المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية

من كتاب: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

فصل: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية

 

وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه في المنهج.
المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين.

(1/573)

المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي أتباعه في المنهج
أولا ـ مصادر التلقي عند كل منهما:
لقد تقدم أن منهج الإمام أبي حنيفة في تلقّي العقيدة ينحصر في الأسس التالية:
ـ الشرع “الكتاب والسنة”.
ـ الفطرة.
فالكتاب والسنة هما الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة حيث أن نصوص الشرع هي العمدة والأصل، ومن هنا يجب تقديمهما على أي كائن مهما من كان.
فالكتاب والسنة هما دليلا الإمام أبي حنيفة غير متجاوز عنهما؛ لأن تجاوزهما قولٌ على الله بغير علم، وتقديم بين يدي الله ورسوله. ومن هنا فلا يوجد في كلام أبي حنيفة أي آية من كتاب الله قد عارضتها العقول. أو أن شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عارضه المعقول. بل لا نجد في كلامه أن الأدلة العقلية قاطعة لا تقبل التأويل ومقدمة على الأدلة السمعية، لأن

(1/575)

ظواهر نصوص الشرع ظنية غير قطعية، كما أنه لم يقل إن أخبار الآحاد الصحيحة لا تثبت بها العقيدة.
بل يظهر من صنيع الإمام أبي حنيفة الاستدلال بخبر الآحاد كما سبق الكلام عليه، بل إنه قد استدل في جوانب من العقيدة بأخبار الآحاد ومنه حديث الجارية.
وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. فقد قرر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: “وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين بأهوائنا” 1.
وقال محمد بن الحسن: ” اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عزَّ وجلَّ … “2.
وقال في مثل حديث النزول وغيره: “”هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها” 3.
__________
1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 26، 27.
2 أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/432-433.
من طريق سليمان بن داود بن طلحة عن عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي.
وأورده شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/4-5.
والذهبي في العلو ص113.
قال شيخ الإسلام: “ثبت عن محمد بن الحسن”.
3 أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/433.
وابن قدامة في إثبات العلو ص170، ط مكتبة العلوم والحكم، والذهبي في العلو ص113.
جميعهم من طريق أبي عمرو بن وهب عن شداد بن حكيم. =

(1/576)

وكذا قال: “نؤمن بالله، وبما جاء من عند الله على ما أراد الله وعلى ما أراد به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نشتغل بكيفية مراد الله تعالى وبما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم” 1.
وقال أبو يوسف: ” القرآن كلام الله من قال كيف؟ ولم؟ وتعاطى مراءً ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط المبرح” 2.
وبالمقارنة بين منهج الإمام أبي حنيفة في مصادر التلقي ومنهج الماتريدية لأبي منصور وأتباعه؛ نجد أن هناك تباعدا واضحا، فإنهم يرون أن مصدر التلقي الأول في معظم أبواب التوحيد هو العقل دون النقل 3؛ لأن الأدلة العقلية عندهم قطعية 4، أما السمعية فهي ظواهر ظنية 5.
__________
= قال الألباني في مختصر العلو ص59:
“أخرجه اللالكائي في السنة … وعمرو بن وهب إن كان الطائفي فمجهول الحال وإن كان القرشي فقال ابن أبي حاتم 3/1/266” عن أبيه: “هو مضطرب الحديث”
1 بحر الكلام ص26.
2 فضائل الإمام أبي حنيفة وأصحابه لابن أبي العوام “”ق-164/ب.
3 قسمت الماتريدية أصول الدين بحسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات، فما سموه عقليات فمصدر التلقي عندهم هو العقل والعقل أصل والنقل تابع معارض له، وهذا جار في معظم أبواب التوحيد والصفات.
وما سموه سمعيات فمصدر التلقي عندهم هو النقل والعقل تابع له كعذاب القبر والصراط والميزان وأحوال الآخرة. انظر على سبيل المثال أحد كتبهم وهو المسايرة مع شرحها المسامرة. فمن أول الكتاب إلى ص249 عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.
وانظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني من أول الكتاب إلى ص98 عقليات ثم بعد ذلك سمعيات.
4 انظر إشارات المرام ص189-199؛ وشرح العقائد النسفية ص5، 42؛ ونشر الطوالع ص228؛ وشرح المواقف 8/24.
5 انظر حاشية عبد الحكيم على الخيالي ص184 مع المصادر المذكورة في الفقرة السابقة.

(1/577)

وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية لأنها قطعية، وتؤوّل الأدلة السمعية لأنها ظنية 1.
قال الزبيدي: “وهو أن الشرع إنما ثبت بالعقل … فلو أتى الشرع بما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا. إذا تقرر هذا فنقول كل لفظ يرد في الشرع … وهو مخالف للعقل … إما أن يتواتر أو ينقل آحادا. والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل؛ قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد … وإن كان متواترا فلا يتصور نص متواتر لا يحتمل التأويل بل لا بد أن يكون ظاهرا … ” 2. والقاعدة عندهم أن كل نص إذا أخبر به الصادق وهو أمر ممكن ولم يكن مخالفا فلا يؤوّل كالبعث والنشر ونعيم الجنة وعذاب النار. أما إذا كان النص دالا على أمر محال مخالف للعقل؛ فلا بد من تأويله، كعلو الله تعالى, واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر 3. ويقولون: إن النصوص إذا كانت خلاف العقل، فإن كانت متواترة فهي، وإن كانت قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة؛ فالعقل مقدم عليها، فلذلك الأدلة النقلية تؤوَّل أو تفوَّض”.
__________
1 إشارات المرام ص199؛ وشرح العقائد النسفية ص42؛ ونشر الطوالع ص228، 229؛ والمسايرة ص33، 35.
2 شرح الإحياء للزبيدي الحنفي الماتريدي 2/105-106. وانظر أصل هذا القانون الكلي في تبصرة الأدلة ص54؛ والنور اللامع ص80-81خ.
وراجع أيضا شرح المقاصد للتفتازاني 2/50؛ والطبعة التركية. وانظر شرح المواقف للجرجاني 2/56-57.
3 انظر النبراس في شرح العقائد النسفية ص316-317.

