هذا لا ينتقدهم بكلمة .

15- و فيه أيضا نقل عن ابن رجب ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلاني من طبقات الحنابلة ودفاعه عنه و نقده لكتاب (بهجة الأسرار) للشطنوفي المصري ، و ما فيه من الطم و الرم و الشطح ، و أن الكمال الأُدفُوِي المصري ذكر أن الشطنوفي متهم بالكذب فيما حكاه في هذا الكتاب ، و لم يرق هذا أبا البيض فحمل على ابن رجب ، و قال بخصوص تلك الشطحات بأنها معروفة عن سائر أهل الله ، و لاسيما أصحاب الحال القوي كالشيخ عبد القادر رضي الله عنه و أمثاله ، و هي أمور لا يفهمها كبار العلماء غير الحنابلة الجامدة (و نسي أبو البيض أن الشيخ عبد القادر حنبلي جلد) فضلا عنهم ، فضلا عمن تسمم ببدعة ابن تيمية ، و خبث نفسه ، و كبريائه ، و غطرسته ، و شدة عداوته لأهل الله تعالى .


قال أبو أويس : و هذا تهويل متعمد ، و إلا فما يسميه أبو البيض شطحا معروف ، و شريعة الإسلام فوق كل شيء (وما ذا بعد الحق إلا الضلال) ، و المؤلف كفّر التجاني ، و سخر منه ، و استهزأ بمحمد الكتاني ، و ما نقل عنهما لا يشكل رُبع ما نقل عن ابن العربي و حزبه ، و مع ذلك فهؤلاء من كبار العارفين دون أولئك (إن تتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس) .

16- و فيه أيضا في جواب له لشقيقه عبد العزيز قال : أما مسألة الذهبي مع علي و آل البيت رضي الله عنهم ، فهي أوضح من أن تشتبه على عارف بأهل الشام ، فإنهم كلهم نواصب طبعا لا تطبعا ، و خلقة لا تخلقا (تأمل غلو الرجل في هذا الكلام الذي لا يصدر عن عاقل يدري ما يقول ، فإن أهل الشام آلاف مؤلفة من العلماء و الحفاظ الخ. فكيف يكون هؤلاء كلهم أعداء آل البيت) فالشامي ناصبي قصد أو لم يقصد ، و عرف أو لم يعرف ، لاسيما حزب ابن تيمية الذين منهم الذهبي الذي قيل فيه : لو كان قوله تعالى (و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) نازلا في حق علي عليه السلام لقال الذهبي إنها آية موضوعة ، و أمره في هذا أشهر من نصب شيخه ابن تيمية تقريبا ، و إن كان ابن تيمية أخبث و أوقح و أجرأ في ذلك و أفصح إلا أن الذهبي اشتهر أمره بسبب كلامه في الرجال، و بعد أن هون من تأليف الذهبي في مناقب علي ، و أنه لم يكن صادرا عن محبة و إخلاص ، و لعنه لابن ملجم لأنه لو خالف ذلك لخرق الإجماع ، و لكشف القناع عن وجهه ، و ساوى شيخه ابن تيمية في خبثه و وقاحته و جرأته و تجاهره بعداوة أهل البيت ، قبحه الله و أخزاه ، و الذهبي مهما يكن شاميا فهو أعدل و أعقل من ألف من الخبيث ابن تيمية قبحه الله


17- و في رسالة عجيبة له إلى ذنبه الأجرب أبي الفتوح عندي صورة منها دون تاريخ يقول : ابن كثير ليس تابعا لابن تيمية في النصب ، بل تابع لأهل بلده دمشق فإنهم نواصب حتى قِطَطم وجيرانهم من يوم وجود الطاغية (معاوية رضي الله عنه) بين أظهرهم إلى اليوم ، و لو قرأتَ ما يكتبه اللعين محب الدين الخطيب الدمشقي عن أهل البيت للعنت أهل دمشق أجمعين أكتعين أبصعين .. وأما هو و الذهبي و المزِِي ، فأحبك أن تعرف أن المزي لا يجوز أن يذكر معهما ، أو على الحقيقة أن يذكرا معه ، فإن المزي و لو أنه شيخهما إلا أنه طبقة عالية جدا جدا جدا ، فهو من طراز الأقدمين كالدارقطني و ابن حبان ، و أوسع اطلاعا على الرجال ؛ بل كنت كثيرا ما يدخلني شك فيه هل هو آدمي بشر أو من نوع أرقى من البشر الخ .