(1/578)

أما الأدلة العقلية فلا تأويل لها بل تأويلها محال 1.
فالحاصل أن منهج الماتريدية في نصوص الوحي منهج فاسد باطل؛ لأنه صريح في أن العقل أصل. والشرع فرع، لأن نصوص الشرع إذا كانت مخالفة لعقولهم فهم إما أن يردوها أو يؤولوها أو يفوِّضوها، لذلك أوّلوا نصوص كثير من الصفات. وأبقوا نصوص المعاد على ظواهرها، فلو كانت نصوص المعاد عندهم مخالفة لعقولهم لأوّلوها. وهذا كما ترى انحراف عن الطريق المستقيم.
فالواجب على كل مسلم أن يجعل ما قال الله ورسوله هو الأصل والعمدة فيسلم بنصوصهما، وينقاد لهما ولا يعترض عليهما، ولا يعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.
قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: “ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام” 2.
وقال أبو المظفر السمعاني: “اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع. ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء
__________
1 انظر شرح العقائد النسفية ص5، 42؛ وشرح المواقف 8/24، 110، 111؛ وإشارات المرام ص189-199؛ وشرح الإحياء 2/105-106؛ ونشر الطوالع ص238.
2 شرح العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 27.

(1/579)

ما شاء. ولو كان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا”.1
وقال الشاطبي: “إن الشريعة بنيت على أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} “سورة الإسراء: الآية15”.
وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} “سورة النساء: الآية59”.
وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ} “سورة الأنعام: الآية57″.
وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسِّن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس منه” 2.
وقال ابن أبي العز: “وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه بل قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} “سورة الأعراف: الآية12”.
وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} “سورة النساء: الآية80”.
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} “سورة آل عمران: الآية31”.
__________
1 صون المنطق ص182 عن السمعاني.
2 الاعتصام 1/45.

(1/580)

وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} “سورة النساء: الآية65″.
أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما” 1.
لكن ليس معنى ذلك أن السلف يرفضون العقل 2 ويهملونه، بل يعملونه في عالم الشهادة لا في عالم الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكما شرعيا، فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما:
الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهدا أو مؤيدا ومصدقا فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع. وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
قال ابن تيمية: ” إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع.
فإنه سبحانه وتعالى بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه، ودلهم عليه، كما بين أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه، فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:
__________
1 شرح العقيدة الطحاوية ص190، 191.
2 العقل عند السلف آلة التمييز والإدراك والعلم والعمل.

(1/581)

من جهة أن الشارع أخبر بها.
ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير هذا الموضع، وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا” 1.
الحالة الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا، فحكم العقل إذا جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا: “إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول”.
أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه، وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع.
ثانيا: حكم تأويل النقل:
إذا كان الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة هو تقديم النص الشرعي على ما سواه، فمن الطبيعي عنده رفض التأويل الكلامي ـ الذي هو في الواقع تحريف ـ وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يراه العقل، وقد تقدمت نصوص أبي حنيفة في ذلك ولا بأس أن أذكر واحدا منها وهو قوله: “ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال” 2.
__________
1 مجموع الفتاوى “3/ص أبعد ص88”.
2 الفقه الأكبر ص302.

(1/582)

فاعتبر تأويل صفة اليد بالقدرة أو النعمة يؤدي إلى تعطيل النصوص الدالة على هذه الصفة عن دلالتها على المعنى المسوق لأجله، فإذا حملت على خلاف ذلك بتأويلها كان ذلك نفيا للمعنى الذي جاءت من أجله وإثباتا لمعنى آخر لم تدل عليه النصوص لا نصا ولا ظاهرا. ولذلك صرح الإمام أبو حنيفة: “فيه إبطال الصفة” ومن هنا فلا داعي لتأويل هذه الصفة وغيرها بصرفها عن ظاهرها.
وهكذا كان الإمام أبو حنيفة ملتزما بمنهجه أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤول اليد بالقدرة أو النعمة 1، والرضا بالثواب 2، والغضب بالعقاب 3.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد صرّح الإمام أبو حنيفة أن تأويل الصفات كما هو تعطيل، كذلك خارج عن مذهب أهل السنة، بل هو مذهب الجهمية، دل على ذلك قوله: “وهو مذهب أهل القدر والاعتزال” 4.
وكذا لا يوجد في كلام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في نصوص الإمام أبي حنيفة تفويض مقيّد بنفي علم الكيفية فقط لا المعنى.
__________
1 الفقه الأكبر ص302.
2 الفقه الأبسط ص56.
3 الفقه الأبسط ص56. وهكذا في جميع نسخ الفقه الأبسط حتى بتحقيق الكوثري، ولكن طبع الفقه الأبسط حديثا في باكستان فحرّف محقّقها نص الإمام أبي حنيفة فصار مؤدّاه تأويل الرضا بالثواب والغضب بالعقاب، نعوذ بالله من شر المحرفين.
4 الفقه الأكبر ص302.

(1/583)

ومن جملة تلك النصوص الدالة على هذا قوله عن صفة النزول: “ينزل بلا كيف” 1.
وقوله عن صفة الوجه واليد: “وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف” 2.
وقوله عن صفة الغضب والرضا: “لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف” 3.
فيتبين لنا مما سبق أن عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصفات تتركز حول الإيمان بما ثبت من النصوص؛ حيث يؤمن بمعناها كما جاءت دون زيادة حرف أو نقصانه، مع إرجاع العلم بكيفيتها وحقيقتها إلى الله تعالى، لأن الكيف والحقيقة من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وليس للعقل مجال في بحثها، والخوض فيها، لأن العقول قاصرة عن إدراك كيفية تلك الصفات، فإذا كان الإمام أبو حنيفة رفض التأويل والتفويض المطلق، فما موقف الماتريدية من ذلك؟ وهل وافقوا الإمام أبا حنيفة؟ أم خالفوه؟.
والجواب عن هذا أن الماتريدية خالفوا الإمام أبا حنيفة فقالوا بالتفويض تارة تفويضا مطلقا، بل صرح أبو منصور الماتريدي أن آيات
__________
1 كره الإمام الصابوني عن الأستاذ أبي منصور بن حمشاد في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، والبيهقي في الأسماء والصفات ص456، وسكت عليه الكوثري، ونقله الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص245، بتخريج الألباني، والقاري في شرح الفقه الأكبر ص60.
2 الفقه الأكبر مع شرحه للقاري ص58، 59؛ وشرح أبي المنتهى ص13، 14، وإشارات المرام ص187، 192.
3 الفقه الأبسط ص56، ونقله البياضي في إشارات المرام ص187.

(1/584)

الصفات كالحروف المقطّعة مثل آلم، آلمص وفي هذا يقول: “في الحقيقة إنها تحتمل وجوها:
أحدها: أن نصفه بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أنه لا يشبه على ما ذكر من الفعل فيه بغيره، … وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أمر السمع والتنزيل على ما أراد الله” 1.
ويرى أنه يمتحن المرء بالوقوف حول نصوص الصفات، كما يمتحن بالوقوف حول الحروف المقطعة 2.
ويقول: وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} “سورة الشورى: الآية11″.
… فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل … ونؤمن بما أراد الله به وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك. يجب نفي الشبهة عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيءٍ” 3.
وتارة يقول بالتأويل. وفي هذا يقول أبو منصور الماتريدي:”والثاني أن يمكن فيه معان تخرج الكلام مخرج الاختصار والاكتفاء بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان وذلك نحو قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} “سورة الفجر: الآية22”. أي بالملك.
وذلك كقوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} “سورة المائدة: الآية24”.
__________
1 تأويلات أهل السنة 1/84 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة.
2 كتاب التوحيد للماتريدي ص74، 75.
3 كتاب التوحيد للماتريدي ص74.

(1/585)

أي بربك “فقاتلا” إذ معلوم أنه يقاتل بربه ففهم منه ذلك … ” 1.
ويقول: “قد يفهم من الشاهد من على ومن العرش ومن الاستواء معان مختلفة، لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغا” 2.
ويعني بأوحش الوجوه ما تدلّ عليه النصوص من إثبات صفة الاستواء فالإثبات عنده من أوحش الوجوه لأن ذلك يستلزم التشبيه، والله منزه عن ذلك.
لذا يرى صرف تلك النصوص بنوع من التأويل والمجاز إلى أحسن الوجوه ـ وهو في الحقيقة تحريف ومن أقبح الوجوه ـ وقد طبّق الماتريدي منهجه هذا، فقد أوّل نصوصا من الصفات إلى معانٍ توافق قاعدته، فأول صفة الاستواء إلى الاستيلاء والتمام 3، والعلو إلى علو المرتبة وعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء 4.
ويرد استدلال الإمام أبي حنيفة وغيره من السلف بنصوص الاستواء وبرفع الأيدي إلى السماء وقت الدعاء ويحرفه إلى أن المراد في رفع الأيدي إلى السماء أن السماء قبلة للدعاء تعبدا كتوجه المصلي إلى الكعبة وقت الصلاة 5.
ومن هنا علم يقينا أن أبا منصور الماتريدي لم يلتق مع الإمام أبي حنيفة في رفضه للتأويل مما يؤكد
عدم توافقهما. فالإمام أبو حنيفة ظلَّ
__________
1 تأويلات أهل السنة 1/84.
2 كتاب التوحيد للماتريدي ص74.
3 كتاب التوحيد ص70، 71، 73، 74.
4 كتاب التوحيد ص70، 71.
5 كتاب التوحيد ص73، 75، 76.

(1/586)

وفيًا للنصوص دون تأويل ظاهرها، أو تحريف لها عن معانيها. وهو يرفض التأويل ويمنعه كما تقدّم ذكره، بينما أبو منصور الماتريدي يدعو إلى التأويل أو التفويض لوحشة الإثبات عنده والله المستعان.
ثالثا ـ علم الكلام بين القبول والرفض:
موقف أبي حنيفة من علم الكلام:
يقوم علم الكلام على دعامتين أساسيتين هما اتخاذ العقل أساسا ـ ومن هنا يوجبون تقديمه على النقل ـ والجدل.
ومن الطبيعي أن يرفض الإمام أبو حنيفة علم الكلام بعد ما تضلع فيه؛ حيث أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة خاصة؛ ومن هنا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ينهيان عن الجدل وطلب الدين بالكلام.
ولا بأس أن أذكر نصا واحدا.
قال أبو حنيفة لأحد أصحابه لما سأله عن العَرَض قال: “”مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة” 1.
لذا قال محمد بن الحسن: “كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام” 2.
ويقول في هذا ابن خزيمة: ” … أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف … ينهون عن الخوض فيه ـ يعني الكلام ـ ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة” 3.
__________
1 ذم الكلام “ق194/ب”.
2 ذم الكلام “ق196/ب”.
3 ذم الكلام “ق233/ب” عن ابن خزيمة.

(1/587)

وقال البزدوي: “ونحن نتبع أبا حنيفة فإنه إمامنا … وإنه كان يجوِّز تعليمه وتعلّمه والتصنيف فيه ولكن في آخر عمره امتنع عن المناظرة فيه ونهى أصحابه عن المناظرة فيه” 1.
وقد يتثبّت بعض من يشتغل بعلم الكلام من الحنفية في الفرار عن أقوال أبي حنيفة في ذم الكلام، بأن مراد أبي حنيفة وكل من ذمّ علم الكلام من السلف هو علم الكلام المذموم الذي كان عليه الجهمية والمعتزلة، أما علم الكلام الذي ينتحلونه فلا يدخل تحت ذلك الذم لأنه علم كلام محمود 2.
والجواب عن هذا الإشكال أن علم الكلام كله مذموم ليس فيه حسن وسيّء. ومثل هذه الشبهة مثل من قسم البدعة إلى حسنة وسيئة.
والبرهان على ذلك أن علم الكلام الذي ذمه السلف وذم المشتغلين به ذما شديدا هو علم الكلام الذي من نتيجته وثمرته نفي صفات الله.
كالعلو، والاستواء، والنزول، والقول بخلق القرآن، والقول بالكلام النفسي، والقول بتقديم العقل على النقل. وهذا كله موجود عند كثير من الماتريدية والأشاعرة.
قال الإمام أحمد: “لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود” 3.
__________
1 أصول الدين للبزدوي ص4.
2 انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص7؛ وشرح الإحياء للزبيدي 2/52، 53.
3 درء تعارض العقل والنقل 7/155.

(1/588)

وقال ابن القيم: “قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم هو هذه الطرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن، وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا بقضايا متضمنة بالكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصريح المعقول” 1.
فلا شك أن ما هم عليه داخل في علم الكلام المذموم الذي ذمه أبو حنيفة والسلف.
لذا يقول شيخ الإسلام في معاصريه من المتكلمين: “وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا” 2.
ويقول فيهم: “يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات” 3.
__________
1 الصواعق المرسلة 4/1266-1267.
2 شرح حديث النزول ص163.
ومجموع الفتاوى 5/33، 44.
وجامع الرسائل 2/33.
3 شرح حديث النزول ص196.
ومجموع الفتاوى 3/9.
ودرء تعارض العقل والنقل 1/218.
والتدمرية ص19.