قال أبو أويس : و فاته أن هؤلاء و غيرهم من تلاميذ ابن تيمية ، و يكنون له أعظم الوفاء ، و تأمل غلو أبي البيض في المزي غلوا يضحك الثكلى ، و يصح أن يذكر في أخبار المغفلين و الحمقى ، وهؤلاء الجلّة عند كل أحد منهم ما ليس عند الآخر ، ثم هم جميعا من أهل الشام ، و معلوم أن أبا البيض يؤمن بما ورد في رسالة الذهبي عن ابن تيمية ، و هي رسالة منكرة مدسوسة ، و حملة أبي البيض على محب الدين الخطيب كانت بسبب تأليفه لرسالته الدامغة للروافض (خطوط عريضة لدين الشيعة الإمامية) التي كانت قنبلة ذرية على رأس الروافض كشفت لأول مرة عن فواقرهم بكلام موثق بنصوص طواغيتهم المنقولة مباشرة عنها ، ثم زاد طبعه لمختصر الذهبي لمنهاج السنة و تعليقه عليه ، و فصل فتنة مقتل عثمان و ما ترتب على ذلك من كتاب (العواصم من القواصم) لابن العربي، و قد أفاد و أجاد رحمه الله و عفا عنه .

18- و في رسالة له أيضا لأبي الفتوح بخط إبراهيم أخي أبي البيض لشدة مرضه ، و قد توفي بعدها ببضعة أشهر ، و فيها يقول بأن ابن حزم مأجور على خطئه في الاجتهاد كالشيخ الأكبر ابن العربي بخلاف ابن تيمية الشامي الناصبي الخبيث ، فإنه حقود حسود له مقاصد سيئة في دعاويه ، فلذلك اتفق أهل الله على ذَمِه ؟!! فابن حزم اجتهد فأخطأ فله أجر ، و ابن تيمية تلاعب و ضلل فعليه إثم الضالين .


قال أبو أويس : هكذا يكون الدجل و الكذب و الرسوخ في الضلال ، و ليت أبا البيض ذكر لنا من هم أهل الله الذين اتفقوا على ذم ابن تيمية ، و لعله يعني زنادقة المتصوفة ، كالنبهاني و الكتاني ، وابن حجر المكي ، و كلمته فيه مشهورة ردّها عليه الشيخ نعمان بن محمود الألوسي في كتابه العجيب "جلاء العينين ، في محاكمة الأحمدين" ، و الكوثري ، و أمثالهم من حثالة الخلق الذين لا في العير و لا في النفير ، و إنما علمهم شعاره (إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) و لعل أبا البيض لم يقرأ ما كتب في مناقب ابن تيمية و هو عشرات الرسائل و الكتب و الأبحاث ، و من أهمها و ألصقها بالموضوع (الرد الوافر) لابن ناصر الدين ، و قد ترجم فيه كثيرا من كبار العلماء الذين أطروا شيخ الإسلام ، و دافعوا عنه و وصفوه بشيخ الإسلام ، و أنا أعتقد أنه لو قرأها كلها و أمثالها معها لم يغير رأيه ، و لم يقلع عن ضلاله و ظلمه ، لغلبة الشقاء عليه ، و بلوغه في دائه درجة لا يرجى معها شفاء ، و كأنه ينشد قول عارفهم الحراق التطواني الذي يعرب فيه عن عرفانه ؛ بل طغيانه في البدعة و المسخ : [البسيط]

صبغت فيه بألوان بلغن إلى ** عقلي فلا يرتجى كشف لتلويني

و قد عرفتُ بمراجعة أبي البيض كتابة و مشافهة أنه لم يقرأ من كتب هذه الكوكبة المضيئة من مصابيح الكون ، كابن تيمية ، و ابن القيم ، و ابن كثير ، و الِمزي ، و ابن عبد الهادي ، و ابن رجب ، إلا القليل لأنه كان منذ البدء مملوء الخاطر من كراهيتها ، و بغض أصحابها ، ثم إن الكثير منها بل أكثرها لم يكن طبع كالعشرات من كتب ابن تيمية ، و سير أعلام النبلاء ، و تاريخ الإسلام للذهبي ، و الكثير من كتب ابن القيم ، و فتح الباري لابن رجب ، و غيرها ، و إنما كان مكبا على قراءة "الفتوحات" و الفصوص و اللمع و الإحياء و الرعاية و الإبريز ، و نحوها من البثور في محيا العلم .


19- وقفت مرارا على تحذيرات أبي البيض من كتب ابن تيمية و تلاميذه و أئمة الدعوة النجديين ، و تصريحه أنها سبب ضلال من ضل من المسلمين !! لعله تقدم شيء منها في هذه الفصول .