(1/589)

موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام:
أما موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام فهو على خلاف منهج أبي حنيفة فقد توغّلوا في علم الكلام واعتقدوا أنه هو العلم الحق بل هو أشرف العلوم وأعلاها، لأنه منجٍ من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام 1.
وإليك شواهد تصدق ما قلناه.
1- إن الإمام الماتريدي ألّف كتابا في التوحيد وهو مطبوع متداول، وكل من نظر فيه عرف أنه كتاب الفلسفة والمنطق والكلام. وهو مكتظ بتعطيل الصفات وتحريف نصوصها فهو ليس كتاب توحيد في الحقيقة بل كتاب تعطيل للنصوص الشرعية. وهو شاهد عدل على ما قلناه.
2- إن الإمام أبا منصور الماتريدي، لأجل توغّله في علم الكلام ألّف في تفسير القرآن كتابا بعنوان: “تأويلات أهل السنة”، والناظر فيه يعرف بسهولة أنه مكتظ بعلم الكلام وتعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها فهو حري بأن يسمى “تأويلات أهل البدع”؛ لأن تأويل الصفات ليس بمذهب السلف في شيء لا الإمام أبو حنيفة ولا غيره من الأئمة.
3- أن هناك جما غفيرا من الماتريدية أفنوا أعمارهم وأنهكوا قواهم في علم الكلام درسا وتدريسا أمثال أبي اليسر البزدوي وأبي المعين النسفي ونور الدين الصابوني ونجم الدين النسفي وحافظ الدين النسفي والتفتازاني والجرجاني وكمال الدين البياضي وعبد العزيز الفهريهاري كل هؤلاء يعظمون علم الكلام ويرونه أساسا للدين.
__________
1 انظر شرح العقائد النفسية ص2، 3.

(1/590)

4- إنهم أثنوا وبجّلوا علم الكلام في مقدمات كتبهم وإليك نصا واحدا على سبيل المثال:
قال التفتازاني شارح العقيدة النسفية: “فإن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد ـ الإسلام هو علم التوحيد والصفات الموسوم “بالكلام” المنجي من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام” 1.
ومن هنا علمنا يقينا أن الماتريدية لم يلتقوا مع الإمام في ـ رفضه علم الكلام بل نجد أنهم توغّلوا في علم الكلام ولم يسلكوا طريقا غيره. وهكذا بمقارنة منهج الماتريدي وأتباعه بمنهج أبي حنيفة وجدنا أن أبا حنيفة سلفي يثبت ما تدلّ عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يبتعد عنهما أو يتجاوزهما برأي أو تأويل، ولم يعطل النصوص أو يهملهما، بل كان إعماله لها حتى ولو استوحشتها أسماع أهل الكلام، بينما يظهر لنا بعد الماتريدي وأتباعه عن منهج الإمام أبي حنيفة، حيث جعلوا العقل أصلا، وقدّموه على الشرع، وصرفوا النصوص الشرعية بتأويلاتهم العقلية المحتملة، واتخذوا علم الكلام مطية ذلك.
ومن هنا كان الخلاف بين المنهجين واضحا وإذا كان الأمر هكذا في المنهج فماذا عن التطبيق؟
هذا ما سأتناوله في الفقرة التالية إن شاء الله.
__________
1 شرح العقائد النسفية ص2، 3.

(1/591)

المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين
أولا ـ الاستدلال على وجدود الله:
يتضح مما سبق أنا أبا حنيفة سلط طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق، مستغنيا بها عن أدلة المتكلمين من معاصريه ومناهجهم. ورأينا كيف كان تطبيقه لهذا المنهج في الاستدلال على وجود الله؛ حيث استدل بالفطرة السليمة المضطرة بطبعها إلى الإقرار بوجود الله تعالى، والاعتراف بالخالق، وإن طرأ فساد على هذه الطريقة فقد يزول بالتذكير والتعليم والإرشاد. ومن هنا كانت مهمة الأنبياء والدعاة إلى الله الدعوة والتذكير والإرشاد.
وترتكز دلالة الفطرة عند الإمام أبي حنيفة على نوعي الآيات في الأنفس والآفاق.
قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} “سورة فصلت: الآية53”.
فالتفكر في ملكوت السموات والأرض وفي الأنفس هو الطريق إلى الاستدلال على الخالق بالمخلوق.

(1/592)

وقال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} “سورة الذاريات: الآية21”.
وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} “سورة الطارق: الآيات من5-7”.
وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً} “سورة عبس: الآيات24-26”.
فهذه النصوص الشرعية تثبّت العقيدة في النفوس عن طريق مخاطبة الفطرة وبهذا يمكن الاستغناء بها عن الطرق الكلامية الغامضة.
هذا ملخص لمنهج الإمام أبي حنيفة للاستدلال على وجود الله.
أما أبو منصور الماتريدي فقد استدل على وجود الله بالآتي:
طريقة الحدوث:
من أشهر أدلة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله دليل الحدوث وهو إثبات حدوث العالم، وذلك أن العالم عندهم جواهر وأعراض، والجواهر لا تنفك عن الأعراض، والأعراض حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، فالعلم إذن حادث.
قال أبو منصور الماتريدي: “الأعيان حادثة بشهادة الخبر والحس والعقل … فأما الخبر فما ثبت عن الله تعالى من وجه يعجز البشر عن دليل مثله لأحد إنه أخبر أنه خالق كل شيء وبديع السموات والأرض وأن له ملك ما فيهن … وعلم الحس وهو أن كل عين من الأعيان يحس محاط بالضرورة مبنىً1 بالحاجة والقدم هو شرط الغنى، لأنه يستغني بقدمه عن
__________
1 قال محقق الكتاب في الحاشية غير منقوطة في الأصل ويظهر والله أعلم أن الصواب “منبئ”.

(1/593)

غيره والضرورة والحاجة يحوجانه إلى غيره فلزم به حدثه … وعلى ذلك طريق علم الاستدلال مع أنه لا يخلو الجسم من حركة أو سكون وليس لهما الاجتماع فيزول من جملة أوقاته نصف الحركة ونصف السكون وكل ذي نصف متناه على أنهما إذ لا يجتمعان في القدم؛ لزم حدوث أحد الوجهين ويبطلانه أن يكون محدثا في الأزل لزم في الآخر وفي ذلك حدث ما لا يخلو عنه … ودليل آخر أن العالم لا يخلو من أن يكون قديما على ما عليه أحواله من اجتماع وتفرق بحركة وسكون وخبيث وطيب وحسن وقبيح وزيادة ونقصان وهن حوداث بالحس والعقل إذ لا يجوز اجتماع الضدين، فثبت التعاقب وفيه الحدث وجميع الحوادث تحت الكون بعد إن لم تكن فكذلك ما لا يخلو عنها ولا يسبقها أو كان إنشاء عن أصل لا بهذه الصفة أو انتقل إليها باعتراضها فيه فإن كان كذلك ثبت أن هذا العلم حادث”1.
فإذا ثبت حدوث الأجسام، فالأجسام لا تجتمع ولا تفترق بنفسها، ولا هي قادرة على إصلاح ما فسد في حال قوتها وكمالها، وإذا كانت الطبائع المتضادة المتنافرة لا تجتمع بنفسها؛ فلا بد من قاهر يقهرها على غير طبعها وهو الله 2.
فيتضح مما سبق أن الماتريدي يستدل على وجود الخالق بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض وهي طريقة عقيمة تقوم على مقدمات غامضة بعيدة، إذ لا بد لهم لتحقيق هذه الطريقة من أمور سبعة:
__________
1- إثبات الأعراض.
2- إثبات لزومها للجسم.
1 كتاب التوحيد ص11-13 بتصرف.
2 انظر كتاب التوحيد ص17-19 بتصرف.

(1/594)

3- إبطال حوادث لا أول لها.
4- إلزام حوادث لا نهاية لها.
5- إثبات الجوهر الفرد.
6- إلزام كون العرض لا يبقى زمانين.
7- إثبات تماثل الأجسام. 1
ومعلوم أن إثبات هذه المقدمات كلها تعتمد على مباحث طويلة وإبطال الشبهات حولها دونها خرط القتاد فكيف يكون مثل هذه المقدمات الخفية الصعبة على الأفهام دليلا على ما هو أوضح من كل شيء 2.
فإثبات وجود الله لا يحتاج إلى أمثال هذه المقدمات الخفية البعيدة عن الأفهام بل الله سبحانه وتعالى دليل على كل شيء، وعلى هذا فطر بني آدم، إذ وجوده أوضح لدى الفطر من الشمس في رابعة النهار ولنعم ما قال القائل:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل 3
وأعظم ما في طرقهم من الفساد أن الأدلة التي أقاموها على إثبات وجود الله هي في الحقيقة أدلة على نفي وجود الله بل على امتناعه 4.
__________
1 انظر مختصر الصواعق: ص1 ط/مكتبة الرياض الحديثة، وص128 ط/ دار الندوة الجديدة.
2 راجع مناهج الأدلة لابن رشد ص135-137؛ ومفتاح دار السعادة 2/199-200، ط/ دار الكتب العلمية.
3 مدارج السالكين 1/71؛ والصواعق المرسلة 4/1221.
4 راجع رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل 2/32؛ وضمن مجموع الفتاوى 6/239؛ والصواعق المرسلة ص962-988ح ومختصر الصواعق 1/196-201، ط/ دار الرياض الحديثة، وص126-130، ط/ دار الندوة الجديدة.

(1/595)

ومن أعظم ما يدل على فساد هذه الطريقة أنها هي التي نفيت بها الأفعال الاختيارية، بل نفت الجهمية عن الله سائر صفاته، وهي ثابتة بالسمع والعقل، فأسماؤه وصفاته حق، وكل ما يدل على نفي الحق فهو باطل قال ابن القيم: “فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل، وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام، وضارب بلا ضرب، وعالم بلا علم، وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما، ولو كان جسما لكان حادثا، فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطّلوا صفاته وأفعاله” 1.
وكذلك يستدل أبو منصور الماتريدي بدليل آخر هو:
ما في العالم من حكم عجيبة ونظام دقيق وتناسق بديع وكل هذا يدل على أن للعالم خالقا مدبرا حكيما 2.
ومن هنا يتفق مع الإمام أبي حنيفة في الاستدلال بالمخلوق على الخالق ويختلف معه في الاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض.
ثانيا ـ التوحيد
ويتناول أنواع التوحيد وأول واجب على المكلف.
“أ” أنواع التوحيد:
التوحيد عند الإمام أبي حنيفة معروف بأقسامه وقد تقدم بيانه.
__________
1 مختصر الصواعق 1/199-200.
2 انظر كتاب التوحيد ص21-23، 29.

(1/596)

أما عند الماتريدية فالتوحيد أنواع ثلاثة:
1- توحيد الذات فالله لا قسيم له أي لا يتبعض ولا يتجزأ 1.
2- وتوحيد في الصفات فالله لا شبيه له.
3- وتوحيد في الأفعال والصنع فالله لا شريك له.
وفي ذلك يقول الملا علي القاري: “واحد في ذاته واحد في صفاته وخالق لمصنوعاته” 2.
ويقول البابرتي: “وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد في أفعاله لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له ولا تركيب فيه، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها” 3.
ويقول الغنيمي الحنفي: “الواحد صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع:
الأول: الوحدة في الذات، والمراد بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام.
والثاني: الوحدة في الصفات والمراد بها انتفاء النظير عن ذاته في كل صفة من صفاته.
والثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده باختراع جميع الكائنات” 4.
__________
1 انظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص39.
2 ضوء المعاني ص13.
3 شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص29.
4 شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص48.