20- في رسالة منه لتلميذه الكرفطي دون تاريخ تتضمن جوابا عن أسئلة منها قوله : وقواعد العز ابن عبد السلام لا تفيدك بشيء مطلقا ، و لا تعرف أن تأخذ منها فائدة ، فهو فلسفة أشبه به من قواعد الفقه ، و ما أظن أن أحدا انتفع منه بشيء إلا بجمل يذكرونها و هي حرف من ألف ، فلا تعمر بالك به ، فإني أشبهه بكتب ابن تيمية التي يقرؤها فلا يخرج منها بفائدة ، لاسيما و هذه "أحكام ابن عبد السلام" مرتبط بعضها ببعض من أول الكتاب إلى آخره ، مع أنها من أولها إلى آخرها مبنية على المصالح و المفاسد ، و أن الشريعة كلها جاءت لمراعاتها ، و لكنها بتقسيمات وتفريعات كثيرة مملة ، و في الحقيقة فارغة و السلام .


قال أبو أويس : قراءة هذا الكلام كافية للرد عليه ، نعم قوله فيها لتلميذه أبي الفتوح : لا تعرف أن تأخذ منها فائدة . صحيح جدا لأنه يعرفه بليد الطبع ، فاتر الذهن ، ضعيف الإدراك ، و إنما هو فارس المنامات ، و الكرامات و المعجزات ، هذا ميدان تخصصه ، و إن تعجب فعجب قوله عن كتب ابن تيمية أنه يقرؤها فلا يخرج منها بفائدة ، و هذا يدل على صحة ما قلت من أنه لم يقرأ منها إلا أقلها ، و لم يكن طبع منها إلا العشر ، و قد بلغت الآن أكثر من مائة بين صغير و كبير ، و ما زالت الأيام تكشف منها عن عيون تقر بها عيون الموحدين ، و تطمئن لها ضمائر العلماء المخلصين المنصفين الباحثين ، و أبو البيض يتناقض كشأن المبتدعة ، فقد مدح في كتبه ك : "الاستنفار ، لغزو التشبه بالكفار" ، و قد طبعه أبو الفتوح : كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم ، مخالفة أصحاب الجحيم" مدحا عاطرا ، و صرح أنه لم يؤلف في موضوعه مثله ، و تراه هنا يقول ما سبق ، فقبح الله من لا يستحيي .

خاتمة:

بعد هذه الطرر النيرة ، و الفصول الدامغة ، التي هي كفيلة بإقناع من يتحلى بالإنصاف ، ويتجنب الشغب و الاعتساف ، أن أبا البيض يتأرجح أمره بين الكفر و الجحود ، و الفسق والضلال، و يعجبني في هذا الصدد مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه و طيب ثراه ، وهو الإمساك عن الجزم بالتكفير للجهل بمصير المردود عليه ، فلعله يُوفق للتوبة و الإيمان في آخر عمره ، و لا ندري بماذا ختم له ، و إن كانت هناك أمارات تدل على سوء خاتمة أبي البيض ، وأمره إلى الله ، فالصواب الحكم على الأعمال و الأقوال الثابتة مع محاولة التجرد و الحياد ، وعدم التأثر بالهوى و العاطفة . و يعلم الله تعالى أنني بذلت جهدي في التحري و الاحتياط ، و البحث و المقارنة و الدرس ، و أنا أعلم أنني لم أستوعب ، لأن أبا البيض كان ذا جلد كبير على الكتابة ، فرسائله لأصحابه و من يسأله تعد بالمآت ؛ بل سمعت أن رسالاته لشقيقه عبد العزيز فقط بلغت ألفا ، و ليست –بلاشك- كلها علمية ، ثم إنني أسجل هنا أنني كنت أقدّم رِجلا و أؤخر أخرى في كتابتها و تتبعها لعدم استطاعتي القيام بطبعها ، فلا معنى لكتابة شيء و تركه على الرّف كما حصل لي في الرد على الكرفطي في مسألة رؤيا الله في المنام الذي لم ير النور إلا بعد أربعين سنة بينما أبو الفتوح يجمع من (فتوح) الأنعام ما يمكنه من الطبع ، و هؤلاء من رواد الزاوية ، و أنا أصرح في خطبي الجمعية ودروسي و كتاباتي أن المقهى إذا كان خاليا من الخمر و القمار ، أفضل و أزكى من الزاوية ، و قد انتقدني بعضهم في تطوان لما سمع مني هذا فلما ذاكرني أقنعته فوافقني ، و هذا واضح لأن المقهى ليس فيها إلا شراب العصائر و الشاي و الحديث الخاص بين الناس ، و الزاوية كمسجد الضرار بنيت للبدعة و نصرتها ، و هي خاصة بحزب دون حزب ، و تكون في الغالب مقبرة أو مشتملة على قبر يُعبد من دون الله ، و تقام فيها طقوس يبرأ منها الإسلام كالرقص اليهودي و السماع الذي يمجد وحدة الوجود و أصحابها ، ثم إن أبا الفتوح إليه يرجع أمر إحياء هذه الفواقر بسبب ما قام به من تشجيع زعنان زُحار البريجي الكُونْطَبْلي المحدث المؤلف المخربق على سبي و شتمي ، و أوحى إليه بكل ما يتعلق بذلك ، مع تبرعه بطبع كتابه المردود عليه ، و ذلك لحاجة في نفس يعقوب ، و قد ساورني هذا الخاطر قديما حينما كان أبو الفتوح يقوم بالنميمة بين أبي البيض و إخوته ، و يبذل في ذلك أقصى جهده تنفيذا لوصية أبي البيض التي أبان فيها عن حقد أسود ، و بغض فريد ، لا أعرف مثله في أرباب زوايا المغرب و مشايخ طرقه ، و كان أبو الفتوح يعلم ما تفعله رسائله في نفس شيخه و هو مريض جدا ، و الأطباء ينصحونه بعدم الانفعال لما فيه من الخطر عليه ، و قد سبق أنني سمعت إبراهيم أصغر إخوة أبي البيض و كان يلازمه يذكر أن أخاه كان يتماثل للشفاء فإذا وصلت رسالة أبي الفتوح انتكست صحته ، و أشرف على الموت ، كما أخبرني أنه تبرم في شهوره الأخيرة من الكرفطي و أخبرهم أنه لا يخلص له ، و إنما هو نفعي يعمل لمصلحته ، و كان يأمل من شيخه أن يستقدمه إلى القاهرة ليعمل معه في دار الحديث الخرافية ، و بذلك يتيسر له الحج و غيره ، و لكن تبخرت هذه الآمال ، فيئس الكرفطي و استعجل موت شيخه ليقوم بادعاء المشيخة ، و قد درس الأحوال ، و عرف من أين تؤكل الكتف ، و يظهر أن هذا الأمر ما زال يعاوده إلى الآن رغبة في الانتقام ، فدسّ إلى زعنان المغفل أن يقوم بالسب و الشتم لاستفزازي ، و لم يعلم الأخوان في الضلال و المسخ أنني لا أُستغفل و لا تُشترى ذمتي ، و أنني أقول ما أعتقده صوابا ، و لهذا قلت أولا عن كتاب السفياني (تنبيه القاري) بأنه لا يقبل الرد ، لبنائه على أقوال المردود عليه أبي البيض ككتابي هذا ، و لهذا لم يجد زعنان إلا حجة مفلولة ، و هي : التكذيب و المصادرة المقرونة بالوقاحة المتناهية .