(1/597)

ولا يخفى أن من تدبر في توحيد الماتريدية يتبين له ما يلي:
أولا: إنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتموا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه وإنزال الكتب وإرسال الرسل كما تقدم بيانه.
ثانيا: اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه فطري لم يختلف فيه أهل الملل والنحل.
ثالثا: قصدهم بتوحيد الذات أن الله لا يتجزأ ولا يتبعض بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد 1.
وهذا حق، لكنهم أدخلوا فيه نفي كثير من الصفات كالوجه واليدين، وأدخلوا فيه نفي علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه. فهم يظنون أنه لو ثبت لله هذه الصفات لكان الله مركبا مبعضا. فكلامهم هذا من قبيل كلمة حق أريد بها باطل.
“ب” أول واجب على المكلف:
أول واجب على المكلف عند السلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
أما الماتريدية فقالوا: إن أول واجب على المكلف النظر والاستدلال المؤدي إلى المعرفة بالله، وأن معرفة الله 2 واجبة بالعقل، ولو لم يكن الشرع 3، وهم مقلدون في هذا المعتزلة.
__________
1 مجموع الفتاوى 3/100.
2 إشارات المرام ص84؛ وضوء المعاني ص89؛ وشرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص30.
3 إشارات المرام ص563؛ ونظم الفرائدص35؛ وشرح الإحياء 2/190-193

(1/598)

يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: “فاعلم أن الأدلة أربعة: حجة العقل، والكتاب والسنة، والإجماع، ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل” 1، وقال: “إن سأل سائل فقال: ما أول واجب أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشهادة فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر” 2.
فقولهم: إن أول واجب هو النظر مخالف للصواب، فالقرآن ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه أمر العباد 3 بالنظر في خلق السموات والأرض.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} “سورة الروم: الآية8”.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدْع أحدا من الخلق إلى النظر ابتداء ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دلهم إليه الشهادتان 4 وبذلك أمر أصحابه، من ذلك قوله لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: “إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … ” 5.
قال ابن المنذر: “أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن
__________
1 شرح الأصول الخمسة ص88.
2شرح الأصول الخمسة ص39.
3 انظر درء تعارض العقل والنقل 8/8.
4 انظر درء تعارض العقل والنقل 8/6.
5 تقدم تخريجه ص210.

(1/599)

الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام ـ وهو بالغ صحيح يعقل ـ فإنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر، كان مرتدا”.1
وشهادة أن لا إله إلا الله هي أول واجب في الشرائع، فكل نبي يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ” “سورة هود: الآية 61”.
وقال عن جميعهم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} “سورة النحل: الآية36”.
ثالثا ـ الصفات:
تقدم الكلام على عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصفات الذاتية منها والفعلية، فأثبت جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة؛ إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل. أما الإثبات عند الماتريدي وأتباعه فإنهم قد ضيّقوا دائرته، وتظاهروا بإثبات ثماني صفات فقط هي: “الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين”2.
ولكن الحقيقة أنهم لم يثبتوا تلك الصفات الثماني كلها بل أثبتوا بعضها ونفوا بعضها.
أما صفتا السمع والبصر فعامتهم يثبتونهما، وبعضهم يرجعهما إلى غيرهما 3.
__________
1 درء تعارض العقل والنقل 8/7.
2 إشارات المرام ص107، 114.
3 كابن الهمام في المسايرة ص69، إذ أرجعهما إلى صفة العلم.

(1/600)

وأما إثباتهم 1 لصفة الإرادة فليس كإثبات أبي حنيفة والسلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بالشرع ولا بالعقل بل هو مخالف للشرع والعقل، فإنه ليس في الكتاب والسنة ما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه” 2.
أما صفة الكلام فقد تظاهروا بإثباتها، ولكنهم في الحقيقة من أشدّ الناس تعطيلا لها، وتحريفا لنصوصها؛ لأنهم لم يثبتوا الكلام الذي دلّ عليه الدليل من الكتاب والسنة، بل أثبتوا لله سبحانه وتعالى ما يسمونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع وليس بحرف ولا صوت 3.
بل ليس إلا صفة للأخرس فلا يعرف هذا ـ أي الكلام النفسي ـ وأول من أحدثه ابن كلاب ثم تبعه الماتريدية والأشعرية 4. أما صفة التكوين فهي عندهم مرجع لجميع الصفات الفعلية المتعدّية؛ كالإحياء والإماتة والتخليق وهي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. فهم وإن تظاهروا بإثبات هذه الصفة لكنهم في الحقيقة لا يعتبرونها صفة حقيقية لله
__________
1 قال شارح العقيدة النسفية: “أمر وناهٍ ومخبر يعني أنه صفةٌ واحدة تتكثّر بالنسبة إلى الأمر والنهي والخبر باختلاف التعلقات كالعلم والقدرة وسائر الصفات فإن كلا منها واحدة قديمة والتكثّر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات كما أن ذلك أليق بكمال التوحيد” شرح العقائد النسفية ص55-56.
2 درء تعارض العقل والنقل 8/283.
3 انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص58-59؛ وتبصرة الأدلة 118/ب؛ والبداية من الكافية ص60-61؛والعقائد النسفية ص53-58؛ وأصول الدين للبزدوي ص61؛ وإشارات المرام ص138-139؛ وبحر الكلام ص29-30.
4 انظر المواقف ص293؛ والإنصاف 96-97؛ والإرشاد ص128-137.

(1/601)

تعالى؛ لأنهم يزعمون أن الصفات الفعلية ليست قائمة بالله فرارا عن حلول الحوادث به 1.
فالحاصل أن الماتريدية لا يثبتون من الصفات الثبوتية إلا صفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والتكوين على اضطراب في بعضها واختلاف في بعضها، أما ما عداها فهم يعطلونها مثل صفة الوجه واليدين والاستواء والنزول والغضب والرضا والمحبة، والكلام، والعلو.
فعطلوا صفة الوجه، وصرفوا نصوصها إلى الذات 2 والوجود 3، وعطلوا صفة اليدين وصرفوا نصوصها إلى كمال القدرة 4 أو الملك والمنة 5.
وعطلوا صفة الاستواء وصرفوا نصوصها إلى الاستيلاء 6، وعطلوا صفة النزول وصرفوا نصوصها إلى اللطف والرحمة 7.
وعطلوا صفة الغضب، وصرفوا نصوصها إلى الانتقام 8 أو إرادة الانتقام 9.
__________
1 انظر التمهيد ص28؛ والبداية للصابوني ص67-73؛ وشرح العقائد النسفية ص53، 63، 69؛ والمسايرة ص84، 85، 89؛ وإشارات المرام ص53، 212؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص22، 25؛ والنور اللامع ق48/ب.
2 انظر مدارك التنزيل للنسفي 2/670؛ وتفسير أبي السعود 7/28.
3 إشارات المرام ص189.
4 إشارات المرام ص189.
5 بحر الكلام ص20.
6 انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص72؛ وأصول الدين للبزدوي ص29، وإتحاف السادة المتقين 2/107-108.
7 شرح المواقف 8/25.
8 انظر عمدة القاري 25/115.
9 انظر مدارك التنزيل 1/6.