و قبل أن أضع القلم لابد أن أنصح للشيخ و التلميذ بالكف عن الدجل و الزور ، و التوبة إلى الله توبة نصوحا ، خصوصا لأبي الفتوح ، و أهمس في أذنه : إنه لا تصح توبته حتى يعلن باللسان و القلم توبته من تلك الفضائح و الجرائم التي سوّد بها مآت الصفحات ، و هي ما زالت عنده . و ها قد تبين الصبح لذي عينين ، و تيقن أن تلك الحلى و الألقاب التي كان يضفيها شيخه عليه لا طائل تحتها ، و أنها فارغة ، و إن اعتد بها و فاخر في كتابه (الأنيس و الرفيق) .


كما تبين له أن تلك المنامات و الرؤى التي كان يعبّرها له شيخه لم يتحقق منها شيء ، وأنها كانت كسراب بقيعة الخ. خصوصا ما بشره به من الولاية ، و أنه سيفوق درجة الحراق و ابن عجيبة في الخصوصية و الشعر ؟! و أنه سيدرك الإمام المهدي و سيكون من أعوانه ؟! إلى آخر تلك الخزعبلات و الترهات .

و قد بلغني أنه زار الإمام الخليفة !! ياسين بعرينه بسلا و سأله عن تلك المنامات المتكاثرة ، و البشارات المتناثرة ، فأجابه بأنها تواطأت على معناها فلا بد من وقوعها سنة 2006 م من تاريخ النصارى ؟!! و قد سمعته في شريط –رزقه الله العقل- يقول عن تلك السنة : 2006 و ما أدرك ما هي . و قد انقضت السنة ، و لم يظهر إلا الضباب ، و مع ذلك فإن التربية الصوفية كفيلة بتسويغ كل ما لا يخطر على بال من الحماقات ، و التفاهات ، و الخرافات ، و الأساطير ...

و رحم الله من عرف قدره ، و لا حول و لا قوة إلا بالله ، و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا أله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك ، و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا و نبينا وقائدنا و إمامنا ، يوم يدعى كل أناس بإمامهم ، محمد ، و آله ، و صحبه أجمعين .


تطوان مساء الثلاثاء 28 ذي القعدة 1427 هـ .

و كتب: أبو أويس محمد بوخبزة الحسني

عفي عنه