(1/602)

وعطلوا صفة الرضا، وصرفوا نصوصها إلى الثواب 1، وعطلوا صفة المحبة، وصرفوا نصوصها إلى إرادة الثواب 2، أو الرضا 3.
وعطلوا صفة الكلام التي هي الحق، وأثبتوا لله صفة الكلام النفسي التي هي الباطل4، وعطلوا صفة العلو ونفوها تماما، وأولوا نصوصها إلى علو الرتبة والمكانة 5.
رابعا ـ الإيمان:
مباحث الإيمان من الأمور التي اعتركت الآراء حولها قديما وحديثا، والماتريدية لهم موقف من الإيمان وافقوا في بعض نواحيه الإمام أبا حنيفة رحمه الله وخالفوه في بعضها، وإليك بيان ذلك:
“أ” الموافقات
اتفقت الماتردية مع أبي حنيفة في الأمور التالية:
أولا: إخراج العمل عن مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق 6.
__________
1 انظر شرح الفقه الأبسط لأبي الليث السمرقندي ص33.
2 انظر عمدة القاري 25/84، 155.
3 انظر مدارك التنزيل 1/209.
4 انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص58؛ والبداية للصابوني ص60-61؛ وإشارات المرام ص138-139؛ والمسايرة مع المسامرة ص82-83؛ ونشر الطوالع ص255؛ وضوء المعالي ص29؛ وأصول الدين لأبي اليسر البزدوي ص61؛ وتبصرة الأدلة 11/ب؛ والتمهيد 23-28، كلاهما لأبي المعين النسفي؛ والعمدة 7/أ-ب، لحافظ الدين النسفي،؛ والعقائد النسفية لعمر النسفي مع شرحها للتفتازاني 53-58؛ وبحر الكلام ص29.
5 شرح المواقف 8/24-25؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص171.
6 انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص332، 373، 377؛ والبداية للصابوني =

(1/603)

ثانيا: عدم زيادة الإيمان ونقصانه 1.
ثالثا: تحريم الاستثناء 2.
رابعا: عدم تكفير صاحب الكبيرة 3.
“ب” المخالفات
تقدم أن مفهوم الإيمان عند الإمام أبي حنيفة مركب من أمرين التصديق بالقلب، والإقرار باللسان. فالإقرار باللسان شطر من الإيمان وداخل فيه. أما الماتريدي وجمهور أتباعه 4 فقد جعلوا الإقرار باللسان خارجا عن حقيقة الإيمان، فالإيمان عندهم هو التصديق 5، غير أنهم
__________
= ص152؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص119؛ وأصول الدين للبزدوي ص153؛ وشرح المقاصد 6/176، والعمدة للنسفي ص17/1.
1 انظر أصول الدين للبزدوي ص153؛ وبحر الكلام للنسفي ص41-52؛ والبداية من الكفاية ص155؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص123-128؛ والعمدة للنسفي ص17/أ.
2 انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص388-392؛ والمسايرة ص381-385؛ والبحر الرائق 2/46؛ والبداية ص155؛ وشرح الفقه الأكبر ص208-212؛ وبحر الكلام ص40.
3 انظر كتاب التوحيد ص333-334؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص106-108؛ وبحر الكلام ص43-44.
4 وإنما قلت: “جمهور أتباعه” لأن بعض الماتريدية ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار. صرح بذلك التفتازاني في شرح المقاصد 5/176 الطبعة الجديدة؛ وشرح العقائد النسفية ص120، الطبعة الهندية؛ والمرعشي في نشر الطوالع ص374. وانظر أيضا أصول الدين للبزدوي ص146؛ والعقائد النسفية ص119-120؛ والمسايرة مع المسامرة ص332-333.
5 انظر بحر الكلام ص38-39؛ والمسايرة ص330-331؛ والتمهيد لأبي المعين النسفي ص26/ب؛ والبداية للصابوني ص119-123؛ وشرح المقاصد ص5/176، الطبعة الجديدة، كلاهما للتفتازاني؛ ونشر الطوالع ص373-374.

(1/604)

جعلوا الإقرار شرطا لإجراء الأحكام الدنيوية فقط 1.
وهذا النوع من الإرجاء الغالي.
خامسا ـ القدر
لم تختلف الماتريدية في مسائل القدر عن الإمام أبي حنيفة ولا عن بقية السلف وهذا من حسناتهم التي يشكرون عليها، وهم يثبتون أن الخير والشر من الله تعالى وإن كل ما يقع في الكون بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأن أفعال العباد من خير وشر، خلقُ الله تعالى، وأن للعباد أفعالا اختيارية يثابون عليها ويعاقبون عليها، وأن العبد مختار في أفعاله التكليفية وله قدرة عليها، وليس مجبورا بفعلها، فهو يفعل الخير والشر بقدرته التي منحه الله إياها. ولا شكّ أنه فرّق بين حركة المرتعش والباطش فالأول بدون اختياره والثاني على اختياره. وصرّحوا بأن أفعال العباد خلق الله وبكسبهم واختيارهم وقدرتهم وإرادتهم، ومن أحسن من حرّر هذا الموضوع عمر النسفي أحد أئمة الماتريدية وفصّله التفتازاني شارحا لكلامه، حيث قال: “والله تعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان لا كما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله”.
وقال: “وهي أفعال العباد كلها ومشيئته تعالى وتقدس … وحكمه وقضيّته أي قضاءه … وتقديره وهو تحديد كل مخلوق بحدّه الذي
__________
1 شرح الضوء اللامع ص19-20؛ والتمهيد لأبي المعين النسفي ص26/ب؛ والعمدة، لحافظ الدين النسفي ص17/أ؛ وشرح العقائد النسفية ص121؛ وشرح المقاصد ص5/178-179؛ الطبعة الجديدة كلاهما للتفتازاني، والمسايرة مع المسامرة ص334؛ ونشر الطوالع ص374-375؛ والجوهرة المنيفة ص3؛ ومختصر شرح الطحاوية للشيخ يونس الخالص الأفغاني ص9.

(1/605)

يوجد من حسن وقبح ونفع وضرر وما يحويه من زمان أو مكان وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب”.
وقال: “وللعباد أفعلا اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة، ويعاقبون عليها إن كانت معصية، لا كما زعمت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة عليها ولا قصد ولا اختيار، وهذا باطل لأنا نفرّق بالضرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش، ونعلم أن الأول باختياره دون الثاني إلى آخر ما قالاه1.
سادسا ـ النبوات:
يظهر للباحث في كتب الماتريدية أن مذهبهم في النبوة: أنها ليست راجعة للمشيئة المحضة حتى يكون إرسال الرسل وعدمه سواء، بل راجع أيضا إلى حكمة الله تعالى؛ فإرسال الرسل لا يخلو من حكمة الله ومصالح للعباد وسد لحوائجهم 2 خلافا للأشاعرة.
وطرق إثبات 3 نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم بالأمور الآتية:
الأول: ما تواتر من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية والخُلقية والخِلقية وسيرته وأمانته وصدقه وشجاعته وجوده وكرمه ونحوها قبل البعثة وبعدها وتركه متاع الدنيا مع اقتداره عليه.
__________
1 العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص75-83.
وانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص215، 314؛ والمسايرة ص119-220،والنبراس ص276.
2 العقائد النسفية مع شرحها ص132-133.
3 انظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص 134-137؛ والتوحيد للماتريدي ص302-303؛ والبداية للصابوني ص89-93.

(1/606)

الثاني: أنه نُقل عنه معجزات كثيرة مثل شق القمر ومكالمة الحيوانات ونبوع الماء من بين أصابعه وتكثيره الطعام والشراب القليل ونحوه وجنس الواقع من ذلك قد بلغ حدّ التواتر وتفصيل ذلك مذكور في كتب السير.
الثالث: أنه أتى بقرآن معجز، مع أنه كان أميا لم يكتب ولم يقرأ، وكان من قوم لا كتاب لهم، وتحدّى به البلغاء مع كمال بلاغتهم فعجزوا عن معارضته بأقصر سورة كما قال تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} “سورة البقرة: الآية23”.
أظهر الله دينه على الدين كله فهذا يدل دلالة قاطعة على كونه نبيا، هذا فيما يتصل بطرق النبوة.
ولم أقف لأبي حنيفة على نص في قضيّة طرق إثبات النبوة تفصيلا، وهل هي راجعة إلى المشيئة المحضة أم إلى الحكمة؟
وإنما تكلم عن العصمة، فقد صرح أن الأنبياء كانت منهم زلات وخطايا 1.
لكن نجد أن بعض الماتريدية من مشايخ سمرقند قد منعوا إطلاق اسم الزلة على ما صدر من الأنبياء من خطأ أو هفوة بل قالوا:
إنما يقال فعلوا الفاضل، وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه 2. بل صرح أبو منصور الماتريدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف منه هفوة 3، وهذا ظاهر المخالفة لما تضمنه قول الإمام أبي حنيفة، لأن الهفوة والزلة معناهما متقارب.
__________
1 الفقه الأكبر ص303.
2 مدارك التنزيل 1/43.
3 كتاب التوحيد ص202.

(1/607)

لذلك نرى لأمثال هؤلاء المغالين من الماتريدية في عصمة الأنبياء لمنع صدور الذنوب منهم مطلقا موقفا خطيرا من نصوص الكتاب والسنة التي تجوِّز على الأنبياء صدور جنس الذنوب والخطأ منهم. فما كان من قبيل أخبار الآحاد ردّوها صريحا وما كان من المتواتر حرفوها تحريفا قبيحا1.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أمثال هؤلاء المحرفين لنصوص الكتاب والسنة ما نصه: “والمنكرون لذلك ـ أي لجواز صدور الصغائر من الأنبياء ـ يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ويحرفون الكلم عن مواضعه ويقول: والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهى من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه 2.
وقال: “وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم”3.
سابعا ـ اليوم الآخر:
اتفق المسلمون بل وأهل الملل السماوية على الإيمان باليوم الآخر والتصديق بما أخبرت به الرسل من البعث والجزاء والجنة والنار، كما اتفق
__________
1 شرح العقائد النسفية 140؛ وحاشية الكستلي على شرح العقائد ص171-172؛ والنبراس ص455-457.
2 منهاج السنة 1/227؛ الطبعة القديمة؛ ومجموع الفتاوى 10/313-314.
3 مجموع الفتاوى 10/295، 313، 314.

(1/608)

سلف هذه الأمة وأئمتها على التصديق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه والبعث والحشر والنشر والصحف والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة وأحوال الجنة والنار وما أعد الله لأهلهما جملة وتفصيلا.
قال الأشعري:”باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول التي نبهوا بالأدلة عليها.. وأجمعوا على أن عذاب القبر حق وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها ويسألون فيثبت الله من أحب نبيه، وأنهم لا يذوقون فيها ألَم الموت كما قال تعالى: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} “سورة الدخان: الآية56”.
وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلا، وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة، وكذلك الجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة، وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه أفلح ومن خفت موازينه خاب وخسر وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا”1.
ووافقت الماتريدية السلف عامة وأبا حنيفة خاصة بالإيمان بالآخرة بما فيها الحشر والنشر وأحوال البرزخ والجنة والنار والميزان والصراط
__________
1 رسالة إلى أهل الثغر ص62، 88، 89، تحقيق مجد الدين الجنيد ط/ دار اللواء.

(1/609)

والشفاعة وقالوا: إنها من الأمور الممكنة أخبر بها الصادق ونطق بها الكتاب والسنة فتحمل هذه النصوص على ظاهرها1.
ثامنا ـ الصحابة والإمامة:
لا يختلف موقف عامة الماتريدية من الصحابة عن موقف أهل السنة والجماعة بمن فيهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله. فيقولون إن أفضل البشر بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: “أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم عليّ المرتضى على ترتيب خلافتهم وما وقع بين الصحابة من حروب كان خطأً عن اجتهاد فيجب الكف عن الطعن فيهم. والطعن فيهم إما كفر أو بدعة أو فسق، والخلافة الراشدة ثلاثون سنة، وأن المسلمين لا بد لهم من إمام لتنفيد الأحكام وإقامة الحدود وسد الثغور وتجييش الجيوش وأخذ الصدقات وقهر الغلبة والمتسلطة وقطاع الطرق وإقامة الجمعة والأعياد وقطع المنازعات وأن يكون الإمام ظاهرا لا مختفيا ولا منتظرا وأن يكون من قريش ولا يشترط أن يكون معصوما وأنه تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر ولا يجوز الخروج على الإمام الجائر”2.
__________
1 انظر شرح العقائد النسفية ص99-01؛ والبداية 158؛ والنبراس ص317.
2 انظر العقائد النسفية مع شرحها ص148-163؛ والبداية للصابوني ص100-105؛ وأصول الدين للبزدوي ص178-198.

(1/610)